تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ( البقرة : ١٣٤ ).
التفسير :
قوله تعالى :﴿تلك آمة قد خلت﴾ : المشار إليه إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومن سبق ؛ وكان اليهود يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في هؤلاء ؛ فبين الله تعالى أن هذه أمة قد مضت ﴿لها ما كسبت ولكم ما كسبتم﴾ فلا تنالون مما كسبوا شيئاً ؛ ولا ينالون مما كسبتم شيئاً.
و «الأمة » هنا بمعنى طائفة ؛ وتطلق في القرآن على عدة معانٍ ؛ المعنى الأول : الطائفة، كما هنا ؛ المعنى الثاني : الحقبة من الزمن، مثل قوله تعالى :﴿وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة﴾ [يوسف: ٤٥] يعني : بعد حقبة من الزمن ؛ والمعنى الثالث : الإمام، مثل قوله تعالى :﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ [النحل: ١٢٠] ؛ والمعنى الرابع : الطريق، والملة، مثل قوله تعالى :﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾ [الزخرف: ٢٢].
قوله تعالى :﴿ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾ أي لا تُسألون عن أعمال من سبقكم ؛ لأن لهم ما كسبوا، ولكم ما كسبتم.
الفوائد :
١ من فوائد الآية : أن الاعتماد على أعمال الآباء لا يجدي شيئاً ؛ لقوله تعالى :﴿تلك أمة قد خلت...﴾ الآية ؛ يعني هم مضوا، وأسلموا لله ؛ وأنتم أيها اليهود الموجودون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم عليكم أن تنظروا ماذا كسبتم لأنفسكم.
٢ ومنها : الإشارة إلى أنه ينبغي لنا أن نسكت عما جرى بين الصحابة ؛ لأنا نقول كما قال الله لهؤلاء :﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم﴾ فنحن معنيون الآن بأنفسنا ؛ ويُذكر عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه سئل عما جرى بين الصحابة، فقال لهم :«هذه دماء طهر الله سيوفنا منها ؛ فنحن نطهر ألسنتنا منها » ؛ هذه كلمة عظيمة ؛ فعلى هذا النزاع فيما جرى بين معاوية، وعلي بن أبي طالب، وعائشة، وما أشبه ذلك لا محل له ؛ لكن الذي يجب أن نعتني به حاضر الأمة ؛ هذا الذي يجب أن يبين فيه الحق، ويبطَل فيه الباطل ؛ ونقول :﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾ [الحشر: ١٠].
٣ ومن فوائد الآية : أن الإنسان وعملَه ؛ لقوله تعالى :﴿لها ما كسبت ولكم ما كسبتم﴾ ؛ فلا أحد يعطى من عمل أحد، ولا يؤخذ منه ؛ قال تعالى :﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ [المدثر: ٣٨].
٤ ومنها : أن الآخِر لا يُسأل عن عمل الأول ؛ ولكن الأول قد يُسأل عن عمل الآخر، كما قال تعالى :﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار﴾ [القصص: ٤١] ؛ فقد يكون الأول صاحب بدعة، ويُتَّبَع على بدعته ؛ فيكون دالاً على ضلالة ؛ فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ؛ لكن الآخر لا يسأل عن عمل الأول ؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم :«لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا »(١) ؛ وفي لفظ :«فتؤذوا الأحياء »(٢).
٥ ومن فوائد الآية : إثبات عدل الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يؤاخذ أحداً بما لم يعمله ؛ لقوله تعالى :﴿ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾.
٦ ومنها : إثبات السؤال، وأن الإنسان سيُسأل ؛ لقوله تعالى :﴿ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾ ؛ منطوق الآية : نفي السؤال عن عمل الغير ؛ ومفهومها : ثبوت السؤال عن عمل العامل، وأنه مسؤول عن العمل.
١ سبق تخريجه ١/٢٩٤..
٢ أخرجه أحمد ٤/٢٥٢، حديث رقم ١٨٣٩٦، وأخرجه الترمذي ص١٨٥٥ – ١٨٥١، كتاب البر والصلة، باب ٥٠: ما جاء في الشتم، حديث رقم ١٩٨٢، وقال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح ٢/١٩٠، حديث رقم ١٦١٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى