البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الفحشاء : مصدر كالبأساء، وهو فعلاء من الفحش، وهو قبح المنظر، ومنه قول امرىء القيس :
وجيد كجيد الريم ليس بفاحشإذا هي نصته ولا بمعطل
ثم توسع فيه حتى صار يستعمل فيما يستقبح من المعاني.
﴿إنما يأمركم بالسوء والفحشاء﴾ : لما أخبر أنه عدوّ، أخذ يذكر ثمرة العداوة وما نشأ عنها، وهو أمره بما ذكر.
وقد تقدم الكلام في إنما في قوله :﴿إنما نحن مصلحون﴾ وفي الخلاف فيها، أتفيد الحصر أم لا ؟ وأمر الشيطان، إما بقوله في زمن الكهنة وحيث يتصور، وإما بوسوسته وإغوائه.
فإذا أطيع، نفذ أمره بالسوء، أي بما يسوء في العقبى.
وقال ابن عباس : السوء ما لا حد له.
والفحشاء، قال السدي : هي الزنا.
وقال ابن عباس : كل ما بلغ حداً من الحدود لأنه يتفاحش حينئذ.
وقيل : ما تفاحش ذكره.
وقيل : ما قبح قولاً أو فعلاً.
وقال طاوس : ما لا يعرف في شريعة ولا سنة.
وقال عطاء : هي البخل.
﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾، قال الطبري : يريد به ما حرموا من البحيرة والسائبة ونحوه، وجعلوه شرعاً.
وقال الزمخشري : هو قولهم هذا حلال وهذا حرام بغير علم، ويدخل فيه كل ما يضاف إلى الله مما لا يجوز عليه. انتهى.
قيل : وظاهر هذا تحريم القول في دين الله بما لا يعلمه القائل من دين الله، فيدخل في ذلك الرأي والأقيسة والشبهية والاستحسان.
قالوا : وفي هذه الآية إشارة إلى ذمّ من قلد الجاهل واتبع حكمه.
قال الزمخشري : فإن قلت : كيف كان الشيطان آمراً مع قوله :﴿ليس لك عليهم سلطان﴾ ؟ قلت : شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر، كما تقول : أمرتني نفسي بكذا، وتحته رمز إلى أنكم فيه بمنزلة المأمورين لطاعتكم له وقبولكم وساوسه، ولذلك قال :﴿ولآمرنّهم فليبتكنّ آذان الأنعام﴾ ﴿ولأمرهن فليغيرنّ خلق الله﴾.
وقال الله تعالى :﴿إن النفس لأمّارة بالسوء﴾ لما كان الإنسان يطعمها ويعطيها ما اشتهت.
انتهى كلامه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة نداء الناس ثانياً، وأمرهم بالأكل من الحلال الطيب، ونهيهم عن اتباع الشيطان، وذكر خطواته، كأنهم يقتفون آثاره، ويطؤون عقبه.
فكلما خطا خطوة، وضعوا أقدامهم عليها، وذلك مبالغة في اتباعه.
ثم بين أنه إنما نهاهم عن اتباعه، لأنه هو العدوّ المظهر لعداوته.
ثم لم يكتف بذكر العداوة حتى ذكر أنه يأمرهم بالمعاصي.
ولما كان لهم متبوعاً وهم تابعوه، ناسب ذكر الأمر، إذ هم ممتثلون ما زين لهم ووسوس.
ثم ذكر ما به أمرهم، وهو أمره إياهم بالافتراء على الله، والإخبار عن الله بما لا يعلمونه عن الله، ثم ذكر شدة إعراضهم عما أنزل الله، واقتفاء اتباع آبائهم، حتى أنهم لو كان آباؤهم مسلوبي العقل والهداية، لكانوا متبعيهم، مبالغة في التقليد البحت والإعراض عن كتاب الله، وجرياً لخلفهم على سلف سننهم، من غير نظر ولا استدلال.
ثم ذكر أن مثل الكفار وداعيهم إلى ما أنزل الله، مثل الناعق بما لا يسمع إلا مجرد ألفاظ.
ثم ذكر ما هم عليه من الصمم والبكم والعمي، التي هي مانعة من وصول العلوم إلى الإنسان، فلذلك ختم بقوله ﴿فهم لا يعقلون﴾، لأن طرق العقل والعلم منسدة عليهم.
ثم نادى المؤمنين نداء خاصاً، وأمرهم بالأكل من الطيب وبالشكر لله.
ثم ذكر أشياء مما حرم، وأباح الأكل منها حال الاضطرار، وشرط في تناول ذلك أن لا يكون المضطر باغياً ولا عادياً.
ولما أحل أكل الطيبات وحرم ما حرم هنا، ذكر أحوال من كتم ما أنزل الله واشترى به النزر اليسير، لتعتبر هذه الأمة بحال من كتم العلم وباعه بأخس ثمن، إذ أخبر تعالى أنه لا يأكل في بطنه إلا النار، أي ما يوجب أكله النار.
وأن الله لا يكلمهم يوم القيامة ولا يزكيهم حين يكلم المؤمنين تكليم رحمة وإحسان.
وذكر أنهم مع انتفاء التعليم الذي هو أعلى الرتب للمرؤوس من الرئيس، حيث أهله لمناجاته ومحادثته، وانتفاء الثناء عليهم لهم العذاب المؤلم.
ثم بالغ في ذمهم بأن هؤلاء هم الذين آثروا الضلال على الهدى، والعذاب على النعيم.
ثم ذكر أنهم بصدد أن يتعجب من جلدهم على النار، وأن ما حصل لهم من العذاب هو بسبب ما أنزل الله من الكتاب فخالفوه.
ثم ذكر أن الذين اختلفوا فيما أنزل الله هم في معاداة لا تنقطع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى