فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿لَقُوا﴾ أصله لقيوا، نقلت الضمة إلى القاف، وحذفت الياء، لالتقاء الساكنين. ومعنى لقيته ولاقيته : استقبلته قريباً. وقرأ محمد بن السميفع اليماني، وأبو حنيفة «لاقوا »، وأصله لاقيوا تحرّكت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين. وخلوت بفلان وإليه : إذا انفردت به. وإنما عدي بإلى، وهو يتعدى بالباء فيقال : خلوت به لا خلوت إليه ؛ لتضمنه معنى ذهبوا وانصرفوا. والشياطين جمع شيطان على التكسير. وقد اختلف كلام سيبويه في نون الشيطان، فجعلها في موضع من كتابه أصلية، وفي آخر زائدة، فعلى الأوّل هو من شطن، أي بعد عن الحق، وعلى الثاني من شطّ، أي : بعد أو شاط : أي بطل، وشاط، أي احترق، وأشاط : إذا هلك قال [ الشاعر ] :
وقد يَشِيطُ علىَ أرمَاحِنا البَطَلُ ***. . .
أي يهلك. وقال آخر :
وأبْيَضِ ذي تاجٍ أشَاطَت رِمَاحنُالمَعْتَركٍ بين الفوَارِس أقتمَا
أي : أهلكت. وحكي سيبويه أن العرب تقول : تشيطن فلان : إذا فعل أفعال الشياطين. ولو كان من شاط لقالوا : تشيط، ومنه قول أمية بن أبي الصلت :
أيما شاطن عصاه عكاه ورماه في السجن والأغلال
وقوله :﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ معناه مصاحبوكم في دينكم، وموافقوكم عليه. والهزؤ : السخرية واللعب. قال الراجز :
قد هَزِئَتْ مني أُم طيْسلَهقَالَت أرَاهُ مُعْدمَاً لا مَال لَهُ
قال في الكشاف : وأصل الباب الخفة، من الهزء، وهو القتل السريع، وهزأ يهزأ : مات على المكان. عن بعض العرب : مشيت فلغبت فظننت لأهزأنّ على مكاني. وناقته تهزأ به، أي تسرع وتخفّ. انتهى. وقيل أصله : الانتقام. قال الشاعر :
قد استهزءوا منهم بألفي مدججسراتهم وسط الصحاصح جثم
فأفاد قولهم ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أنهم ثابتون على الكفر، وأفاد قولهم ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ﴾ ردّهم للإسلام ورفعهم للحق، وكأنه جواب سؤال مقدّر ناشئ من قولهم :﴿إنا معكم﴾ أي : إذا كنتم معنا فما بالكم إذا لقيتم المسلمين وافقتموهم ؟ فقالوا : إنما نحن مستهزءون بهم في تلك الموافقة، ولم تكن بواطننا موافقة لهم ولا مائلة إليهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الواحدي والثعلبي بسند واه، لأن فيه محمد بن مروان وهو متروك، عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبيّ وأصحابه، وذكر قصة وقعت لهم مع أبي بكر وعمر وعليّ رضي الله عنهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال : كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي ﷺ، أو بعضهم قالوا : إنا على دينكم ﴿وَإِذَا خَلَوْا إلى شياطينهم﴾ وهم إخوانهم قالوا :﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ على مثل ما أنتم عليه ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ﴾ بأصحاب محمد ﴿الله يَسْتَهْزِىء بِهِمْ﴾ قال : يسخر بهم للنقمة منهم ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم﴾ قال : في كفرهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ قال : يتردّدون. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عنه بمعناه وأطول منه.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عنه بنحو الأوّل. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود في قوله :﴿وَإِذَا خَلَوْا إلى شياطينهم﴾ قال : رؤسائهم في الكفر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك قال :﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ أي : مضوا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة نحو ما قاله ابن مسعود، وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله :﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ قال : يملي لهم ﴿فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ﴾ قال : في كفرهم يتمادون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحو ما قاله ابن مسعود في تفسير يعمهون. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿يمدهم﴾ يزيدهم ﴿فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ﴾ قال يلعبون ويتردّدون في الضلالة. وأخرج أحمد في المسند عن أبي ذرّ قال : قال رسول الله ﷺ :«نعوذ بالله من شياطين الإنس والجنّ» فقلت : يا رسول الله وللإنس شياطين ؟ قال :«نعم».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى