البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
اللحم : معروف.
يقال : لحم الرجل لحامه، فهو لحيم : ضخم.
ولحم يلحم، فهو لحم : اشتاق إلى اللحم.
ولحم الناس يلحمهم : أطعمهم اللحم، فهو لاحم.
وألحم، فهو ملحم : كثر عنده اللحم.
الخنزير : حيوان معروف، ونونه أصلية، فهو فعليل.
وزعم بعضهم أن نونه زائدة، وأنه مشتق من خزر العين، لأنه كذلك ينظر.
يقال : تخازر الرجل : ضيق جفنه ليحدد النظر، والخزر : ضيق العين وصغرها، ويقال : رجل أخزر : بين الخزر.
وقيل : هو النظر بمؤخر العين، فيكون كالتشوش.
الإهلال : رفع الصوت، ومنه الإهلال بالتلبية، ومنه سمي الهلال لارتفاع الصوت عند رؤيته، ويقال : أهل الهلال واستهل، ويقال : أهل بكذا : رفع صوته.
قال ابن أحمر :
يهل بالفدفد ركبانناكما يهل الراكب المعتمر
وقال النابغة :
أو درة صدفية غوّاصهابهج متى تره يهل ويسجد
ومنه : إهلال الصبي واستهلاله، وهو صياحه عند ولادته.
وقال الشاعر :
يضحك الذئب لقتلي هذيلوترى الذئب لها يستهل.
﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله﴾ : تقدم الكلام على إنما في قوله :﴿إنما نحن مصلحون﴾ وقرأ الجمهور : حرم مسنداً إلى ضمير اسم الله، وما بعده نصب، فتكون ما مهيئة في إنما هيأت إن لولايتها الجملة الفعلية.
وقرأ ابن أبي عبلة : برفع الميتة وما بعدها، فتكون ما موصولة اسم إن، والعائد عليها محذوف، أي إن الذي حرمه الله الميتة، وما بعدها خبران.
وقرأ أبو جعفر : حرم، مشدداً مبنياً للمفعول، فاحتملت ما وجهين : أحدهما : أن تكون موصولة اسم إن، والعائد الضمير المستكن في حرم والميتة خبران.
والوجه الثاني : أن تكون ما مهيئة والميتة مرفوع بحرم.
وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي : إنما حرم، بفتح الحاء وضم الراء مخففة جعله لازماً، والميتة وما بعدها مرفوع.
ويحتمل ما الوجهين من التهيئة والوصل، والميتة فاعل يحرم، إن كانت ما مهيئة، وخبر إن، إن كانت ما موصولة.
وقرأ أبو جعفر : الميتة، بتشديد الياء في جميع القرآن، وهو أصل للتخفيف.
وقد تقدم الكلام على هذا التخفيف في قوله :﴿أو كصيِّب﴾، وهما لغتان جيدتان، وقد جمع بينهما الشاعر في قوله :
ليس من مات فاستراح بميتإنما الميت ميت الأحياء
قيل : وحكى أبو معاذ عن النحويين الأولين، أن الميت بالتخفيف : الذي فارقته الروح، والميت بالتشديد : الذي لم يمت، بل عاين أسباب الموت.
وقد تقدم الكلام في الموت.
ولما أمر تعالى : بأكل الحلال في الآية السابقة، فصل هنا أنواع الحرام، وأسند التحريم إلى الميتة.
والظاهر أن المحذوف هو الأكل، لأن التحريم لا يتعلق بالعين، ولأن السابق المباح هو الأكل في قوله :﴿كلوا مما في الأرض﴾، ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾.
فالممنوع هنا هو الأكل، وهكذا حذف المضاف يقدر بما يناسب.
فقوله :﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ المحذوف : وطء، كأنه قيل : وطء أمهاتكم، ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ أي وطء ما وراء ذلكم.
فسائر وجوه الانتفاعات محرم من هذه الأعيان المذكورة، إما بالقياس على الأكل عند من يقول بالقياس، وإما بدليل سمعي عند من لا يقول به.
وقال بعض الناس ما معناه : أنه تعالى لما أسند التحريم إلى الميتة، وما نسق عليها وعلقه بعينها، كان ذلك دليلاً على تأكيد حكم التحريم وتناول سائر وجوه المنافع، فلا يخص شيء منها إلا بدليل يقتضي جواز الانتفاع به، فاستنبط هذا القول تحريم سائر الانتفاعات من اللفظ.
والأظهر ما ذكرناه من تخصص المضاف المحذوف بأنه الأكل.
وظاهر لفظ الميتة يتناول العموم، ولا يخص شيء منها إلا بدليل.
قال قوم : خص هذا العموم بقوله تعالى :﴿أحل لكم صيد البحر وطعاماً متاعاً لكم وللسيارة﴾، وبما روي من قوله ﷺ :« حلت لنا ميتتان » وقال ابن عطية : الحوت والجراد لم يدخل قط في هذا العموم. انتهى.
فإن عنى لم يدخل في دلالة اللفظ، فلا نسلم له ذلك.
وإن عنى لم يدخل في الإرادة، فهو كما قال، لأن المخصص يدل على أنه لم يرد به الدخول في اللفظ العام الذي خصص به.
قال الزمخشري : فإن قلت في الميتات ما يحل وهو السمك والجراد.
قلت : قصد ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة.
ألا ترى أن القائل إذا قال : أكل فلان ميتة، لم يسبق الفهم إلى السمك والجراد ؟ كما لو قال : أكل دماً، لم يسبق إلى الكبد والطحال.
ولاعتبار العادة والتعارف قالوا : من حلف لا يأكل لحماً، فأكل سمكاً، لم يحنث، وإن أكل لحماً في الحقيقة.
وقال الله تعالى :﴿لتأكلوا منه لحماً طرياً﴾ وشبهوه بمن حلف لا يركب دابة، فركب كافراً، لم يحنث وإن سماه الله دابة في قوله :﴿إن شر الدواب عند الله الذين كفروا﴾ انتهى كلامه.
وملخص ما يقوله : إن السمك والجراد لم يندرج في عموم الميتة من حيث الدلالة، وليس كما قال.
وكيف يكون ذلك، وقد روي عنه ﷺ أنه قال :« أحلت لنا ميتتان » ؟ فلو لم يندرج في الدلالة، لما احتيج إلى تقرير شرعي في حله، إذ كان يبقى مدلولاً على حله بقوله :﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾.
وليس من شرط العموم ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه فى العادة، كما قال الزمخشري، بل لو لم يكن للمخاطب شعور ألبتة، ولا علم ببعض أفراد العام، وعلق الحكم على العام، لاندرج فيه ذلك الفرد الذي لا شعور للمخاطب به.
مثال ذلك ما جاء في الحديث :« نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع » فهذا علق الحكم فيه بكل ذي ناب.
والمخاطب، الذين هم العرب، لا علم لهم ببعض أفراد ذي الناب، وذلك الفرد مندرج في العموم يقضي عليه بالنهي، كما في بلادنا، بلاد الأندلس، حيوان مفترس يسمى عندهم بالدب وبالسمع، وهو ذو أنياب يفترس الرجل ويأكله، ولا يشبه الأسد، ولا الذئب، ولا النمر، ولا شيئاً مما يعرفه العرب، ولا نعلمه خلق بغير بلاد الأندلس.
فهذا لا يذهب أحد إلى أنه ليس مندرجاً في عموم النهي عن أكل كل ذي ناب، بل شمله النهي، كما شمل غيره مما تعاهده العرب وعرفوه، لأن الحكم نيط بالعموم وعلق به، فهو معلق بكل فرد من أفراده، حتى بما كان لم يخلق ألبتة وقت الخطاب، ثم خلق شكلاً مبايناً لسائر الأشكال ذوات الأنياب، فيندرج فيه، ويحكم بالنهي عنه.
وإنما تمثيل الزمخشري بالإيمان، فللإيمان أحكام منوطة بها، ويؤول التحقيق فيها إلى أن ذلك تخصيص للعموم بإرادة خروج بعض الأفراد منه.
﴿والميتة﴾ : ما مات دون ذكاة مما له نفس سائلة.
واختلف في السمك الطافي، وهو ما مات في الماء فطفا.
فذهب مالك وغيره أنه حلال.
ومذهب العراقيين أنه ممنوع من أكله.
وفي كلام بعض الحنفيين عن أبي حنيفة أنه مكروه.
وأما ما مات من الجراد بغير تسبب، فهو عند مالك وجمهور أصحابه أنه حرام، وعند ابن عبد الحكم وابن نافع حلال، وعند ابن القاسم وابن وهب وأشهب وسحنون تقييدات في الجراد ذكرت في كتب المالكية.
هذا حكم الميتة بالنسبة إلى الأكل.
وأما الانتفاع بشيء منها، نحو : الجلد، والشعر، والريش، واللبن، والبيض، والأنفخة، والجنين، والدهن، والعظم، والقرن، والناب، والغصب، فذلك مذكور في كتب الفقه، ولهم في ذلك اختلاف وتقييد كثير يوقف على ذلك في تصانيفهم.
والدم : ظاهره العموم، ويتخصص بالمسفوح لآية الأنعام.
فإذا كان مسفوحاً، فلا خلاف في نجاسته وتحريمه.
وفي دم السمك المزايل له في مذهب مالك قولان : أحدهما : أنه طاهر، ويقتضي ذلك أنه غير محرم.
وأجمعوا على جواز أكل الدم المتحلل بالعروق واللحم الشاق إخراجه، وكذلك الكبد والطحال.
وذكر المفسرون في يسير الدم المسفوح الخلاف في العفو عنه، وفي مقدار اليسير، والخلاف في دم البراغيث والبق والذباب، وهذا كله من علم الفقه، فيطالع في كتب الفقه.
ولم يذكر الله تعالى حكمة في تحريم أكل الميتة والدم، ولا جاء نص عن رسول الله ﷺ في ذلك.
ولو تعبدنا تعالى بجواز أكل الميتة والدم، لكان ذلك شرعاً يجب اتباعه.
وقد ذكروا أن الحكمة في تحريم الميتة جمود الدم فيها بالموت، وأنه يحدث أذى للآكل.
وفي تحريم الدم أنه بعد خروجه يجمد، فهو في الأذى كالجامد في الميتة، وهذا ليس بشيء، لأن الحس يكذب ذلك.
وجدنا من يأكل الميتة، ويشرب الدم من الأمم، صورهم وسحنهم من أحسن ما يرى وأجمله، ولا يحدث لهم أذى بذلك.
﴿ولحم الخنزير﴾ : ظاهره أن المحرم منه هو لحمه فقط.
وقد ذهب إلى ذلك داود، رأس الظاهرية، فقال : المحرم اللحم دون الشحم.
وقال غيره من سائر العلماء : المحرم لحمه وسائر أجزائه.
وإنما خص اللحم بالذكر، والمراد جميع أجزائه، لكون اللحم هو معظم ما ينتفع به.
كما نص على قتل الصيد على المحرم، والمراد حظر جميع أفعاله في الصيد.
وكما نص على ترك البيع ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ لأنه كان أعظم ما كانوا يبتغون به منافعهم، فهو أشغل لهم من غيره، والمراد جميع الأمور الشاغلة عن الصلاة.
وقال الزمخشري : فإن قلت : فما له ذكر لحم الخنزير دون شحمه ؟ قلت : لأن الشحم داخل في ذكر اللحم بدليل قوله : لحم سمين، يريدون أنه شحيم. انتهى.
وقولهم هذا ليس بدليل على أن الشحم داخل في ذكر اللحم، لأن وصف الشيء بأنه يمازجه شيء آخر، لا يدل على أنه مندرج تحت مدلول ذلك الشيء، ألا ترى أنك تقول مثلاً رجل لابن، أو رجل عالم ؟ لا يدل ذلك على أن اللبن أو العلم داخل في ذكر الرجل، ولا أن ذكر الرجل مجرداً عن الوصفين يدل عليهما.
وقال ابن عطية : وخص ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه، ذكي أو لم يذك، وليعم الشحم وما هناك من الغضاريف وغيرها.
وأجمعت الأمة على تحريم شحمه.
انتهى كلامه.
وليس كما ذكر، لأن ذكر اللحم لا يعم الشحم وما هناك من الغضاريف، لأن كلاًّ من اللحم والشحم وما هناك من غضروف وغيره، وليس له اسم يخصه.
إذا أطلق ذلك الاسم، لم يدخل فيه الآخر، ولا يدل عليه، لا بمطابقة، ولا تضمن.
فإذن، تخصيصه بالذكر يدل على تخصيصه بالحكم، إذ لو أريد المجموع، لدل بلفظ يدل على المجموع.
وقوله : أجمعت الأمة على تحريم شحمه، ليس كما ذكر.
ألا ترى أن داود لا يحرم إلا ما ذكره الله تعالى، وهو اللحم دون الشحم ؟ إلا أن يذهب ابن عطية إلى ما يذكر عن أبي المعالي عبد الملك الجويني، من أنه لا يعتد في الإجماع، بخلاف داود، فيكون ذلك عنده إجماعاً.
وقد اعتد أهل العلم الذين لهم الفهم التام والاجتهاد، قبل أن يخلق الجويني بأزمان، بخلاف داود، ونقلوا أقاويله في كتبهم، كما نقلوا أقاويل الأئمة، كالأوزاعي، وأبي حنيفة، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد.
ودان بمذهبه وقوله وطريقته ناس وبلاد وقضاة وملوك الأزمان الطويلة، ولكنه في عصرنا هذا قد خمل هذا المذهب.
ولما كان اللحم يتضمن عند مالك الشحم، ذهب إلى أنه لو حلف حالف أن لا يأكل لحماً، فأكل شحماً، أنه يحنث.
وخالفه أبو حنيفة والشافعي فقالا : لا يحنث، كما لو حلف أنه لا يأكل شحماً، فأكل لحماً.
وقال تع

تفسير هذه الآية من كتب أخرى