اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :" مِنْ حَيْثُ " متعلق بقوله :" فولّ وَجْهَكَ " و " خرجت " في محلّ جر بإضافة " حيث " إليها، وقرأ عبد الله(١) بالفتح، وقد تقدم أنها إحدى اللغات، ولا تكون هنا شرطية، لعدم زيادة " ما "، والهاء في قوله :﴿وَإِنَّهُ للحَقُّ﴾ الكلام فيها كالكلام عليها فيما تقدّم.
وقرئ " تعلمون " بالياء والتاء، وهما واضحتان كما تقدم.

فصل في الكلام على الآية


اعلم أنه - تبارك وتعالى - قال أولاً :﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] وذكر هاهنا ثانياً قوله تعالى :﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
ثم ذكر ثالثاً قوله :﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ فما فائدة هذا التكرار ؟ فيه أقوال :
أحدها : أن الأحوال ثلاثة :
أولها أن يكون الإنسان في المسجد الحرام.
وثانيها : أن يخرج عن المسجد الحرام ويكون في البلد.
وثالثها : أن يخرج عن البلد إلى أقطار الأرض.
فالآية الأولى محمولة على الحالة الأولى، والثانية على الثانية، والثالثة على الثالثة ؛ لأنه قد يتوهّم أن للقرب حرمة لا تثبت فيها للبعد، فلأجل إزالة هذا الوهم كرر الله - تعالى - هذه الآيات.
والجواب : أنه علق بها كل مرة فائدة زائدة، ففي الأولى بين أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر نبوة محمد ﷺ وأمر هذه القبلة حقّ ؛ لأنهم شاهدوا ذلك في التوراة والإنجيل.
وفي الثانية بين أنه - تعالى - يشهد أن ذلك حقّ، وشهادة الله بكونه حقّاً مغايرة لعلم أهل الكتاب [ حقّاً ].
وفي الثالثة بين [ فعل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجّة ](٢)، فلما اختلفت هذه الفوائد حسنت إعادتها لأجل أن يترتب في كل واحدة في المرات واحدة من هذه الفوائد، ونظيره قوله تعالى :﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾
[البقرة: ٧٩].
وثالثها : لما قال في الأولى :﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فربما توهم متوهم أن هذا التحويل لمجرد رضاه فأزال هذا الوهم الفاسد بقوله عز وجل ثانياً :﴿وَمِنْ حَيْثُما خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي : إن التحويل ليس لمجرد رضاك، بل لأجل أنه الحق الذي لا محيد عنه، فاستقبالها ليس لمجرد الهوى والميل كقبلة اليهود المنسوخة التي يقيمون عليها بمجرّد الهوى والميل.
ثم قال تعالى ثالثاً :﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾(٣)والمراد منه الدوام على هذه القبلة في جميع الأزمنة والأوقات، وإشعار بأن هذا لا يصير منسوخاً.
ورابعها : أنه قرن كل آية بمعنى، فقرن الأولى وهي القبلة التي يرضاها ويحبّها بالقبلة التي كانوا يحبونها، وهي قبلة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - وقرن الآية الثانية بقوله :﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ أي : لكل صاحب ملّة قبلة يتوجّه إليها، فتوجهوا أنتم إلى أشرف الجهات التي يعلم الله أنها حقٌّ، وقرن الثالثة بقطع الله - تعالى - حجّة من خاض من اليهود في أمر القِبْلَةِ، فكانت هذه عللاً ثلاثاً قرن بكل واحدة منها أمراً بالتزام القبلة.
نظيره أن يقال : الزم هذه القبلة كأنها القبلة التي كنت تهواها، ثم يقال : الزم هذه القبلة، فإنها قبلة الحق لا قبلة الهوى، وهو قوله :﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ ثم يقال : الزم هذه القبلة، فإن في لزومك إياها انقطاع حجج اليهود عنك، وهذا التكرار في هذا الموضع كالتكرار في قوله تعالى :﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٦] وكذلك ما كرر في قوله تعالى :﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨].
وخامسها : أن هذه الواقعة أوّل الوقائع التي ظهر النَّسخ فيها في شرعنا، فدعت الحاجة إلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير، وإزالة الشبهة، وإيضاح البينات.
أما قوله سبحانه وتعالى :﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ يعني : ما يعمله هؤلاء المعاندون الذين يكتمون الحق، وهم يعرفونه، ويدخلون الشبهة على العامة بقولهم :﴿مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] وبأنه قد اشتاق إلى مولده، ودين آبائه، فإن الله عالم بهذا فأنزل ما أبطله. [ وقد تقدم الكلام على نفي الغَفْلة وعدم ذكر العلم ](٤).
١ - وقرأ بها عبد الله بن عمير كما في البحر: ١/ ٦١٣، وانظر الدر المصون: ١/٤٠٧..
٢ - في أ: العلة، وهي قطع حجة اليهود..
٣ - سقط في ب..
٤ - سقط في ب..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى