تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ١٦٨ وقوله تعالى :( يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ) قيل فيه بوجوه : قيل : إنهم كانوا يحرمون التناول من أشياء والانتفاع من نحو[ البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ](١)، فيقولون : حرم الانتفاع بها، فأنزل الله تعالى، فقال :( كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ) وانتفعوا بها، فإن الله تعالى لم يحرمها عليكم كقوله :( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ) الآية(٢) [المائدة: ١٠٣]، وقيل : خلق في الأرض ما هو حلال، وما هو حرام، وأباح التناول من الحلال، ونهى عن الحرام، وقيل : إن قوما يحرمون التناول من الرفيع من الطعام والرفيع من الملبوس، ويتناولون من الدرن والرثة(٣)، فنهوا عن ذلك.
ولا يحتمل أن يراد بالطيبات الحلال منها، ولكنما تطيب النفس من التناول، لأن النفس لا تتلذذ بالتناول من كل حلال، ولكن وإنما تطيب مما هو لها ألذ وأوفق، والله أعلم. وعلى ذلك قوله :( قل من حرم زينة الله ) الآية(٤) [الأعراف: ٣٢]، فيكون : كان الذي في الأرض حلالا وحراما، ثم مما حل طيب ودون، فأمر بأكل ما طاب من ذلك إذ قدر عليه ؛ لأنه على قدر طيبه يعظم محله في القلب، وعلى ذلك يرغب نفسه بالشكر لمن أنعم به عليه والتعظيم لمن أكرمه بالذي طبت له به النفس، والله أعلم.
وقوله :( ولا تتبعوا خطوات الشياطين ) ؛ [ اختلف في قوله :( خطوات الشياطين ) ](٥) ؛ قيل : آثار الشيطان، وقيل : وساوس الشيطان، وقيل : سبل الشيطان كقوله :( ولا تتبعوا السبل ) [الأنعام: ١٥٣] فهو يرجع إلى واحد.
وقوله :( إنه لكم عدو مبين )، وذكر في موضع آخر، وسماه وليا بقوله :( أولياؤهم الطاغوت ) [البقرة: ٢٥٧] ؛ فالوجه أنه يريهم في الظاهر الموالاة، ولكنه يريد في الباطن إهلاكهم. فإذا كان كذلك فهو في الحقيقة عدو. وجائز أن يكون [ وليا لهم ](٦) : أي هو أولى بهم إذ عملوا ما عملوا بأمره أو وليا(٧) بما [ أتوه من ](٨) الفعل، وشاركوه(٩) في الشر، وكان(١٠) في الحقيقة لهم [ عدوا : وفي ذلك ](١١) هلاكهم، ولا قوة إلا بالله.
وقوله :( إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) [النساء: ٧٦] لأنه يوسوس، ويدعو، فإن أطاعه، وإلا ليس له عليه سلطان سوى ذلك، فهو ضعيف لأن من لا ينفذ على رغبته سوى قوله فهو ضعيف، يوصف بالضعف، والله أعلم، ويكون ضعيفا على من [ يتأمل مكايده، ويتحفظ ](١٢) أحواله.
١ - في ط ع: البحائر والسوائب والوصائل والحوامي..
٢ - أدرج في ط ع تتمة الآية بدل هذه الكلمة..
٣ - الدرن: الوسخ، والرئة: سقط كل شيء.
٤ - في ط ع الآيات..
٥ - من ط ع..
٦ -في النسخ الثلاث: أولياؤهم..
٧ - في النسخ الثلاث: أولياءهم.
٨ - في الأصل و م: وأتوهم، في ط ع: واثقوهم في..
٩ - في النسخ الثلاث: وشاركهم..
١٠ - في النسخ الثلاث: وكانوا..
١١ - في الأصل: أعداءه إذ لك، في م و ط ع: أعداء إذ ذلك.
١٢ - من ط ع: في الأصل و م: مكايده وتحفظ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى