فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿يا أَيُّهَا الناس﴾ قيل : إنها نزلت في ثقيف، وخزاعة، وبني مدلج فيما حرّموه على أنفسهم من الأنعام. حكاه القرطبي في تفسيره، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقوله :﴿حلالا﴾ مفعول، أو حال، وسمي الحلال حلالاً لانحلال عقدة الحظر عنه. والطِّيب هنا : هو المُسْتَلَذّ كما قاله الشافعي، وغيره. وقال مالك، وغيره : هو الحلال، فيكون تأكيداً لقوله :﴿حلالا﴾. و " منْ " في قوله :﴿مِمَّا فِى الأرض﴾ للتبعيض للقطع بأن في الأرض ما هو حرام
﴿وخطوات﴾ جمع خُطْوة بالفتح والضم، وهي : بالفتح للمرة، وبالضم لما بين القدمين. وقرأ القراء " خَطوات " بفتح الخاء، وقرأ أبو سماك بفتح الخاء، والطاء، وقرأ عليّ، وقتادة، والأعرج، وعمرو بن ميمون، والأعمش :«خُطؤات » بضم الخاء، والطاء، والهمز على الواو. قال الأخفش : وذهبوا بهذه القراءة إلى أنها جمع خَطية من الخطأ ؛ لا من الخطو. قال الجوهري : والخطوة بالفتح : المرة الواحدة، والجمع خطوات، وخطا انتهى. والمعنى على قراءة الجمهور : لا تَقْفُوا أثر الشيطان، وعمله، وكلُّ ما لم يرد به الشرع، فهو منسوب إلى الشيطان، وقيل : هي النذور والمعاصي، والأول التعميم، وعدم التخصيص بفرد، أو نوع.
وقوله :﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي : ظاهر العداوة، ومثله قوله تعالى :﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] وقوله :﴿إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً﴾ [فاطر: ٦].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال :«تليت هذه الآية عند النبي ﷺ يعني :﴿يأَيُّهَا الناس كُلُوا مِمَّا فِى الأرض حلالا طَيّباً﴾ فقام سعد بن أبي وقاص فقال : يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال :" يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه، فما يتقبل منه أربعين يوماً، وأيّما عبد نبت لحمه من السُّحت، والربا، فالنار أولى به " وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه في قوله :﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا خطوات الشيطان﴾ قال : عمله. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه أنه قال :«ما خالف القرآن، فهو من خطوات الشيطان» وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن مجاهد أنه قال : خطاه. وأخرجا أيضاً، عن عكرمة قال : هي نزغات الشيطان. وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، قال : هي تزيين الشيطان. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة قال : كل معصية لله، فهي من خطوات الشيطان.
وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس قال : ما كان من يمين، أو نذر في غضب، فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود أنه أتى بضرع، وملح، فجعل يأكل، فاعتزل رجل من القوم، فقال ابن مسعود : ناولوا صاحبكم. فقال : لا أريد، فقال : أصائم أنت ؟ قال لا. قال : فما شأنك ؟ قال : حَرَّمْتُ على نفسي أن آكل ضرعاً، فقال ابن مسعود : هذا من خطوات الشيطان، فأطْعَمْ، وكفَرّ عن يمينك. وأخرج عبد بن حميد، عن عثمان بن غياث، قال : سألت جابر بن زيد، عن رجل نذر أن يجعل في أنفه حلقة من ذهب، فقال : هي من خطوات الشيطان، ولا يزال عاصياً لله، فليكفر عن يمينه. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن أنه جعل يمين من حلف أن يحجّ حبواً من خطوات الشيطان. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن أبي مجلز قال : هي : النذور في المعاصي.
وأخرج ابن جرير، عن السدي في قوله :﴿إِنَّمَا يَامُرُكُم بالسوء﴾ قال : المعصية ؛ ﴿والفحشاء﴾ قال : الزنا. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ؛ قال : دعا رسول الله ﷺ اليهود إلى الإسلام، ورغّبهم فيه، وحذَّرهم عذاب الله، ونقمته، فقال له رافع بن خارجة، ومالك بن عوف : بل نتبع يا محمد ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم، وخيراً منا، فأنزل الله في ذلك :﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا﴾ وأخرج ابن جرير، عن الربيع، وقتادة في قوله :﴿أَلْفَيْنَا﴾ قالا : وجدنا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَثَلُ الذين كَفَرُوا﴾ الآية، قال : كمثل البقر والحمار والشاة، إن قلت لبعضهم كلاماً لم يعلم ما تقول غير أنه يسمع صوتك، وكذلك الكافر إن أمرتَه بخير، أو نهيتَه عن شرٍّ، أو وعظته لم يعقل، ما تقول غير أنه يسمع صوتك. وروى نحو ذلك عن مجاهد أخرجه عبد بن حميد، وعن عكرمة، أخرجه وكيع. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج قال : قال لي عطاء في هذه الآية : هم اليهود الذين أنزل الله فيهم :﴿إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب﴾ إلى قوله :﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى