المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( ١٦٨ )
الخطاب عام و ﴿ما﴾ بمعنى الذي، و ﴿حلالاً﴾ حال من الضمير العائد على ﴿ما﴾، وقال مكي : نعت لمفعول محذوف تقديره شيئاً حلالاً.
قال القاضي أبو محمد : وهذا يبعد(١)، وكذلك مقصد الكلام لا يعطي أن يكون ﴿حلالاً﴾ مفعولاً ب ﴿كلوا﴾ وتأمل، و ﴿طيباً﴾ نعت، ويصح أن يكون ﴿طيباً﴾ حالاً من الضمير في ﴿كلوا﴾ تقديره مستطيبين(٢)، والطيب عند مالك : الحلال، فهو هنا تأكيد لاختلاف اللفظ، وهو عند الشافعي : المستلذ(٣)، ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر وكل ما هو خبيث، و ﴿خطوات﴾ جمع خطوة وهي ما بين القدمين في المشي، فالمعنى النهي عن اتباع الشيطان وسلوك سبله وطرائقه، قال ابن عباس : خطواته أعماله، قال غيره : آثاره(٤)، قال مجاهد : خطاياه، قال أبو مجلز(٥) : هي النذور والمعاصي، قال الحسن : نزلت فيما سنوه من البحيرة والسائبة ونحوه، قال النقاش : نزلت في ثقيف وخزاعة وبني الحارث بن كعب(٦).
وقرأ ابن عامر والكسائي «خطوات » بضم الخاء والطاء، ورويت عن عاصم وابن كثير بخلاف، وقرأ الباقون بسكون الطاء، فإما أرادوا ضم الخاء والطاء وخففوها إذ هو الباب في جمع فعلة كغرفة وغرفات، وإما أنهم تركوها في الجمع على سكونها في المفرد، وقرأ أبو السمال «خَطَوات » بفتح الخاء والطاء وروي عن علي بن أبي طالب وقتادة والأعمش وسلام (٧)«خطؤات » بضم الخاء والطاء وهمزة على الواو، وذهب بهذه القراءة إلى أنها جمع خطأة من الخطأ لا من الخطو. وكل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي فهي خطوات الشيطان، و ﴿عدو﴾ يقع للمفرد والتثنية والجمع.
١ - وجه البعد كما قاله (ح) رحمه الله: أن الصفة عامة، وإذا كانت كذلك فلا يحذف الموصوف وتنوب عنه الصفة، وذلك أن الحلال يوصف به المأكول وغير المأكول. البحر المحيط ١/٤٧٨..
٢ - فيه – عدم المطابقة بين الحال وبين الضمير، فإن طيّبا مفرد والضمير جمع – واختلاف المعاني بين طيّب ومستطيبين فإن الأول صفة للأكل والثاني صفة للآكل..
٣ - وعليه فهو صفة مخصصة لأنه مغاير لما قبله..
٤ - يأتي عند ابن عطية أن كل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي فهي خطوات الشيطان. فاللفظ عام لا يقصر على شيء بخصوصه..
٥ - اسمه: لاحق بن حميد السدوسي البصري، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، وتوفي سنة (١٠٦) هـ..
٦ - أي فيما حرّموه من الأنعام إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب..
٧ - هو سلام بن سليمان الطويل، أبو المنذر المزني البصري، مقرئ ثقة – توفي سنة (١٧١هـ) وقد رفض أبو الفتح هذه القراءة، وقال هي غلط..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى