جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ وَالْفُلْكِ الّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السّمَآءِ مِن مّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثّ فِيهَا مِن كُلّ دَآبّةٍ وَتَصْرِيفِ الرّيَاحِ وَالسّحَابِ الْمُسَخّرِ بَيْنَ السّمَآءِ وَالأرْضِ لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية على نبيه محمد ﷺ.
فقال بعضهم : أنزلها عليه احتجاجا له على أهل الشرك به من عبدة الأوثان، وذلك أن الله تعالى ذكره لما أنزل على نبيه محمد ﷺ : وإلهُكُمْ إلهٌ وَاحِدٌ لا إلهَ إلاّ هُوَ الرّحْمَنُ الرّحِيمُ فتلا ذلك على أصحابه، وسمع به المشركون من عبدة الأوثان، قال المشركون : وما الحجة والبرهان على أن ذلك كذلك، ونحن ننكر ذلك، ونحن نزعم أن لنا آلهة كثيرة ؟ فأنزل الله عند ذلك : إنّ في خَلْق السّمَوات وَالأرْض احتجاجا لنبيه ﷺ على الذين قالوا ما ذكرنا عنهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، قال : نزل على النبيّ ﷺ بالمدينة : وَإلهُكُمْ إلهٌ وَاحِدٌ لا إلهَ إلاّ هُوَ الرّحْمَنُ الرّحِيمُ فقال كفار قريش بمكة : كيف يسع الناس إله واحد ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : إنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ والأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ إلى قوله : لاَياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء وخالق كل شيء.
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية على النبيّ ﷺ من أجل أن أهل الشرك سألوا رسول الله ﷺ ( آيةً )، فأنزل الله هذه الآية يعلمهم فيها أن لهم في خلق السمَوات والأرض وسائر ما ذكر مع ذلك آية بينة على وحدانية الله، وأنه لا شريك له في ملكه لمن عقل وتدبر ذلك بفهم صحيح. ذكر من قال ذلك :
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، قال : لما نزلت : وَإلهُكُمْ إلهٌ وَاحِدٌ لا إلهَ إلاّ هُوَ الرّحْمَنُ الرّحِيمُ قال المشركون : إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية فأنزل الله تعالى ذكره : إن في خَلْقِ السّمَواتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ والنّهَارِ. . . الآية.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال : حدثني سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى، قال : لما نزلت وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إلاّ هُوَ الرّحْمَنُ الرّحِيم قال المشركون : إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية فأنزل الله تعالى ذكره إن في خَلْق السّمَوَات والأَرْض وَاخْتِلاف اللّيْلِ وَالنّهار. . . الآية.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال : حدثني سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى، قال : لما نزلت هذه الآية جعل المشركون يعجبون ويقولون : تقول إلهكم إله واحد، فلتأتنا بآية إن كنت من الصادقين فأنزل الله : إنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ والأرضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ. . . الآية.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح : أن المشركين قالوا للنبيّ ﷺ : أرنا آية فنزلت هذه الآية : إنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد، قال : سألت قريش اليهود، فقالوا : حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات فحدثوهم بالعصا وبيده البيضاء للناظرين، وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى من الاَيات، فأخبروهم أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. فقالت قريش عند ذلك للنبيّ ﷺ : ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهبا فنزداد يقينا، ونتقوّى به على عدوّنا فسأل النبيّ ﷺ ربه، فأوحى إليه : إني معطيهم، فأجعل لهم الصفا ذهبا، ولكن إن كذبوا عذّبتهم عذابا لم أعذبه أحدا من العالمين. فقال النبيّ ﷺ :«ذَرْنِي وَقَوْمِي فَأدْعُوَهُمْ يَوْما بِيَوْم » فأنزل الله عليه : إنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ الآية، إن في ذلك لاَية لهم، إن كانوا إنما يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهبا، فخلق الله السمَوات والأرض واختلاف الليل والنّهار أعظم من أن أجعل لهم الصفا ذهبا ليزدادوا يقينا.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : إنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ فقال المشركون للنبيّ ﷺ : غيّر لنا الصفا ذهبا إن كنت صادقا أنه منه فقال الله : إن في هذه الاَيات لاَيات لقوم يعقلون. وقال : قد سأل الاَيات قوم قبلكم، ثم أصبحوا بها كافرين.
والصواب من القول في ذلك، أن الله تعالى ذكره نبه عباده على الدلالة على وحدانيته وتفرّده بالألوهية دون كل ما سواه من الأشياء بهذه الآية. وجائز أن تكون نزلت فيما قاله عطاء، وجائز أن تكون فيما قاله سعيد بن جبير وأبو الضحى، ولا خبر عندنا بتصحيح قول أحد الفريقين يقطع العذر فيجوز أن يقضي أحد لأحد الفريقين بصحة قول على الآخر. وأيّ القولين كان صحيحا فالمراد من الآية ما قلت.
يعني تعالى ذكره بقوله : إنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ إن في إنشاء السمَوات والأرض وابتداعهما. ومعنى خلق الله الأشياء : ابتداعه وإيجاده إياها بعد أن لم تكن موجودة.
وقد دللنا فيما مضى على المعنى الذي من أجله قيل «الأرض » ولم تجمع كما جمعت السموات، فأغنى ذلك عن إعادته.
فإن قال لنا قائل : وهل للسموات والأرض خلق هو غيرها فيقال : إن في خلق السموات والأرض ؟ قيل : قد اختلف في ذلك، فقال بعض الناس : لها خلق هو غيرها، واعتلوا في ذلك بهذه الآية، وبالتي في سورة الكهف : مَا أشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلاَ خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وقالوا : لم يخلق الله شيئا إلا والله له مريد. قالوا : فالأشياء كانت بإرادة الله، والإرادة خلقٌ لها.
وقال آخرون : خلق الشيء صفة له، لا هي هو ولا غيره. قالوا : لو كان غيره لوجب أن يكون مثله موصوفا. قالوا : ولو جاز أن يكون خلقه غيره وأن يكون موصوفا لوجب أن تكون له صفة هي له خلق، ولو وجب ذلك كذلك لم يكن لذلك نهاية. قالوا : فكان معلوما بذلك أنه صفة للشيء. قالوا : فخلق السمَوات والأرض صفة لهما على ما وصفنا. واعتلوا أيضا بأن للشيء خلقا ليس هو به من كتاب الله بنحو الذي اعتلّ به الأوّلون.
وقال آخرون : خلق السمَوات والأرض وخلق كل مخلوق، هو ذلك الشيء بعينه لا غيره.
فمعنى قوله : إنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ : إن في السموات والأرض.
يعني تعالى ذكره بقوله : وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ وتعاقب الليل والنهار عليكم أيها الناس. وإنما الاختلاف في هذا الموضع الافتعال من خُلوف كل واحد منهما الاَخر، كما قال تعالى ذكره : وَهُوَ الّذِي جَعَلَ اللّيْلَ وَالنّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أرَادَ أنْ يَذّكّرَ أوْ أرَادَ شُكُورا بمعنى : أن كل واحد منهما يخلف مكان صاحبه، إذا ذهب الليل جاء النهار بعده، وإذا ذهب النهار جاء الليل خلفه ومن ذلك قيل : خلف فلان فلانا في أهله بسوء، ومنه قول زهير :
بها العِينُ والآرام يَمْشِينَ خِلْفَة ًوأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِنْ كُلّ مَجْثِم
وأما الليل فإنه جمع ليلة، نظير التمر الذي هو جمع تمرة، وقد يجمع ليال فيزيدون في جمعها ما لم يكن في واحدتها. وزيادتهم الياء في ذلك نظير زيادتهم إياها في رباعية وثمانية وكراهية. وأما النهار فإن العرب لا تكاد تجمعه لأنه بمنزلة الضوء، وقد سمع في جمعه «النّهُر » قال الشاعر :
لَوْلا الثّريدَان هَلَكْنا بالضّمُرْ ثَريدُ لَيْلٍ وَثَريدٌ بالنّهُرْ
ولو قيل في جمع قليله أنهرة كان قياسا.
يعني تعالى ذكره : إن في الفلك التي تجري في البحر. والفلك هو السفن، واحده وجمعه بلفظ واحد، ويذكر ويؤنث، كما قال تعالى ذكره في تذكيره في آية أخرى : وآيَةٌ لَهُمْ أنّا حَمَلْنَا ذُرّيّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُون فذكره، وقد قال في هذه الآية : وَالفُلْكِ الّتي تَجْرِي فِي البَحْرِ وهي مُجراة، لأنها إذا أجريت فهي الجارية، فأضيف إليها من الصفة ما هو لها.
وأما قوله : بِمَا يَنْفَعُ النّاسَ فإن معناه : ينفع الناس في البحر.
يعني تعالى ذكره بقوله : وَما أنْزَلَ اللّهُ مِنَ السّماءِ مِنْ ماءٍ وفيما أنزله الله من السماء من ماء، وهو المطر الذي ينزله الله من السماء.
وقوله : فَأحيْا بِهِ الأرْضَ بَعَدْ مَوْتِها وإحياؤها : عمارتها وإخراج نباتها، والهاء التي في «به » عائدة على الماء والهاء والألف في قوله : بَعْدَ مَوْتها على الأرض، وموت الأرض : خرابها ودثور عمارتها، وانقطاع نباتها الذي هو للعباد أقوات وللأنام أرزاق.
يعني تعالى ذكره بقوله : وَبَثّ فِيها مِنْ كُلّ دابّةٍ وإن فيما بثّ في الأرض من دابة. ومعنى قوله : وبَثّ فِيها وفرّق فيها، من قول القائل : بثّ الأمير سراياه : يعني فرّق. والهاء والألف في قوله :«فِيها » عائدتان على الأرض. والدابة الفاعلة من قول القائل دبت الدابة تدبّ دبيبا فهي دابة، والدابة اسم لكل ذي روح كان غير طائر بجناحيه لدبيبه على الأرض.
يعني تعالى ذكره بقوله : وَتَصْرِيفُ الرّياحِ وفي تصريفه الرياح، فأسقط ذكر الفاعل وأضاف الفعل إلى المفعول، كما قال : يعجبني إكرام أخيك، يريد إكرامك أخاك وتصريف الله إياها : أن يرسلها مرة لواقح، ومرة يجعلها عقيما، ويبعثها عذابا تدمر كل شيء بأمر ربها. كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : وَتَصْريف الرّياحِ والسحاب المُسَخّرِ قال : قادر والله ربنا على ذلك، إذا شاء جعلها عذابا ريحا عقيما لا تلقح، إنما هي عذاب على من أرسلت عليه.
وزعم بعض أهل العربية أن معنى قوله : وَتَصْرِيفِ الرّياحِ أنها تأتي مرّة جنوبا وشمالاً وقَبُولاً ودَبُورا ثم قال : وذلك تصريفها. وهذه الصفة التي وصف الرياح بها صفة تصرّفها لا صفة تصريفها، لأن تصريفها تصريف الله لها، وتصرّفها اختلاف هبوبها. وقد يجوز أ
اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية على نبيه محمد ﷺ.
فقال بعضهم : أنزلها عليه احتجاجا له على أهل الشرك به من عبدة الأوثان، وذلك أن الله تعالى ذكره لما أنزل على نبيه محمد ﷺ : وإلهُكُمْ إلهٌ وَاحِدٌ لا إلهَ إلاّ هُوَ الرّحْمَنُ الرّحِيمُ فتلا ذلك على أصحابه، وسمع به المشركون من عبدة الأوثان، قال المشركون : وما الحجة والبرهان على أن ذلك كذلك، ونحن ننكر ذلك، ونحن نزعم أن لنا آلهة كثيرة ؟ فأنزل الله عند ذلك : إنّ في خَلْق السّمَوات وَالأرْض احتجاجا لنبيه ﷺ على الذين قالوا ما ذكرنا عنهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، قال : نزل على النبيّ ﷺ بالمدينة : وَإلهُكُمْ إلهٌ وَاحِدٌ لا إلهَ إلاّ هُوَ الرّحْمَنُ الرّحِيمُ فقال كفار قريش بمكة : كيف يسع الناس إله واحد ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : إنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ والأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ إلى قوله : لاَياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء وخالق كل شيء.
