تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
{ ) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ) ( البقرة : ١٦٦ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا﴾ ؛ ﴿إذ﴾ ظرف عامله محذوف ؛ والتقدير : اذكر إذ تبرأ ؛ والمراد بالذكر هنا : الذكر للغير، والتذكر أيضاً ؛ فالله سبحانه وتعالى يُذكِّرنا، ويأمرنا أيضاً أن نذكر لغيرنا ؛ و ﴿تبرأ﴾ أي تخلى، وبعُد ﴿الذين اتُّبِعوا﴾ : وهم الرؤساء، والسادة يتبرءون من ﴿الذين اتَّبعوا﴾ : وهم الأتباع، والضعفاء، وما أشبههم ؛ فمن ذلك مثلاً : رؤساء الكفر يدعون الناس إلى الكفر، مثل فرعون : فقد دعا إلى الكفر ؛ فهو متَّبَع ؛ وقومه متَّبِعون ؛ وكذلك غيره من رؤساء الكفر، والضلال، فإنهم أيضاً متَّبَعون ؛ ومن تبعهم فهو متّبِع، فهؤلاء يتبرأ بعضهم من بعض ؛ وقد ذكر الله سبحانه وتعالى مناقشة بعضهم لبعض، ومحاجة بعضهم بعضاً في عدة آيات.
ولا يشمل قوله تعالى :﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا﴾ من اتبع أئمة الهدى ؛ فالمتبعون للرسل لا يتبرأ منهم الرسل ؛ والمتبعون لأئمة الهدى لا يتبرأ منهم أئمة الهدى ؛ لقوله تعالى :﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧] ؛ فالأخلاء، والأحبة يوم القيامة يتبرأ بعضهم من بعض إلا المتقين.
قوله تعالى :﴿ورأوا العذاب﴾ ؛ أمامنا الآن فعل ماض في ﴿تبرأ﴾، وفعل ماض في ﴿رأوا﴾ مع أن هذا الأمر مستقبل ؛ لكن لتحقق وقوعه عبر عنه بالماضي ؛ وهذا كثير في القرآن.
وقوله تعالى :﴿ورأوا العذاب﴾ أي رأوه بأعينهم، كما قال تعالى :﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفاً﴾ [الكهف: ٥٣] ؛ و ﴿العذاب﴾ هو العقوبة التي يعاقب الله بها من يستحقها.
قوله تعالى :﴿وتقطعت بهم الأسباب﴾ ؛ الباء هنا إما أن تكون بمعنى «عن » ؛ أو تكون صلة بمعنى أنهم متشبثون بها الآن، ثم تنقطع بهم كما ينقطع الحبل بمن تمسك به للنجاة من الغرق ؛ و ﴿الأسباب﴾ جمع سبب ؛ وهو ما يتوصل به إلى غيره ؛ والمراد بها هنا كل سبب يؤملون به الانتفاع من هؤلاء المتبوعين، مثل قولهم :﴿اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ [العنكبوت: ١٢]، وقول فرعون لقومه :﴿ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ [غافر: ٢٩] ؛ فهذه الأسباب التي سلكها المتبعون ظناً منهم أنها تنقذهم من العذاب إذا كان يوم القيامة تقطعت بهم ؛ ولا يجدون سبيلاً إلى الوصول إلى غاياتهم ؛ وفسر ابن عباس رضي الله عنهما ﴿الأسباب﴾ هنا بالمودة ؛ أي تقطعت بهم المودة ؛ وهذا التفسير على سبيل التمثيل ؛ والآية أعم من ذلك ؛ ووجه تفسير ابن عباس رضي الله عنهما أن الآية في سياق محبة هؤلاء المشركين لأصنامهم.
الفوائد :
١ من فوائد الآية : أن المتبوعين بالباطل لا ينفعون أتباعهم ؛ لقوله تعالى :﴿إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا﴾ ؛ ولو كانوا ينفعونهم لم يتبرؤوا منهم.
٢ ومنها : أن الأمر لا يقتصر على عدم النفع ؛ بل يتعداه إلى البراءة منهم، والتباعد عنهم ؛ وهذا يكون أشد حسرة على الأتباع مما لو كان موقفهم سلبياً.
٣ ومنها : ثبوت العقاب ؛ لقوله تعالى :﴿ورأوا العذاب﴾.
ويتفرع عليه ثبوت البعث.
٤ ومنها : أن الله سبحانه وتعالى يجمع يوم القيامة بين الأتباع والمتبوعين توبيخاً، وتنديماً لهم ؛ ويتبرأ بعضهم من بعض ؛ لأن هذا لا شك أعظم حسرة إذا صار متبوعه الذي كان يعظمه في الدنيا يتبرأ منه وجهاً لوجه.
٥ ومنها : أن جميع الأسباب الباطلة التي لا تُرضي الله ورسوله، تتقطع بأصحابها يوم القيامة، وتزول، ولا تنفعهم.
٦ ومنها : أن من استغاث بالرسل، أو غيرهم من المخلوقات فيما لا يقدر عليه إلا الله، فقد ضل في دينه، وسفه في عقله، وأتى الشرك الأكبر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى