جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ الْعَالَمِينَ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله :﴿إذْ قَالَ لَهُ رَبّهُ أسْلِمْ﴾ إذ قال له ربه : أخلص لي العبادة، واخضع لي بالطاعة، وقد دللنا فيما مضى على معنى الإسلام في كلام العرب، فأغنى عن إعادته.
وأما معنى قوله :﴿قَالَ أسْلَمْت لِرَبّ العَالَمِينَ﴾ فإنه يعني تعالى ذكره : قال إبراهيم مجيبا لربه : خضعت بالطاعة، وأخلصت بالعبادة لمالك جميع الخلائق ومدبرها دون غيره.
فإن قال قائل : قد علمت أن «إذْ » وقت فما الذي وُقّت به، وما الذي صلة ؟ قيل : هو صلة لقوله :﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدّنْيَا﴾. وتأويل الكلام : ولقد اصطفيناه في الدنيا حين قال له ربه أسلم، قال :﴿أسلمت لربّ العالمين﴾. فأظهر اسم «الله » في قوله : إِذْ قَالَ لَهُ رَبّهُ أسْلِمْ على وجه الخبر عن غائب، وقد جرى ذكره قبل على وجه الخبر عن نفسه، كما قال خُفاف بن ندبة :
أقُول لَهُ وَالرّمْحُ يأطُرُ مَتْنُهُ تأمّلْ خُفافا إنّنِي أنا ذَالِكَا
فإن قال لنا قائل : وهل دعا الله إبراهيم إلى الإسلام ؟ قيل له : نعم، قد دعاه إليه. فإن قال : وفي أيّ حال دعاه إليه ؟ قيل : حين قال :﴿يا قَوْمِ إِنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ، إنّي وَجّهْتُ وجْهِيَ لِلّذِي فَطَرَ السّمَوَاتِ وَاَلأرْضِ حَنِيفا، وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾، وذلك هو الوقت الذي قال له ربه أسلم من بعد ما امتحنه بالكواكب والقمر والشمس.