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية على النبيّ ﷺ من أجل أن أهل الشرك سألوا رسول الله ﷺ ( آيةً )، فأنزل الله هذه الآية يعلمهم فيها أن لهم في خلق السمَوات والأرض وسائر ما ذكر مع ذلك آية بينة على وحدانية الله، وأنه لا شريك له في ملكه لمن عقل وتدبر ذلك بفهم صحيح. ذكر من قال ذلك :
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، قال : لما نزلت : وَإلهُكُمْ إلهٌ وَاحِدٌ لا إلهَ إلاّ هُوَ الرّحْمَنُ الرّحِيمُ قال المشركون : إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية فأنزل الله تعالى ذكره : إن في خَلْقِ السّمَواتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ والنّهَارِ. . . الآية.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال : حدثني سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى، قال : لما نزلت وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إلاّ هُوَ الرّحْمَنُ الرّحِيم قال المشركون : إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية فأنزل الله تعالى ذكره إن في خَلْق السّمَوَات والأَرْض وَاخْتِلاف اللّيْلِ وَالنّهار. . . الآية.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال : حدثني سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى، قال : لما نزلت هذه الآية جعل المشركون يعجبون ويقولون : تقول إلهكم إله واحد، فلتأتنا بآية إن كنت من الصادقين فأنزل الله : إنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ والأرضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ. . . الآية.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح : أن المشركين قالوا للنبيّ ﷺ : أرنا آية فنزلت هذه الآية : إنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد، قال : سألت قريش اليهود، فقالوا : حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات فحدثوهم بالعصا وبيده البيضاء للناظرين، وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى من الاَيات، فأخبروهم أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. فقالت قريش عند ذلك للنبيّ ﷺ : ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهبا فنزداد يقينا، ونتقوّى به على عدوّنا فسأل النبيّ ﷺ ربه، فأوحى إليه : إني معطيهم، فأجعل لهم الصفا ذهبا، ولكن إن كذبوا عذّبتهم عذابا لم أعذبه أحدا من العالمين. فقال النبيّ ﷺ :«ذَرْنِي وَقَوْمِي فَأدْعُوَهُمْ يَوْما بِيَوْم » فأنزل الله عليه : إنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ الآية، إن في ذلك لاَية لهم، إن كانوا إنما يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهبا، فخلق الله السمَوات والأرض واختلاف الليل والنّهار أعظم من أن أجعل لهم الصفا ذهبا ليزدادوا يقينا.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : إنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ فقال المشركون للنبيّ ﷺ : غيّر لنا الصفا ذهبا إن كنت صادقا أنه منه فقال الله : إن في هذه الاَيات لاَيات لقوم يعقلون. وقال : قد سأل الاَيات قوم قبلكم، ثم أصبحوا بها كافرين.
والصواب من القول في ذلك، أن الله تعالى ذكره نبه عباده على الدلالة على وحدانيته وتفرّده بالألوهية دون كل ما سواه من الأشياء بهذه الآية. وجائز أن تكون نزلت فيما قاله عطاء، وجائز أن تكون فيما قاله سعيد بن جبير وأبو الضحى، ولا خبر عندنا بتصحيح قول أحد الفريقين يقطع العذر فيجوز أن يقضي أحد لأحد الفريقين بصحة قول على الآخر. وأيّ القولين كان صحيحا فالمراد من الآية ما قلت.
القول في تأويل قوله تعالى : إنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ والأرْضِ.
يعني تعالى ذكره بقوله : إنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ إن في إنشاء السمَوات والأرض وابتداعهما. ومعنى خلق الله الأشياء : ابتداعه وإيجاده إياها بعد أن لم تكن موجودة.
وقد دللنا فيما مضى على المعنى الذي من أجله قيل «الأرض » ولم تجمع كما جمعت السموات، فأغنى ذلك عن إعادته.
فإن قال لنا قائل : وهل للسموات والأرض خلق هو غيرها فيقال : إن في خلق السموات والأرض ؟ قيل : قد اختلف في ذلك، فقال بعض الناس : لها خلق هو غيرها، واعتلوا في ذلك بهذه الآية، وبالتي في سورة الكهف : مَا أشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلاَ خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وقالوا : لم يخلق الله شيئا إلا والله له مريد. قالوا : فالأشياء كانت بإرادة الله، والإرادة خلقٌ لها.
وقال آخرون : خلق الشيء صفة له، لا هي هو ولا غيره. قالوا : لو كان غيره لوجب أن يكون مثله موصوفا. قالوا : ولو جاز أن يكون خلقه غيره وأن يكون موصوفا لوجب أن تكون له صفة هي له خلق، ولو وجب ذلك كذلك لم يكن لذلك نهاية. قالوا : فكان معلوما بذلك أنه صفة للشيء. قالوا : فخلق السمَوات والأرض صفة لهما على ما وصفنا. واعتلوا أيضا بأن للشيء خلقا ليس هو به من كتاب الله بنحو الذي اعتلّ به الأوّلون.
وقال آخرون : خلق السمَوات والأرض وخلق كل مخلوق، هو ذلك الشيء بعينه لا غيره.
فمعنى قوله : إنّ فِي خَلْقِ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ : إن في السموات والأرض.
القول في تأويل قوله تعالى : وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ.
يعني تعالى ذكره بقوله : وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ وتعاقب الليل والنهار عليكم أيها الناس. وإنما الاختلاف في هذا الموضع الافتعال من خُلوف كل واحد منهما الاَخر، كما قال تعالى ذكره : وَهُوَ الّذِي جَعَلَ اللّيْلَ وَالنّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أرَادَ أنْ يَذّكّرَ أوْ أرَادَ شُكُورا بمعنى : أن كل واحد منهما يخلف مكان صاحبه، إذا ذهب الليل جاء النهار بعده، وإذا ذهب النهار جاء الليل خلفه ومن ذلك قيل : خلف فلان فلانا في أهله بسوء، ومنه قول زهير :
بها العِينُ والآرام يَمْشِينَ خِلْفَة ًوأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِنْ كُلّ مَجْثِم
وأما الليل فإنه جمع ليلة، نظير التمر الذي هو جمع تمرة، وقد يجمع ليال فيزيدون في جمعها ما لم يكن في واحدتها. وزيادتهم الياء في ذلك نظير زيادتهم إياها في رباعية وثمانية وكراهية. وأما النهار فإن العرب لا تكاد تجمعه لأنه بمنزلة الضوء، وقد سمع في جمعه «النّهُر » قال الشاعر :
لَوْلا الثّريدَان هَلَكْنا بالضّمُرْ ثَريدُ لَيْلٍ وَثَريدٌ بالنّهُرْ
ولو قيل في جمع قليله أنهرة كان قياسا.
القول في تأويل قوله تعالى : وَالفُلْكِ الّتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النّاسَ.
يعني تعالى ذكره : إن في الفلك التي تجري في البحر. والفلك هو السفن، واحده وجمعه بلفظ واحد، ويذكر ويؤنث، كما قال تعالى ذكره في تذكيره في آية أخرى : وآيَةٌ لَهُمْ أنّا حَمَلْنَا ذُرّيّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُون فذكره، وقد قال في هذه الآية : وَالفُلْكِ الّتي تَجْرِي فِي البَحْرِ وهي مُجراة، لأنها إذا أجريت فهي الجارية، فأضيف إليها من الصفة ما هو لها.
وأما قوله : بِمَا يَنْفَعُ النّاسَ فإن معناه : ينفع الناس في البحر.
القول في تأويل قوله تعالى : وَما أنْزَلَ الّلهُ مِنَ السماءِ مِنْ ماءٍ فأحيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتها.
يعني تعالى ذكره بقوله : وَما أنْزَلَ اللّهُ مِنَ السّماءِ مِنْ ماءٍ وفيما أنزله الله من السماء من ماء، وهو المطر الذي ينزله الله من السماء.
وقوله : فَأحيْا بِهِ الأرْضَ بَعَدْ مَوْتِها وإحياؤها : عمارتها وإخراج نباتها، والهاء التي في «به » عائدة على الماء والهاء والألف في قوله : بَعْدَ مَوْتها على الأرض، وموت الأرض : خرابها ودثور عمارتها، وانقطاع نباتها الذي هو للعباد أقوات وللأنام أرزاق.
القول في تأويل قوله تعالى : وَبَثّ فِيها مِنْ كُلّ دابّة.
يعني تعالى ذكره بقوله : وَبَثّ فِيها مِنْ كُلّ دابّةٍ وإن فيما بثّ في الأرض من دابة. ومعنى قوله : وبَثّ فِيها وفرّق فيها، من قول القائل : بثّ الأمير سراياه : يعني فرّق. والهاء والألف في قوله :«فِيها » عائدتان على الأرض. والدابة الفاعلة من قول القائل دبت الدابة تدبّ دبيبا فهي دابة، والدابة اسم لكل ذي روح كان غير طائر بجناحيه لدبيبه على الأرض.
القول في تأويل قوله تعالى : وَتَصرِيف الرّياحِ.
يعني تعالى ذكره بقوله : وَتَصْرِيفُ الرّياحِ وفي تصريفه الرياح، فأسقط ذكر الفاعل وأضاف الفعل إلى المفعول، كما قال : يعجبني إكرام أخيك، يريد إكرامك أخاك وتصريف الله إياها : أن يرسلها مرة لواقح، ومرة يجعلها عقيما، ويبعثها عذابا تدمر كل شيء بأمر ربها. كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : وَتَصْريف الرّياحِ والسحاب المُسَخّرِ قال : قادر والله ربنا على ذلك، إذا شاء جعلها عذابا ريحا عقيما لا تلقح، إنما هي عذاب على من أرسلت عليه.
وزعم بعض أهل العربية أن معنى قوله : وَتَصْرِيفِ الرّياحِ أنها تأتي مرّة جنوبا وشمالاً وقَبُولاً ودَبُورا ثم قال : وذلك تصريفها. وهذه الصفة التي وصف الرياح بها صفة تصرّفها لا صفة تصريفها، لأن تصريفها تصريف الله لها، وتصرّفها اختلاف هبوبها. وقد يجوز أ