اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
اعلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَة يَعْمُّ كُلَّ كافِرٍ ماتَ على كُفْره.
وقال أَبُو مُسْلِم(١) : يجبُ حَمْلُه على الَّذِينَ تقدَّم ذكْرُهُمْ، وهُمُ الذينَ يكْتُمُون الآياتِ، واحتجَّ بأنَّهُ تعالى لَمَّا ذَكَر حالَ الَّذِين يكْتُمُون، ثُمَّ ذكَرَ حالَ التَّائِبِين منْهم، ذكَرَ أيْضاً حَالَ مَن يَمُوتُ منْهم منْ غَيْر تَوْبَةٍ، وأيضاً : فإِنه تعالى لمَّا ذَكر أنَّ أولئكَ الكاتِمِينَ مَلْعُونُونَ حالَ الحياةِ، بيَّن أَنَّهم ملْعُونُون بَعْد المَوْت. وجوابُهُ : إِنَّمَا يصحُّ هذا، لو كان الَّذين يمُوتُون منْهُمْ مِنْ غير تَوْبة دخلُوا تَحْت الآيَةِ، وإلاَّ لاسْتَغْنَى عن ذكْرِهم فوجَبَ حَمْلُ الكلامِ على أمْرٍ مستأْنفٍ.
فإنْ قيل : كيْفَ يلْعَنُهُ النَّاس أَجْمَعُونَ، وأهْلُ [ دينِهِ لا يلْعَنُونَه ](٢).
فجوابُهُ منْ وجُوهٍ :
أحدها : أَنَّ أهل دينه يلْعَنُونه فِي الآخرة ؛ لقوله تعالى :﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥] قال أبو العَالِيَةِ :" يُوقَفُ الكافِرُ يَوْمَ القيامةِ، فيلْعَنُهُ اللَّهُ، ثم تَلْعَنُهُ الملائكةُ، ثم تلْعَنُهُ النَّاسُ " (٣).
وثانيها : قال قَتَادَةُ، والرَّبِيع : أَرَادَ بالنَّاس أجْمَعِين المؤمِنِينَ(٤) ؛ كأنه لَمْ يَعْتَدَّ بغَيْرهم، وحَكَم بأنَّ المؤمنين هُمُ النَّاس لا غَيْرُ.
وثالثها : أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَلْعَنُ الجاهلَ، والظَّالم ؛ لأنَّ قُبْحَ ذلك مُقَرَّرٌ في العُقُول(٥) فإذا كان في نَفسه [ هو جاهلاً، أو ظالماً، وإنْ كَانَ لا يعلَمُ هو مِن نَفْسه كوْنَهُ كَذَلِكَ ](٦) كانَتْ لعنتُهُ على الجَاهِلِ والظَّالم تتناوَلُ نَفْسَهُ.
ورابعها : أَنَّ يُحْمَل وُقُوعُ اللَّعْنَة عَلَى اسْتحْقَاق اللَّعْنِ، وحينئذ يَعُمُّ ذلك.
فَصل فِي بَيَانِ جَوِازٍ لَعْنِ مَنْ مَاتَ كَافِراً
قال أبو بَكْرٍ الرَّازِيُّ(٧) - رَضِيَ اللَّه عنه - : الآيَةُ الكريمة تدلُّ على أنَّ للمسلِمِين لعن مَنْ مات كَافِراً، وَأَنَّ زوالَ التكْليف عَنْه بالمَوْتِ لا يُسْقِطُ عَنْه اللَّعْنة ؟ لأنَّ قوله تعالى :" وَالنَّاس أَجْمَعِينَ " أمرٌ لَنَا بلَعْنِهِ بَعْدَ مَوته ؛ وَهَذَا يدلُّ على أنَّ الكافر، لَوْ جُنَّ، لم يَكُنْ زَوَالُ التَّكْلِيفِ عَنْه مُسْقِطاً اللَّعْنةَ والبَرَاءة منْهُ، وكذلك السَّبيلُ فيما يُوجِبُ المَدْحَ والموالاَةَ مِنَ الإِيمَان والصَّلاح، فَمَوْتُ مَنْ كان كذلك أو [ جنونُهُ لا يغيِّر(٨) ] حكْمَهُ عَمَّا كان علَيْه قَبْلَ حُدُوث الحَالِ به.
قوله تعالى :" وَمَاتُوا " الواو هذه واو الحال، والجُمْلَة في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحال، وإثباتُ الواو هُنَا أفْصَحُ ؛ خلافاً للفَرَّاء، والزَّمَخْشَريِّ، حيثُ قالا : إنَّ حَذْفَها شاذٌ. وقوله ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ :" أُولَئِكَ " : مبتدأٌ، [ و ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ : مبتدأ وخَبَرُه، خَبَرٌ عَنْ " أُولَئِكَ " ](٩) و " أُولَئِكَ " وخبَرُهُ : خَبَرٌ عَنْ " إنَّ "، ويجُوزُ في " لَعْنَةُ " الرفْعُ بالفاعليَّة بالجَار قَبْلَها ؛ لاعتَمادهَا ؛ فَإِنَّهُ وقع خَبَراً عن " أولئك " وتقدَّم تحريرُهُ في ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾
[البقرة: ١٥٧].
قال ابْنُ الْعَرَبيِّ : قَالَ لِي كثيرٌ مِنْ أشْيَاخِي : إنَّ الكافرَ المُعَيَّن لا يجوزُ لَعْنُهُ ؛ لأنَّ حاله عنْد المُوَافَاةِ لا تُعْلَمُ، وقَدْ شَرَط اللَّه تعالى في هذه الآية الكريمة في إطْلاَقِ اللَّعْنَةِ : المُوافَاةَ عَلَى الكُفْر.
وأمَّا ما رُويَ عَنِ النبيِّ - ﷺ وعَلَى آلِهِ وسلَّم، وشَرَّفَ وكَرَّمَ، ومَجَّدَ، وَبَجَّلَ وعَظَّم - أَنَّه لَعَنَ أَقْوَاماً بأعْيَانِهِمْ مِن الكُفَّار، فَإِنما كان ذَلِكَ ؛ لِعِلْمِهِ بمآلِهِمْ(١٠).
قال ابْنُ العَرَبِيِّ : والصحيحُ عنْدِي : جوازُ لَعْنِهِ ؛ لظاهر حَالِهِ، ولجواز قَتْله وقتَالِهِ.
وقد رُويَ عَنِ النبيِّ - ﷺ وعَلَى آلِهِ وسلَّم، وشَرَّفَ وكَرَّمَ، ومَجَّدَ، وَبَجَّلَ وعَظَّم - أنه قال :" اللَّهُمَّ، إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ هَجَانِي، وَقَدْ عَلِمَ أَنِّي لَسْتُ بشَاعِرٍ، فَالْعَنْهُ، واهْجُهُ عَدَدَ مَا هَجَانِي(١١) " [ فَلَعَنَهُ، وإن كان الإيمانُ والدِّينُ والإسْلاَمُ مَآلَهُ، وانتصف بقوله " عَدَدَ مَا هَجانِي (١٢) " ] ولم يَزِدْ ؛ لتعليمِ العَدْلِ والإنصافِ، وأضَافَ الهَجْوَ إلى اللَّه تعالَى في باب الجَزَاءِ، دون الابتداءِ بالوَصْف بذلك ؛ كما يضاف إليه المكْرُ والاسْتهْزَاءُ والخَديعةُ، تعالَى عَنْ ذلك.
قال القُرْطُبِيُّ(١٣) : أما لَعْنُ الكُفَّار جُمْلَةُ مِنْ غَيْر تَعْيين، فلا خِلاَفَ فيه ؛ لِمَا روَى مَالِكٌ، عن داوُدَ بْنِ الحُصيْنِ، أنَّه سَمِعَ الأَعْرَجَ يقُولُ :" مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إلاَّ وَهُمْ يَلْعَنُونَ الكَفَرَةَ فِي رَمَضانَ، وَسَواءٌ كَانَتْ لَهْم ذِمَّةٌ أَوْ لَمْ تَكْنْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ، وَلَكِنَّهُ مُبَاحٌ ".
قوله تعالى :" وَالمَلاَئِكَة " الجمهورُ على جرِّ الملائكة ؛ [ نَسَقاً عَلَى اسم اللَّه تعالى ](١٤)، وقرأ الحَسَنُ(١٥) بالرَّفْع، ﴿والمَلاَئِكَهُ وَالنَّاسُ أَجمَعُونَ﴾ وخرَّجَها النحاةُ عَلَى العَطْف على مَوْضع اسْم اللَّه تعالَى، فإنه وإِنْ كان مَجْرُوراً بإضافة المَصْدر، فموضعُهُ رَفْعٌ بالفاعلية ؛ لأنَّ هذا المَصْدر يَنحَلُّ لحَرْفٍ مصدريٍّ، وفِعْلٍ، والتقديرُ :" أَنْ لَعَنَهُمْ "، أوْ " أنْ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ "، فعطف الملائِكَةَ على هذا التَّقْدير.
قال أبو حيان(١٦) : وهذا لَيْسَ بجائزٍ على ما تقرَّر مِنَ العَطْفِ على الموضِع، فإنَّ مِنْ شرْطِهِ : أن يكُونَ ثمَّ مُحْرِزٌ للموْضِعِ، وطَالبٌ، والطالبُ للرفع وجودُ التَّنْوِينِ في المَصْدَر، هذا إِذَا سَلَّمْنَا أن " لَعْنَة " تنحلُّ لِحَرْفٍ مصدريٍّ، وفعْلٍ ؛ لأنَّ الانحلال لذلك شرطُهُ أنْ يُقْصَدَ به العلاجُ ؛ ألا ترَى أنَّ قوله :﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾
[هود: ١٨] لَيْسَ المعنَى على تقْدير : أنْ يلْعَنَ اللَّهُ على الظالمين، بل المرادُ اللَّعْنَةُ المستقرَّة، وأضيفتْ للَّه على سَبِيلِ التَّخْصِيص، لا على سَبِيلِ الحُدُوث. ونقلَ عن سِيبَوَيْهِ(١٧) : أنَّ قولك : هَذَا ضَارِبُ زَيْدٍ غَداً وَعَمْراً، بنَصْب " عَمْراً " : أنَّ نَصْبَه بفعْل محذوفٍ، وأبى أَنْ ينصبَهُ بالعَطْف على المَوْضِع، ثم بعد تَسْليمه ذلك كلَّه، قال : المَصْدرُ المُنَوَّن لم يُسْمَعْ بعده فاعِلٌ مرفوعٌ، ومفعولٌ منصوبٌ، إِنَّمَا قاله البصريُّون قياساً على " أنْ والفِعْل " ومنَعَهُ الفَرَّاء، وهو الصحيحُ ثم إِنَّه خَرَّجَ هذه القراءة الشَّاذَّة على أحَدِ ثلاثةِ أوجُهٍ :
الأول : أن تكونَ الملائكةُ مرفوعةً بفعلٍ محذُوفٍ، أي :" وتَلَعَنُهُمُ المَلاَئِكَةُ " ؛ كما نصَبَ سِيبَوَيْهِ " عَمْراً " في قولِكَ " ضَارِبُ زَيْداً وَعَمْراً " بفعْلٍ محذوفٍ.
الثاني : أَنْ تكُونَ الملائكةُ عَطْفاً على " لَعْنَةُ " بتقدير حَذْف مضافٍ، أي :" وَلَعْنَةُ المَلاَئِكَةِ " فَلَمَّا حذَفَ المضافَ، أُقِيمَ المضافُ إلَيْه مُقَامَهُ.
الثالث : أنْ يكُونَ مبتدأً قد حُذِفَ خبرهُ تقْديرُهُ ﴿وَالمَلاَئِكَةُ وَالنَّاسُ أَجْمَعُونَ تَلْعَنُهُمْ﴾ وهذه أوجُهٌ متكلَّفةٌ، وإِعْمَالُ المصدر المنوَّنِ ثابِتٌ ؛ غايُةُ ما في الباب : أنه قد يُحْذَفُ فاعلُهُ ؛ كقوله﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: ١٤ - ١٥]. وأيْضاً : فقد أَتْبَعَتِ العَرَبُ المجرورَ بالمَصْدر عَلَى موضعيهِ رَفْعاً ؛ قال :[ البسيط ].
برفع " الفُضُلُ " وهي صفة ل " الهَلُوكِ " على المَوْضِع ؛ وإذَا ثَبَتَ ذلكَ في النَّعْتِ، ثَبَتَ فِي العَطْفِ ؛ لأنَّهما تابعانِ مِنَ التوابع الخمْسَةِ، و " أَجْمَعِينَ " : من ألْفَاظِ التأْكِيد المعنويِّ بمنزلةِ كُلٍّ.
قال ابنُ الخَطِيبِ(١٩) : والآيةُ تَدُلُّ على جواز التَّخْصْيصِ معَ التَّوْكِيد ؛ لأنَّه تعالى قال :" والنَّاسِ أَجْمَعِينَ " مع أنَّه مخصوصٌ على مَذْهَب مَنْ قال : المراد بالنَّاس بَعْضُهُمْ.
وقال أَبُو مُسْلِم(١) : يجبُ حَمْلُه على الَّذِينَ تقدَّم ذكْرُهُمْ، وهُمُ الذينَ يكْتُمُون الآياتِ، واحتجَّ بأنَّهُ تعالى لَمَّا ذَكَر حالَ الَّذِين يكْتُمُون، ثُمَّ ذكَرَ حالَ التَّائِبِين منْهم، ذكَرَ أيْضاً حَالَ مَن يَمُوتُ منْهم منْ غَيْر تَوْبَةٍ، وأيضاً : فإِنه تعالى لمَّا ذَكر أنَّ أولئكَ الكاتِمِينَ مَلْعُونُونَ حالَ الحياةِ، بيَّن أَنَّهم ملْعُونُون بَعْد المَوْت. وجوابُهُ : إِنَّمَا يصحُّ هذا، لو كان الَّذين يمُوتُون منْهُمْ مِنْ غير تَوْبة دخلُوا تَحْت الآيَةِ، وإلاَّ لاسْتَغْنَى عن ذكْرِهم فوجَبَ حَمْلُ الكلامِ على أمْرٍ مستأْنفٍ.
فإنْ قيل : كيْفَ يلْعَنُهُ النَّاس أَجْمَعُونَ، وأهْلُ [ دينِهِ لا يلْعَنُونَه ](٢).
فجوابُهُ منْ وجُوهٍ :
أحدها : أَنَّ أهل دينه يلْعَنُونه فِي الآخرة ؛ لقوله تعالى :﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥] قال أبو العَالِيَةِ :" يُوقَفُ الكافِرُ يَوْمَ القيامةِ، فيلْعَنُهُ اللَّهُ، ثم تَلْعَنُهُ الملائكةُ، ثم تلْعَنُهُ النَّاسُ " (٣).
وثانيها : قال قَتَادَةُ، والرَّبِيع : أَرَادَ بالنَّاس أجْمَعِين المؤمِنِينَ(٤) ؛ كأنه لَمْ يَعْتَدَّ بغَيْرهم، وحَكَم بأنَّ المؤمنين هُمُ النَّاس لا غَيْرُ.
وثالثها : أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَلْعَنُ الجاهلَ، والظَّالم ؛ لأنَّ قُبْحَ ذلك مُقَرَّرٌ في العُقُول(٥) فإذا كان في نَفسه [ هو جاهلاً، أو ظالماً، وإنْ كَانَ لا يعلَمُ هو مِن نَفْسه كوْنَهُ كَذَلِكَ ](٦) كانَتْ لعنتُهُ على الجَاهِلِ والظَّالم تتناوَلُ نَفْسَهُ.
ورابعها : أَنَّ يُحْمَل وُقُوعُ اللَّعْنَة عَلَى اسْتحْقَاق اللَّعْنِ، وحينئذ يَعُمُّ ذلك.
فَصل فِي بَيَانِ جَوِازٍ لَعْنِ مَنْ مَاتَ كَافِراً
قال أبو بَكْرٍ الرَّازِيُّ(٧) - رَضِيَ اللَّه عنه - : الآيَةُ الكريمة تدلُّ على أنَّ للمسلِمِين لعن مَنْ مات كَافِراً، وَأَنَّ زوالَ التكْليف عَنْه بالمَوْتِ لا يُسْقِطُ عَنْه اللَّعْنة ؟ لأنَّ قوله تعالى :" وَالنَّاس أَجْمَعِينَ " أمرٌ لَنَا بلَعْنِهِ بَعْدَ مَوته ؛ وَهَذَا يدلُّ على أنَّ الكافر، لَوْ جُنَّ، لم يَكُنْ زَوَالُ التَّكْلِيفِ عَنْه مُسْقِطاً اللَّعْنةَ والبَرَاءة منْهُ، وكذلك السَّبيلُ فيما يُوجِبُ المَدْحَ والموالاَةَ مِنَ الإِيمَان والصَّلاح، فَمَوْتُ مَنْ كان كذلك أو [ جنونُهُ لا يغيِّر(٨) ] حكْمَهُ عَمَّا كان علَيْه قَبْلَ حُدُوث الحَالِ به.
قوله تعالى :" وَمَاتُوا " الواو هذه واو الحال، والجُمْلَة في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحال، وإثباتُ الواو هُنَا أفْصَحُ ؛ خلافاً للفَرَّاء، والزَّمَخْشَريِّ، حيثُ قالا : إنَّ حَذْفَها شاذٌ. وقوله ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ :" أُولَئِكَ " : مبتدأٌ، [ و ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ : مبتدأ وخَبَرُه، خَبَرٌ عَنْ " أُولَئِكَ " ](٩) و " أُولَئِكَ " وخبَرُهُ : خَبَرٌ عَنْ " إنَّ "، ويجُوزُ في " لَعْنَةُ " الرفْعُ بالفاعليَّة بالجَار قَبْلَها ؛ لاعتَمادهَا ؛ فَإِنَّهُ وقع خَبَراً عن " أولئك " وتقدَّم تحريرُهُ في ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾
[البقرة: ١٥٧].
فصل في هل يجوز لعن الكافر المعين
قال ابْنُ الْعَرَبيِّ : قَالَ لِي كثيرٌ مِنْ أشْيَاخِي : إنَّ الكافرَ المُعَيَّن لا يجوزُ لَعْنُهُ ؛ لأنَّ حاله عنْد المُوَافَاةِ لا تُعْلَمُ، وقَدْ شَرَط اللَّه تعالى في هذه الآية الكريمة في إطْلاَقِ اللَّعْنَةِ : المُوافَاةَ عَلَى الكُفْر.
وأمَّا ما رُويَ عَنِ النبيِّ - ﷺ وعَلَى آلِهِ وسلَّم، وشَرَّفَ وكَرَّمَ، ومَجَّدَ، وَبَجَّلَ وعَظَّم - أَنَّه لَعَنَ أَقْوَاماً بأعْيَانِهِمْ مِن الكُفَّار، فَإِنما كان ذَلِكَ ؛ لِعِلْمِهِ بمآلِهِمْ(١٠).
قال ابْنُ العَرَبِيِّ : والصحيحُ عنْدِي : جوازُ لَعْنِهِ ؛ لظاهر حَالِهِ، ولجواز قَتْله وقتَالِهِ.
وقد رُويَ عَنِ النبيِّ - ﷺ وعَلَى آلِهِ وسلَّم، وشَرَّفَ وكَرَّمَ، ومَجَّدَ، وَبَجَّلَ وعَظَّم - أنه قال :" اللَّهُمَّ، إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ هَجَانِي، وَقَدْ عَلِمَ أَنِّي لَسْتُ بشَاعِرٍ، فَالْعَنْهُ، واهْجُهُ عَدَدَ مَا هَجَانِي(١١) " [ فَلَعَنَهُ، وإن كان الإيمانُ والدِّينُ والإسْلاَمُ مَآلَهُ، وانتصف بقوله " عَدَدَ مَا هَجانِي (١٢) " ] ولم يَزِدْ ؛ لتعليمِ العَدْلِ والإنصافِ، وأضَافَ الهَجْوَ إلى اللَّه تعالَى في باب الجَزَاءِ، دون الابتداءِ بالوَصْف بذلك ؛ كما يضاف إليه المكْرُ والاسْتهْزَاءُ والخَديعةُ، تعالَى عَنْ ذلك.
قال القُرْطُبِيُّ(١٣) : أما لَعْنُ الكُفَّار جُمْلَةُ مِنْ غَيْر تَعْيين، فلا خِلاَفَ فيه ؛ لِمَا روَى مَالِكٌ، عن داوُدَ بْنِ الحُصيْنِ، أنَّه سَمِعَ الأَعْرَجَ يقُولُ :" مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إلاَّ وَهُمْ يَلْعَنُونَ الكَفَرَةَ فِي رَمَضانَ، وَسَواءٌ كَانَتْ لَهْم ذِمَّةٌ أَوْ لَمْ تَكْنْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ، وَلَكِنَّهُ مُبَاحٌ ".
