البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين﴾، الاشتراء والشراء بمعنى : الاستبدال بالشيء والاعتياض منه، إلا أن الاشتراء يستعمل في الابتياع والبيع، وهو مما جاء فيه افتعل بمعنى الفعل المجرد، وهو أحد المعاني التي جاء لها افتعل.
الربح : هو ما يحصل من الزيادة على رأس المال.
التجارة : هي صناعة التاجر، وهو الذي يتصرف في المال لطلب النموّ والزيادة.
المهتدي : اسم فاعل من اهتدى وافتعل فيه للمطاوعة، هديته فاهتدى، نحو : سويته فاستوى، وغممته فاغتم.
والمطاوعة أحد المعاني التي جاءت لها افعل، ولا تكون افتعل للمطاوعة مبنية إلا من الفعل المتعَدّي، وقد وهم من زعم أنها تكون من اللازم، وأن ذلك قليل فيها، مستدلاً بقول الشاعر :
لأن افتعل في البيت بمعنى، فعل.
تقول : شال يشول، واشتال يشتال بمعنى واحد، ولا تتعقل المطاوعة، إلا بأن يكون المطاوع متعدياً.
أولئك : اسم أشير به إلى الذين تقدم ذكرهم، الجامعين للأوصاف الذميمة من دعوى الإصلاح، وهم المفسدون، ونسبة السّفه للمؤمنين، وهم السفهاء، والاستخفاف بالمؤمنين بإظهار الموافقة وهم مع الكفار.
وقرأ الجمهور : اشتروا الضلالة، بضم الواو.
وقرأ أبو السماك قعنب العدوي : اشتروا الضلالة بالفتح.
ولاعتلال ضمة الواو وجوه أربعة مذكورة في النحو، ووجه الكسر أنه الأصل في التقاء الساكنين، نحو :﴿وأن لو استقاموا﴾ ووجه الفتح اتباعها لحركة الفتح قبلها.
وأمال حمزة والكسائي الهدي، وهي لغة بني تميم، والباقون بالفتح، وهي لغة قريش.
والاشتراء هنا مجاز كنى به عن الاختيار، لأن المشتري للشيء مختار له مؤثر، فكأنه قال : اختاروا الضلالة على الهدى، وجعل تمكنهم من اتباع الهدى كالثمن المبذول في المشتري، وإنما ذهب في الاشتراء إلى المجاز لعدم المعاوضة، إذ هي استبدال شيء في يدك لشيء في يد غيرك، وهذا مفقود هنا.
وقد ذهب قوم إلى أن الاشتراء هنا حقيقة لا مجاز، والمعاوضة متحققة، ثم راموا يقررون ذلك، ولا يمكن أن يتقرر لأنه على كل تقدير يؤول الشراء فيه إلى المجاز، قالوا : إن كان أراد بالآية المنافقين، كما قال مجاهد، فقد كان لهم هدى ظاهر من التلفظ بالشهادة، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصوم، والغزو، والقتال.
فلما لم تصدق بواطنهم ظواهرهم واختاروا الكفر، استبدلوا بالهدى الضلال، فتحققت المعاوضة، وحصل البيع والشراء حقيقة، وكان من بيوع المعاطاة التي لا تفتقر إلى اللفظ، وقالوا : لما ولدوا على الفطرة واستمر لهم حكمها إلى البلوغ وجد التكليف، استبدلوا عنها بالكفر والنفاق فتحققت المعاوضة، وقالوا : لما كانوا ذوي عقول متمكنين من النظر الصحيح المؤدي إلى معرفة الصواب من الخطأ، استبدلوا بهذا الاستعداد النفيس اتباع الهوى والتقليد للآباء، مع قيام الدليل الواضح، فتحققت المعاوضة.
قالوا : وإن كان أراد بالآية أهل الكتاب، كما قال قتادة، فقد كانوا مؤمنين بالله واليوم الآخر، ومصدقين ببعث النبي ﷺ، ومستفتحين به، ويدعون بحرمته، ويهددون الكفار بخروجه، فكانوا مؤمنين حقاً.
فلما بعث ﷺ وهاجر إلى المدينة، خافوا على رئاستهم ومآكلهم وانصراف الأتباع عنهم، فجحدوا نبوته وقالوا : ليس هذا المذكور عندنا، وغيروا صفته، واستبدلوا بذلك الإيمان الكفر الذي حصل لهم، فتحققت المعاوضة.
قالوا : وإن كان أراد سائر الكفار، كما قاله ابن مسعود، وابن عباس، فالمعاوضة أيضاً متحققة، إما بالمدة التي كانوا عليها على الفطرة ثم كفروا، أو لأن الكفار كان في محصولهم المدارك الثلاثة : الحسي والنظري والسمعي، وهذه التي تفيد العلم القطعي، فاستبدلوا بها الجري على سنن الآباء في الكفر.
وقال ابن كيسان : خلقهم لطاعته، فاستبدلوا عن هذه الخلقة المرضية كفرهم وضعف قوله، لأنه تعالى لو برأهم لطاعته، لما كفر أحد منهم لاستحالة أن يخلق شيئاً لشيء ويتخلف عن ذلك الشيء.
وسيأتي الكلام على قوله تعالى :﴿إلا ليعبدون﴾ وعلى ( ولذلك خلقهم ) إن شاء الله.
قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي : الضلالة : الكفر، والهدى : الإيمان، وقبل الشك واليقين، وقيل الجهل والعلم، وقيل الفرقة والجماعة، وقيل الدنيا والآخرة، وقيل النار والجنة.
وعطف : فما ربحت، بالفاء، يدل على تعقب نفي الربح للشراء، وأنه بنفس ما وقع الشراء تحقق عدم الربح.
وزعم بعض الناس أن الفاء في قوله :﴿فما ربحت تجارتهم﴾ دخلت لما في الكلام من معنى الجزاء والتقدير ان اشتروا.
والذين إذا كان في صلة فعل، كان في معنى الشرط، ومثله
﴿الذين ينفقون أموالهم﴾، وقع الجواب بالفاء في قوله :﴿فلهم أجرهم﴾ وكذلك الذي يدخل الدار فله درهم، انتهى.
وهذا خطأ لأن الذين ليس مبتدأ، فيشبه بالشرط الذي يكون مبتدأ، فتدخل الفاء في خبره، كما تدخل في جواب الشرط.
وأما الذين خبر عن أولئك، وقوله : فما ربحت ليس بخبر، فتدخله الفاء، وإنما هي جملة فعليه معطوفة على صلة الذين، فهي صلة لأن المعطوف على الصلة صلة، وقوله وقع الجواب بالفاء في قوله :﴿فلهم أجرهم﴾ خطأ، لأنه ليس بجواب، إنما الجملة خبر المبتدأ الذي هو ينفقون، ولا يجوز أن يكون أولئك مبتدأ، والذين اشتروا مبتدأ، وفما ربحت تجارتهم خبر عن الذين، والذين وخبره خبر عن أولئك لعدم الرابط في هذه الجملة الواقعة خبراً لأولئك.
ولتحقق مضي الصلة، وإذا كانت الصلة ماضية، معنى لم تدخل الفاء في خبر موصولها المبتدأ، ولا يجوز أن يكون أولئك مبتدأ، والذين بدل منه، وفما ربحت خبر لأن الخبر إنما تدخله الفاء لعموم الموصول، ولإبدال الذين من أولئك، صار الذين مخصوصاً لأنه بدل من مخصوص، وخبر المخصوص لا تدخله الفاء، ولأن معنى الآية ليس إلا على كون أولئك مبتدأ والذين خبراً عنه.
ونسبة الربح إلى التجارة من باب المجاز لأن الذي يربح أو يخسر إنما هو التاجر لا التجارة، ولما صور الضلالة والهدى مشترى وثمناً، رشح هذا المجاز البديع بقوله تعالى :﴿فما ربحت تجارتهم﴾، وهذا من باب ترشيح المجاز، وهو أن يبرز المجاز في صورة الحقيقة، ثم يحكم عليه ببعض أوصاف الحقيقة، فينضاف مجازاً إلى مجاز، ومن ذلك قول الشاعر :
أقام الخز مقام شخص حين باشر روحاً بكى من عدم ملامته، ثم رشحه بقوله : وأنكر جلده، ثم زاد في ترشيح المجاز بقوله : وعجب، أي وصاحت مطارف الخز من قبيل روح هذا، وهي : جذام.
ومعنى البيت : أن روحاً وقبيلته جذام لا يصلح لهم لباس الخز ومطارفه، لأنهم لا عادة لهم بذلك، فكنى عن التباين بينهما بما كنى فيه في البيت، ومن ذلك قول الشافعي، رضي الله عنه :
لما كنى عن الشيب بالبومة فأقبل عليها وناداها، رشح هذا المجاز بقوله : قد عششت، لأن الطائر من أفعاله اتخاذ العشة، وقد أورده الزمخشري في ترشيح المجاز في كشافه مثلاً.
وقرأ ابن أبي عبلة : تجاراتهم، على الجمع، ووجهه أن لكل واحد تجارة، ووجه قراءة الجمهور على الإفراد أنه اكتفى به عن الجمع لفهم المعنى، وفي قوله : فما ربحت تجارتهم، إشعار بأن رأس المال لم يذهب بالكلية، لأنه إنما نفى الربح، ونفي الربح لا يدل على انتقاص رأس المال.
وأجيب عن هذا بأنه اكتفى بذكر عدم الربح عن ذكر ذهاب المال، لما في الكلام من الدلالة على ذلك، لأن الضلال نقيض الهدى، والنقيضان لا يجتمعان، فاستبدالهم الضلالة بالهدى دل على ذهاب الهدى بالكلية، ويتخرج عندي على أن يكون من باب قوله :
علي لاحب لا يهتدي بمناره***
أي لا منار له فيهتدي به، فنفى الهداية، وهو يريد نفي المنار، ويلزم من نفي المنار نفي الهداية به، فكذلك هذه الآية لما ذكر شراء شيء بشيء، توهم أن هذا الذي فعلوه هو من باب التجارة، إذ التجارة ليس نفس الاشتراء فقط، وليس بتاجر، إنما التجارة : التصرف في المال لتحصيل النموّ والزيادة فنفى الربح.
والمقصود نفي التجارة أي لا يتوهم أن هذا الشراء الذي وقع هو تجارة فليس بتجارة وإذا لم يكن تجارة انتفى الربح فكأنه قال : فلا تجارة لهم ولا ربح.
وقال الزمخشري معناه : إن الذي يطلبه التجار في متصرفاتهم شيئان : سلامة رأس المال والربح، وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس المال مالهم كان هو الهدى، فلم يبق لهم مع الضلالة، وحين لم يبق في أيديهم إلا الضلالة لم يوصفوا بإصابة الربح، وإن ظفروا بما ظفروا به من الأعراض الدنيوية، لأن الضلال خاسر دامر، ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله قد ربح.
انتهى كلامه.
ومع ذلك ليس بمخلص في الجواب لأن نفي الربح عن التجارة لا يدل على ذهاب كل المال، ولا على الخسران فيه، لأن الربح هو الفضل على رأس المال، فإذا نفى الفضل لم يدل على ذهاب رأس المال بالكلية، ولا على الانتقاص منه، وهو الخسران.
قيل : لما لم يكن قوله تعالى :﴿فما ربحت تجارتهم﴾ مفيداً لذهاب رؤوس أموالهم، أتبعه بقوله :﴿وما كانوا مهتدين﴾، فكمل المعنى بذلك، وتم به المقصود، وهذا النوع من البيان يقال له : التتميم، ومنه قول امرئ القيس :
تمم المعنى بقوله : الذي لم يثقب، وكمل الوصف وسمى الله تعالى اعتياضهم الضلالة عن الهدى تجارة، وإن كانت التجارة هي البيع والشراء المتحقق منه الفائدة، أو المترجى ذلك منه.
وهذا الاعتياض منفي عنه ذلك، لأن الكفر محبط للأعمال.
قال تعالى :﴿وقدمنا إلى ما عملوا﴾ الآية وفي الحديث، أنه ﷺ سئل عن ابن جدعان : وهو ينفعه وصله الرحم وإطعام المساكين ؟ فقال :« لا إنه لم يقل رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين » لأنهم لم يعتاضوا ذلك إلا لما تحققوا وارتجوا من الفوائد الدنيوية والأخروية.
ألا ترى إلى قولهم :﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾، وقولهم :﴿وما نحن بمعذبين﴾ وكانت اليهود تزعم أنهم لا يعذبون إلا أياماً معدودة، وبعضهم يقول يوماً واحداً، وبعضهم عشراً، وكل طائفة من الكفار تزعم أنها على الحق وأن غيرها على الباطل.
فلحصول الراحة الدنيوية ورجاء الراحة الأخروية، سمى اشتراءهم الضلالة بالهدى تجارة، ونفى الله تعالى عنهم كونهم مهتدين.
وهل المعنى ما كانوا في علم الله مهتدين، أو مهتدين من الضلالة، أو للتجارة الرابحة، أو في اشتراء الضلالة، أو نفى عنهم الهداية والربح، لأن من التجار من لا يربح في تجارته ويكون على هدى، وعلى استقامة، وهؤلاء جمعوا بين نفي الربح والهداية.
والذي أختاره أن قوله تعالى :﴿وما كانوا مهتدين﴾ إخبار بأن هؤلاء ما سبقت لهم هداية بالفعل لئلا يتوهم من قوله : بالهدى، أنهم كانوا على هدى فيما مضى، فبين قوله :﴿وما كانوا مهتدين﴾ مجاز قوله : بالهدى،
الربح : هو ما يحصل من الزيادة على رأس المال.
التجارة : هي صناعة التاجر، وهو الذي يتصرف في المال لطلب النموّ والزيادة.
المهتدي : اسم فاعل من اهتدى وافتعل فيه للمطاوعة، هديته فاهتدى، نحو : سويته فاستوى، وغممته فاغتم.
والمطاوعة أحد المعاني التي جاءت لها افعل، ولا تكون افتعل للمطاوعة مبنية إلا من الفعل المتعَدّي، وقد وهم من زعم أنها تكون من اللازم، وأن ذلك قليل فيها، مستدلاً بقول الشاعر :
| حتى إذا اشتال سهيل في السحر | كشعلة القابس ترمي بالشرر |
تقول : شال يشول، واشتال يشتال بمعنى واحد، ولا تتعقل المطاوعة، إلا بأن يكون المطاوع متعدياً.
أولئك : اسم أشير به إلى الذين تقدم ذكرهم، الجامعين للأوصاف الذميمة من دعوى الإصلاح، وهم المفسدون، ونسبة السّفه للمؤمنين، وهم السفهاء، والاستخفاف بالمؤمنين بإظهار الموافقة وهم مع الكفار.
وقرأ الجمهور : اشتروا الضلالة، بضم الواو.
وقرأ أبو السماك قعنب العدوي : اشتروا الضلالة بالفتح.
ولاعتلال ضمة الواو وجوه أربعة مذكورة في النحو، ووجه الكسر أنه الأصل في التقاء الساكنين، نحو :﴿وأن لو استقاموا﴾ ووجه الفتح اتباعها لحركة الفتح قبلها.
وأمال حمزة والكسائي الهدي، وهي لغة بني تميم، والباقون بالفتح، وهي لغة قريش.
والاشتراء هنا مجاز كنى به عن الاختيار، لأن المشتري للشيء مختار له مؤثر، فكأنه قال : اختاروا الضلالة على الهدى، وجعل تمكنهم من اتباع الهدى كالثمن المبذول في المشتري، وإنما ذهب في الاشتراء إلى المجاز لعدم المعاوضة، إذ هي استبدال شيء في يدك لشيء في يد غيرك، وهذا مفقود هنا.
وقد ذهب قوم إلى أن الاشتراء هنا حقيقة لا مجاز، والمعاوضة متحققة، ثم راموا يقررون ذلك، ولا يمكن أن يتقرر لأنه على كل تقدير يؤول الشراء فيه إلى المجاز، قالوا : إن كان أراد بالآية المنافقين، كما قال مجاهد، فقد كان لهم هدى ظاهر من التلفظ بالشهادة، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصوم، والغزو، والقتال.
فلما لم تصدق بواطنهم ظواهرهم واختاروا الكفر، استبدلوا بالهدى الضلال، فتحققت المعاوضة، وحصل البيع والشراء حقيقة، وكان من بيوع المعاطاة التي لا تفتقر إلى اللفظ، وقالوا : لما ولدوا على الفطرة واستمر لهم حكمها إلى البلوغ وجد التكليف، استبدلوا عنها بالكفر والنفاق فتحققت المعاوضة، وقالوا : لما كانوا ذوي عقول متمكنين من النظر الصحيح المؤدي إلى معرفة الصواب من الخطأ، استبدلوا بهذا الاستعداد النفيس اتباع الهوى والتقليد للآباء، مع قيام الدليل الواضح، فتحققت المعاوضة.
قالوا : وإن كان أراد بالآية أهل الكتاب، كما قال قتادة، فقد كانوا مؤمنين بالله واليوم الآخر، ومصدقين ببعث النبي ﷺ، ومستفتحين به، ويدعون بحرمته، ويهددون الكفار بخروجه، فكانوا مؤمنين حقاً.
فلما بعث ﷺ وهاجر إلى المدينة، خافوا على رئاستهم ومآكلهم وانصراف الأتباع عنهم، فجحدوا نبوته وقالوا : ليس هذا المذكور عندنا، وغيروا صفته، واستبدلوا بذلك الإيمان الكفر الذي حصل لهم، فتحققت المعاوضة.
قالوا : وإن كان أراد سائر الكفار، كما قاله ابن مسعود، وابن عباس، فالمعاوضة أيضاً متحققة، إما بالمدة التي كانوا عليها على الفطرة ثم كفروا، أو لأن الكفار كان في محصولهم المدارك الثلاثة : الحسي والنظري والسمعي، وهذه التي تفيد العلم القطعي، فاستبدلوا بها الجري على سنن الآباء في الكفر.
وقال ابن كيسان : خلقهم لطاعته، فاستبدلوا عن هذه الخلقة المرضية كفرهم وضعف قوله، لأنه تعالى لو برأهم لطاعته، لما كفر أحد منهم لاستحالة أن يخلق شيئاً لشيء ويتخلف عن ذلك الشيء.
وسيأتي الكلام على قوله تعالى :﴿إلا ليعبدون﴾ وعلى ( ولذلك خلقهم ) إن شاء الله.
قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي : الضلالة : الكفر، والهدى : الإيمان، وقبل الشك واليقين، وقيل الجهل والعلم، وقيل الفرقة والجماعة، وقيل الدنيا والآخرة، وقيل النار والجنة.
وعطف : فما ربحت، بالفاء، يدل على تعقب نفي الربح للشراء، وأنه بنفس ما وقع الشراء تحقق عدم الربح.
وزعم بعض الناس أن الفاء في قوله :﴿فما ربحت تجارتهم﴾ دخلت لما في الكلام من معنى الجزاء والتقدير ان اشتروا.
والذين إذا كان في صلة فعل، كان في معنى الشرط، ومثله
﴿الذين ينفقون أموالهم﴾، وقع الجواب بالفاء في قوله :﴿فلهم أجرهم﴾ وكذلك الذي يدخل الدار فله درهم، انتهى.
وهذا خطأ لأن الذين ليس مبتدأ، فيشبه بالشرط الذي يكون مبتدأ، فتدخل الفاء في خبره، كما تدخل في جواب الشرط.
وأما الذين خبر عن أولئك، وقوله : فما ربحت ليس بخبر، فتدخله الفاء، وإنما هي جملة فعليه معطوفة على صلة الذين، فهي صلة لأن المعطوف على الصلة صلة، وقوله وقع الجواب بالفاء في قوله :﴿فلهم أجرهم﴾ خطأ، لأنه ليس بجواب، إنما الجملة خبر المبتدأ الذي هو ينفقون، ولا يجوز أن يكون أولئك مبتدأ، والذين اشتروا مبتدأ، وفما ربحت تجارتهم خبر عن الذين، والذين وخبره خبر عن أولئك لعدم الرابط في هذه الجملة الواقعة خبراً لأولئك.
ولتحقق مضي الصلة، وإذا كانت الصلة ماضية، معنى لم تدخل الفاء في خبر موصولها المبتدأ، ولا يجوز أن يكون أولئك مبتدأ، والذين بدل منه، وفما ربحت خبر لأن الخبر إنما تدخله الفاء لعموم الموصول، ولإبدال الذين من أولئك، صار الذين مخصوصاً لأنه بدل من مخصوص، وخبر المخصوص لا تدخله الفاء، ولأن معنى الآية ليس إلا على كون أولئك مبتدأ والذين خبراً عنه.
ونسبة الربح إلى التجارة من باب المجاز لأن الذي يربح أو يخسر إنما هو التاجر لا التجارة، ولما صور الضلالة والهدى مشترى وثمناً، رشح هذا المجاز البديع بقوله تعالى :﴿فما ربحت تجارتهم﴾، وهذا من باب ترشيح المجاز، وهو أن يبرز المجاز في صورة الحقيقة، ثم يحكم عليه ببعض أوصاف الحقيقة، فينضاف مجازاً إلى مجاز، ومن ذلك قول الشاعر :
| بكى الخز من روح وأنكر جلده | وعجت عجيجاً من جذام المطارف |
ومعنى البيت : أن روحاً وقبيلته جذام لا يصلح لهم لباس الخز ومطارفه، لأنهم لا عادة لهم بذلك، فكنى عن التباين بينهما بما كنى فيه في البيت، ومن ذلك قول الشافعي، رضي الله عنه :
| أيا بومة قد عششت فوق هامتي | على الرغم مني حين طار غرابها |
وقرأ ابن أبي عبلة : تجاراتهم، على الجمع، ووجهه أن لكل واحد تجارة، ووجه قراءة الجمهور على الإفراد أنه اكتفى به عن الجمع لفهم المعنى، وفي قوله : فما ربحت تجارتهم، إشعار بأن رأس المال لم يذهب بالكلية، لأنه إنما نفى الربح، ونفي الربح لا يدل على انتقاص رأس المال.
وأجيب عن هذا بأنه اكتفى بذكر عدم الربح عن ذكر ذهاب المال، لما في الكلام من الدلالة على ذلك، لأن الضلال نقيض الهدى، والنقيضان لا يجتمعان، فاستبدالهم الضلالة بالهدى دل على ذهاب الهدى بالكلية، ويتخرج عندي على أن يكون من باب قوله :
علي لاحب لا يهتدي بمناره***
أي لا منار له فيهتدي به، فنفى الهداية، وهو يريد نفي المنار، ويلزم من نفي المنار نفي الهداية به، فكذلك هذه الآية لما ذكر شراء شيء بشيء، توهم أن هذا الذي فعلوه هو من باب التجارة، إذ التجارة ليس نفس الاشتراء فقط، وليس بتاجر، إنما التجارة : التصرف في المال لتحصيل النموّ والزيادة فنفى الربح.
والمقصود نفي التجارة أي لا يتوهم أن هذا الشراء الذي وقع هو تجارة فليس بتجارة وإذا لم يكن تجارة انتفى الربح فكأنه قال : فلا تجارة لهم ولا ربح.
وقال الزمخشري معناه : إن الذي يطلبه التجار في متصرفاتهم شيئان : سلامة رأس المال والربح، وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس المال مالهم كان هو الهدى، فلم يبق لهم مع الضلالة، وحين لم يبق في أيديهم إلا الضلالة لم يوصفوا بإصابة الربح، وإن ظفروا بما ظفروا به من الأعراض الدنيوية، لأن الضلال خاسر دامر، ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله قد ربح.
انتهى كلامه.
ومع ذلك ليس بمخلص في الجواب لأن نفي الربح عن التجارة لا يدل على ذهاب كل المال، ولا على الخسران فيه، لأن الربح هو الفضل على رأس المال، فإذا نفى الفضل لم يدل على ذهاب رأس المال بالكلية، ولا على الانتقاص منه، وهو الخسران.
قيل : لما لم يكن قوله تعالى :﴿فما ربحت تجارتهم﴾ مفيداً لذهاب رؤوس أموالهم، أتبعه بقوله :﴿وما كانوا مهتدين﴾، فكمل المعنى بذلك، وتم به المقصود، وهذا النوع من البيان يقال له : التتميم، ومنه قول امرئ القيس :
| كأن عيون الوحش حول خبائنا | وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب |
وهذا الاعتياض منفي عنه ذلك، لأن الكفر محبط للأعمال.
قال تعالى :﴿وقدمنا إلى ما عملوا﴾ الآية وفي الحديث، أنه ﷺ سئل عن ابن جدعان : وهو ينفعه وصله الرحم وإطعام المساكين ؟ فقال :« لا إنه لم يقل رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين » لأنهم لم يعتاضوا ذلك إلا لما تحققوا وارتجوا من الفوائد الدنيوية والأخروية.
ألا ترى إلى قولهم :﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾، وقولهم :﴿وما نحن بمعذبين﴾ وكانت اليهود تزعم أنهم لا يعذبون إلا أياماً معدودة، وبعضهم يقول يوماً واحداً، وبعضهم عشراً، وكل طائفة من الكفار تزعم أنها على الحق وأن غيرها على الباطل.
فلحصول الراحة الدنيوية ورجاء الراحة الأخروية، سمى اشتراءهم الضلالة بالهدى تجارة، ونفى الله تعالى عنهم كونهم مهتدين.
وهل المعنى ما كانوا في علم الله مهتدين، أو مهتدين من الضلالة، أو للتجارة الرابحة، أو في اشتراء الضلالة، أو نفى عنهم الهداية والربح، لأن من التجار من لا يربح في تجارته ويكون على هدى، وعلى استقامة، وهؤلاء جمعوا بين نفي الربح والهداية.
والذي أختاره أن قوله تعالى :﴿وما كانوا مهتدين﴾ إخبار بأن هؤلاء ما سبقت لهم هداية بالفعل لئلا يتوهم من قوله : بالهدى، أنهم كانوا على هدى فيما مضى، فبين قوله :﴿وما كانوا مهتدين﴾ مجاز قوله : بالهدى،