الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قولُه تعالى :﴿مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ :" حلالاً " فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدُها : أَن يكونَ مفعولاً ب " كُلوا "، و " مِنْ " على هذا فيها وجهان، أحدُهما : أَنْ تتعلَّق بكُلوا، ويكونُ معناها ابتداءَ الغايةِ. والثاني : أنْ تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّها حالٌ من " حلالاً " وكانت في الأصلِ صفةً له فلمّا قُدِّمت عليه انتصَبَت حالاً، ويكونُ معنى " مِنْ " التبعيض. الثاني : أن يكونَ انتصابُ " حلالاً " على أنه نعت لمفعولٍ محذوفٍ، تقديرُه : شيئاً أو زرقاً حلالاً ذكرَه مكي، واستبعدَه ابنُ عطية، ولم يُبَيِّنْ وجهَ بُعْدِهِ، والذي يَظْهَرُ في بُعْدِه أنَّ " حلالاً " ليس صفةً خاصةً بالمأكولِ، بل يُوصَفُ به المأكولُ وغيرُه، وإذا لم تكن الصفةُ خاصةً لا يجُوزُ حَذْفُ الموصوفِ. الثالثُ : أَنْ ينتصِبَ " حلالاً " على أنه حالٌ من " ما " بمعنى الذي، أي : كُلوا من الذي في الأرض حال كَونِه حلالاً. الرابع : أن ينتصِبَ على أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي : أكلاً حلالاً، ويكون مفعولُ " كُلوا " محذوفاً، و " ما في الأرض " صفةٌ لذلك المفعولِ المحذوفِ، ذكره أبو البقاء، وفيه من الردِّ ما تقدَّم على مكي، ويجوزُ على هذا الوجهِ الرابع ألاَّ يكونَ المفعولُ محذوفاً بل تكون " مِنْ " مزيدةً على مذهب الأخفش تقديرُه : كُلوا ما في الأرض أكلاً حلالاً. الخامس : أنْ يكونَ حالاً من الضمير العائِد على " ما " قاله ابنُ عطية، يعني بالضمير الضميرَ المستكنَّ في الجارِّ والمجرورِ الواقعِ صلةً.
و " طيباً " فيه ثلاثة أوجه، أحدُها : أن يكونَ صفةً لحلالاً، أمَّا على القول بأنَّ " مِنْ " للابتداءِ متعلِّقة ب " كُلوا " فهو واضحُ، وأمّا على القولِ بأنّ " مِما في الأرض " حالٌ من " حلالاً "، فقال أبو البقاء :" ولكنَّ موضعَها بعد الجارِّ والمجرور، لئلا يُفْصَلَ بالصفةِ بين الحالِ وذي الحالِ " وهذا الذي قاله ليس بشيء فإنَّ الفصلَ بالصفةِ بين الحال وصاحِبها ليس بممنوع، تقول :" جاءني زيدٌ الطويلُ راكباً " بل لو قَدَّمْتَ الحالَ على الصفةِ فقلتَ :" جاءني زيدٌ راكباً الطويلُ " كان في جوازه نظرٌ. الثاني : أن يكونَ صفةً لمصدرٍ محذوفٍ أو حالاً من المصدرِ المَعْرفة المحذوفِ أي : أكلاً طيباً. الثالث : أن يكونَ حالاً من الضميرِ في " كُلوا " تقديرُه : مستطيبين، قاله ابنُ عطية، قال الشيخُ :" وهذا فاسدٌ في اللفظ/ والمعنى، أمّا اللفظُ فلأنَّ " الطيِّب " اسمُ فاعل فكان ينبغي أن تُجْمَعَ لتطابق صاحبَها فيقال : طيبين، وليس " طيب " مصدراً فيقال : إنما لم يُجْمَع لذلك.
وأما المعنى فإنَّ " طيباً " مغايرٌ لمعنى " مستطيبين " لأنَّ الطِّيب من صفاتِ المَأْكولِ والمستطيبَ من صفاتِ الآكلينَ، تقول : طاب لزيدٍ الطعامُ، ولا تقولُ :" طابَ زيدٌ الطعام " بمعنى استطابه ".
والحَلالُ : المأذونُ فيه، ضدُّ الحرام الممنوع منه. [ يُقال :] حَلَّ يَحِلُّ بكسرِ العين في المضارعِ، وهو القياسُ لأنه مضاعَفٌ غيرُ متعدٍّ، ويقال : حَلال وحِلُّ، كحرام وحَرَم، وهو في الأصل مصدرٌ، ويقالُ :" حلٌِ بِلٌّ " على سبيلِ الإِتباع كحَسَنٌ بَسَنٌ. وَحَلَّ بمكان كذا يحِلُّ بضمِّ العَيْنِ وكسرِها، وقرىء، ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] بالوجهين.
قوله :﴿خُطُواتِ﴾ قرأ ابنُ عامر والكسائي وقنبل وحَفص : خُطُوات بضم الخاء والطاء، وباقي السبعة بسكون الطاءِ، وقرأ أبو السَّمَّال " خُطَوات " بفتحها، ونقل ابنُ عطية وغيرُه عنه أنه قرأ " خَطَوات " بفتح الخاء والطاء، وقرأَ عليّ وقتادة والأعمش بضمِّها والهمز.
فأمّا قراءةُ الجمهورِ والأولى من قراءَتَيْ أبي السَّمَّال فلأنَّ " فَعْلَة " الساكنةَ العين السالمتها إذا كانت اسماً جاز في جَمْعِها بالألف والتاءِ ثلاثةُ أوجهٍ - وهي لغاتٌ مسموعةٌ عن العرب - : السكونُ وهو الأصلُ، والإِتباع، والفتحُ في العَيْنِ تخفيفاً. وأمَّا قراءةُ أَبي السَّمَّال التي نَقَلَها ابنُ عطية فهي جَمْعُ خَطْوة بفتح الخاء، والفرقُ بين الخطوة بالضم والفتح : أنَّ المفتوحَ مصدرٌ، دالةٌ على المَرَّة من خَطَا يَخْطُوا إذا مَشَى، والمضمُوم اسمٌ لِما بين القَدَمَيْن كأنه اسمٌ للمسافةِ، كالغُرْفَة اسمٌ للشيءِ المُغْتَرَف، وقيل : إنهما لغتان بمعنى واحدٍ ذكرَه أبو البقاء.
وأمَّا قراءةُ عليّ ففيها تأويلان، أحدُهما :- وبه قال الأخفش - أنَّ الهمزةَ أصلُ وأنه من الخطأ، و " خُطُؤات " جمع " خِطْأَة " إِنْ سُمِعَ، وإلاَّ فتقديراً، وتفسيرُ مجاهدٍ إياه بالخطايا يؤيِّد هذا، ولكنْ يُحْتَمَل أَنْ يكونَ مجاهِدٌ فَسَّره بالمرادفِ. والثاني : أنه قَلَبَ الهمزةَ عن الواوِ لأنَّها جاورت الضمةَ قبلَها فكأنَّها عليها، لأنَّ حركةَ الحرف بين يديه على الصحيح لا عليه.
قوله :﴿إِنَّهُ لَكُمْ﴾ قال أبو البقاء :" إنما كسر الهمزة لأنه أراد الإِعلامَ بحالِه، وهو أبلغُ من الفتح، لأنه إذا فَتَح الهمزةَ صار التقديرُ : لا تتَّبِعوه لأنه عدوٌّ لكم، واتِّباعُهُ ممنوعٌ وإن لم يكن عدواً لنا، ومثلُه :
لبَّيْكَ إنَّ الحَمْدَ لك ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَسْرُ الهمزةِ أجودُ لدلالةِ الكسرِ على استحقاقه الحمدَ في كلِّ حالٍ وكذلك التلبيةُ " انتهى. يعني أن الكسرَ استئنافٌ فهو بعضُ إخبارٍ بذلك، وهذا الذي قاله في وجهِ الكسرِ لا يتعيَّنُ، لأنه يجوزُ أن يُرادَ التعليل مع كسرِ الهمزةِ فإنهم نَصُّوا على أنَّ " إنَّ " المسكروةَ تفيدُ العلةَ أيضاً، وقد ذكر ذلك في هذه الآية بعينها فينبغي أن يقالَ : قراءةُ الكسرِ أَوْلَى لأنها محتملةٌ للإِخبارِ المَحْضِ بحالِهِ وللعلِّيَّة، وأمّا المفتوحةُ فهي نصٌّ في العلِّيَّة، لأنَّ الكلامَ على تقديرِ لامِ العلةِ.
و " طيباً " فيه ثلاثة أوجه، أحدُها : أن يكونَ صفةً لحلالاً، أمَّا على القول بأنَّ " مِنْ " للابتداءِ متعلِّقة ب " كُلوا " فهو واضحُ، وأمّا على القولِ بأنّ " مِما في الأرض " حالٌ من " حلالاً "، فقال أبو البقاء :" ولكنَّ موضعَها بعد الجارِّ والمجرور، لئلا يُفْصَلَ بالصفةِ بين الحالِ وذي الحالِ " وهذا الذي قاله ليس بشيء فإنَّ الفصلَ بالصفةِ بين الحال وصاحِبها ليس بممنوع، تقول :" جاءني زيدٌ الطويلُ راكباً " بل لو قَدَّمْتَ الحالَ على الصفةِ فقلتَ :" جاءني زيدٌ راكباً الطويلُ " كان في جوازه نظرٌ. الثاني : أن يكونَ صفةً لمصدرٍ محذوفٍ أو حالاً من المصدرِ المَعْرفة المحذوفِ أي : أكلاً طيباً. الثالث : أن يكونَ حالاً من الضميرِ في " كُلوا " تقديرُه : مستطيبين، قاله ابنُ عطية، قال الشيخُ :" وهذا فاسدٌ في اللفظ/ والمعنى، أمّا اللفظُ فلأنَّ " الطيِّب " اسمُ فاعل فكان ينبغي أن تُجْمَعَ لتطابق صاحبَها فيقال : طيبين، وليس " طيب " مصدراً فيقال : إنما لم يُجْمَع لذلك.
وأما المعنى فإنَّ " طيباً " مغايرٌ لمعنى " مستطيبين " لأنَّ الطِّيب من صفاتِ المَأْكولِ والمستطيبَ من صفاتِ الآكلينَ، تقول : طاب لزيدٍ الطعامُ، ولا تقولُ :" طابَ زيدٌ الطعام " بمعنى استطابه ".
والحَلالُ : المأذونُ فيه، ضدُّ الحرام الممنوع منه. [ يُقال :] حَلَّ يَحِلُّ بكسرِ العين في المضارعِ، وهو القياسُ لأنه مضاعَفٌ غيرُ متعدٍّ، ويقال : حَلال وحِلُّ، كحرام وحَرَم، وهو في الأصل مصدرٌ، ويقالُ :" حلٌِ بِلٌّ " على سبيلِ الإِتباع كحَسَنٌ بَسَنٌ. وَحَلَّ بمكان كذا يحِلُّ بضمِّ العَيْنِ وكسرِها، وقرىء، ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] بالوجهين.
قوله :﴿خُطُواتِ﴾ قرأ ابنُ عامر والكسائي وقنبل وحَفص : خُطُوات بضم الخاء والطاء، وباقي السبعة بسكون الطاءِ، وقرأ أبو السَّمَّال " خُطَوات " بفتحها، ونقل ابنُ عطية وغيرُه عنه أنه قرأ " خَطَوات " بفتح الخاء والطاء، وقرأَ عليّ وقتادة والأعمش بضمِّها والهمز.
فأمّا قراءةُ الجمهورِ والأولى من قراءَتَيْ أبي السَّمَّال فلأنَّ " فَعْلَة " الساكنةَ العين السالمتها إذا كانت اسماً جاز في جَمْعِها بالألف والتاءِ ثلاثةُ أوجهٍ - وهي لغاتٌ مسموعةٌ عن العرب - : السكونُ وهو الأصلُ، والإِتباع، والفتحُ في العَيْنِ تخفيفاً. وأمَّا قراءةُ أَبي السَّمَّال التي نَقَلَها ابنُ عطية فهي جَمْعُ خَطْوة بفتح الخاء، والفرقُ بين الخطوة بالضم والفتح : أنَّ المفتوحَ مصدرٌ، دالةٌ على المَرَّة من خَطَا يَخْطُوا إذا مَشَى، والمضمُوم اسمٌ لِما بين القَدَمَيْن كأنه اسمٌ للمسافةِ، كالغُرْفَة اسمٌ للشيءِ المُغْتَرَف، وقيل : إنهما لغتان بمعنى واحدٍ ذكرَه أبو البقاء.
وأمَّا قراءةُ عليّ ففيها تأويلان، أحدُهما :- وبه قال الأخفش - أنَّ الهمزةَ أصلُ وأنه من الخطأ، و " خُطُؤات " جمع " خِطْأَة " إِنْ سُمِعَ، وإلاَّ فتقديراً، وتفسيرُ مجاهدٍ إياه بالخطايا يؤيِّد هذا، ولكنْ يُحْتَمَل أَنْ يكونَ مجاهِدٌ فَسَّره بالمرادفِ. والثاني : أنه قَلَبَ الهمزةَ عن الواوِ لأنَّها جاورت الضمةَ قبلَها فكأنَّها عليها، لأنَّ حركةَ الحرف بين يديه على الصحيح لا عليه.
قوله :﴿إِنَّهُ لَكُمْ﴾ قال أبو البقاء :" إنما كسر الهمزة لأنه أراد الإِعلامَ بحالِه، وهو أبلغُ من الفتح، لأنه إذا فَتَح الهمزةَ صار التقديرُ : لا تتَّبِعوه لأنه عدوٌّ لكم، واتِّباعُهُ ممنوعٌ وإن لم يكن عدواً لنا، ومثلُه :
لبَّيْكَ إنَّ الحَمْدَ لك ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَسْرُ الهمزةِ أجودُ لدلالةِ الكسرِ على استحقاقه الحمدَ في كلِّ حالٍ وكذلك التلبيةُ " انتهى. يعني أن الكسرَ استئنافٌ فهو بعضُ إخبارٍ بذلك، وهذا الذي قاله في وجهِ الكسرِ لا يتعيَّنُ، لأنه يجوزُ أن يُرادَ التعليل مع كسرِ الهمزةِ فإنهم نَصُّوا على أنَّ " إنَّ " المسكروةَ تفيدُ العلةَ أيضاً، وقد ذكر ذلك في هذه الآية بعينها فينبغي أن يقالَ : قراءةُ الكسرِ أَوْلَى لأنها محتملةٌ للإِخبارِ المَحْضِ بحالِهِ وللعلِّيَّة، وأمّا المفتوحةُ فهي نصٌّ في العلِّيَّة، لأنَّ الكلامَ على تقديرِ لامِ العلةِ.