قوله تعالى :" وَالمَلاَئِكَة " الجمهورُ على جرِّ الملائكة ؛ [ نَسَقاً عَلَى اسم اللَّه تعالى ](١٤)، وقرأ الحَسَنُ(١٥) بالرَّفْع، ﴿والمَلاَئِكَهُ وَالنَّاسُ أَجمَعُونَ﴾ وخرَّجَها النحاةُ عَلَى العَطْف على مَوْضع اسْم اللَّه تعالَى، فإنه وإِنْ كان مَجْرُوراً بإضافة المَصْدر، فموضعُهُ رَفْعٌ بالفاعلية ؛ لأنَّ هذا المَصْدر يَنحَلُّ لحَرْفٍ مصدريٍّ، وفِعْلٍ، والتقديرُ :" أَنْ لَعَنَهُمْ "، أوْ " أنْ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ "، فعطف الملائِكَةَ على هذا التَّقْدير.
قال أبو حيان(١٦) : وهذا لَيْسَ بجائزٍ على ما تقرَّر مِنَ العَطْفِ على الموضِع، فإنَّ مِنْ شرْطِهِ : أن يكُونَ ثمَّ مُحْرِزٌ للموْضِعِ، وطَالبٌ، والطالبُ للرفع وجودُ التَّنْوِينِ في المَصْدَر، هذا إِذَا سَلَّمْنَا أن " لَعْنَة " تنحلُّ لِحَرْفٍ مصدريٍّ، وفعْلٍ ؛ لأنَّ الانحلال لذلك شرطُهُ أنْ يُقْصَدَ به العلاجُ ؛ ألا ترَى أنَّ قوله :﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾
[هود: ١٨] لَيْسَ المعنَى على تقْدير : أنْ يلْعَنَ اللَّهُ على الظالمين، بل المرادُ اللَّعْنَةُ المستقرَّة، وأضيفتْ للَّه على سَبِيلِ التَّخْصِيص، لا على سَبِيلِ الحُدُوث. ونقلَ عن سِيبَوَيْهِ(١٧) : أنَّ قولك : هَذَا ضَارِبُ زَيْدٍ غَداً وَعَمْراً، بنَصْب " عَمْراً " : أنَّ نَصْبَه بفعْل محذوفٍ، وأبى أَنْ ينصبَهُ بالعَطْف على المَوْضِع، ثم بعد تَسْليمه ذلك كلَّه، قال : المَصْدرُ المُنَوَّن لم يُسْمَعْ بعده فاعِلٌ مرفوعٌ، ومفعولٌ منصوبٌ، إِنَّمَا قاله البصريُّون قياساً على " أنْ والفِعْل " ومنَعَهُ الفَرَّاء، وهو الصحيحُ ثم إِنَّه خَرَّجَ هذه القراءة الشَّاذَّة على أحَدِ ثلاثةِ أوجُهٍ :
الأول : أن تكونَ الملائكةُ مرفوعةً بفعلٍ محذُوفٍ، أي :" وتَلَعَنُهُمُ المَلاَئِكَةُ " ؛ كما نصَبَ سِيبَوَيْهِ " عَمْراً " في قولِكَ " ضَارِبُ زَيْداً وَعَمْراً " بفعْلٍ محذوفٍ.
الثاني : أَنْ تكُونَ الملائكةُ عَطْفاً على " لَعْنَةُ " بتقدير حَذْف مضافٍ، أي :" وَلَعْنَةُ المَلاَئِكَةِ " فَلَمَّا حذَفَ المضافَ، أُقِيمَ المضافُ إلَيْه مُقَامَهُ.
الثالث : أنْ يكُونَ مبتدأً قد حُذِفَ خبرهُ تقْديرُهُ ﴿وَالمَلاَئِكَةُ وَالنَّاسُ أَجْمَعُونَ تَلْعَنُهُمْ﴾ وهذه أوجُهٌ متكلَّفةٌ، وإِعْمَالُ المصدر المنوَّنِ ثابِتٌ ؛ غايُةُ ما في الباب : أنه قد يُحْذَفُ فاعلُهُ ؛ كقوله﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: ١٤ - ١٥]. وأيْضاً : فقد أَتْبَعَتِ العَرَبُ المجرورَ بالمَصْدر عَلَى موضعيهِ رَفْعاً ؛ قال :[ البسيط ].
| ٨٦١ -. . . | مَشْيَ الهَلُوكِ عَلَيْهَا الخَيْعَلُ الْفَضُلُ(١٨) |
قال ابنُ الخَطِيبِ(١٩) : والآيةُ تَدُلُّ على جواز التَّخْصْيصِ معَ التَّوْكِيد ؛ لأنَّه تعالى قال :" والنَّاسِ أَجْمَعِينَ " مع أنَّه مخصوصٌ على مَذْهَب مَنْ قال : المراد بالنَّاس بَعْضُهُمْ.
١ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٥١..
٢ - في ب: دينهم يلعنونهم..
٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٢٦٢) عن أبي العالية، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٩٨) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٢٦٢) عن الربيع وقتادة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" عن قتادة (١/٢٩٨) وزاد نسبته لعبد بن حميد..
٥ - ذكره الفخر الرازي في تفسير: ٤/١٥١..
٦ - سقط في ب..
٧ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٥١..
٨ - في ب: جنانه لا بيغير..
٩ - سقط في ب..
١٠ - ينظر تفسير القرطبي: ١/١٢٦..
١١ - الحديث أخرجه الروياني في "مسنده" وابن عساكر في "تاريخ دمشق" كما في "كنز العمال" (١٣/٥٤٨) رقم (٣٧٤٣١) عن البراء بن عازب.
وقال ابن عساكر: في إسناده مقال..
١٢ - سقط في: ب..
١٣ - ينظر تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٧..
١٤ - سقط في ب..
١٥ - ينظر الدر المصون: ١/٤١٨، والبحر المحيط: ١/٦٣٥، والمحرر الوجيز: ١/٢٣٢..
١٦ - ينظر البحر المحيط: ١/٦٣٥..
١٧ - ينظر الكتاب: ١/٥٦، ١/٨٦..
١٨ - عجز بيت للمتنخل الهذلي. ينظر ديوان الهذليين: ٢/٣٤، والخصائص: ٢/ ١٦٧، والهمع: ١/ ١٨٧، والأشموني: ٢/٢٩٠، والدرر: ١/١٦٠، والدر المصون: ١/٤١٨..
١٩ - ينظر تفسير الرازي: ٤/١٥١-١٥٢..
٢ - في ب: دينهم يلعنونهم..
٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٢٦٢) عن أبي العالية، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٢٩٨) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٤ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٢٦٢) عن الربيع وقتادة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" عن قتادة (١/٢٩٨) وزاد نسبته لعبد بن حميد..
٥ - ذكره الفخر الرازي في تفسير: ٤/١٥١..
٦ - سقط في ب..
٧ - ينظر تفسير الفخر الرازي: ٤/١٥١..
٨ - في ب: جنانه لا بيغير..
٩ - سقط في ب..
١٠ - ينظر تفسير القرطبي: ١/١٢٦..
١١ - الحديث أخرجه الروياني في "مسنده" وابن عساكر في "تاريخ دمشق" كما في "كنز العمال" (١٣/٥٤٨) رقم (٣٧٤٣١) عن البراء بن عازب.
وقال ابن عساكر: في إسناده مقال..
١٢ - سقط في: ب..
١٣ - ينظر تفسير القرطبي: ٢/ ١٢٧..
١٤ - سقط في ب..
١٥ - ينظر الدر المصون: ١/٤١٨، والبحر المحيط: ١/٦٣٥، والمحرر الوجيز: ١/٢٣٢..
١٦ - ينظر البحر المحيط: ١/٦٣٥..
١٧ - ينظر الكتاب: ١/٥٦، ١/٨٦..
١٨ - عجز بيت للمتنخل الهذلي. ينظر ديوان الهذليين: ٢/٣٤، والخصائص: ٢/ ١٦٧، والهمع: ١/ ١٨٧، والأشموني: ٢/٢٩٠، والدرر: ١/١٦٠، والدر المصون: ١/٤١٨..
١٩ - ينظر تفسير الرازي: ٤/١٥١-١٥٢..