غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿الميتة﴾ بتشديد الياء : يزيد. الباقون : بالسكون ؛ ﴿فمن اضطر﴾ بكسر النون وضم الطاء : أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وكسر الطاء : يزيد. الباقون : بضمهما.
الوقوف :﴿تعبدون﴾ ه ﴿لغير الله﴾ ج الشرط مع فاء التعقيب ﴿عليه﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه ﴿قليلاً﴾ لا لأن ما بعده خبر " إن " ﴿تزكيهم﴾ ج والوصل أولى لاتصال بعض جزائهم بالبعض ﴿أليم﴾ ه ﴿بالمغفرة﴾ ج للابتداء بالتعجب أو الاستفهام والوجه الوصل للمبالغة في الإنكار. ﴿على النار﴾ ه ﴿بالحق﴾ ط للابتداء بأن ﴿بعيد﴾ ربع الجزء.
ولما أجمل في الآية ما يباح أكله ذيل بحصر ما هو محرّم ليبقى ما عدا ذلك على أصل الإباحة فقيل ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم﴾ يتناول ما مات حتف أنفه وما لم تدرك ذكاته على الوجه الشرعي. وإذا كانت محرمة وجب الحكم بنجاستها إجماعاً، ولأن تحريم ما ليس بمحرم ولا فيه ضر وظاهر يدل على النجاسة. وليس في الآية إجمال عند الأكثرين، لأن المفهوم من تحريم الميتة ليس تحريم أعيانها وإنما المفهوم في العرف حرمة التصرف في هذه الأجسام كما لو قيل : فلان يملك جارية. فهم منه عرفاً أنه يملك التصرف فيها. وعلى هذا فالآية تدل على حرمة جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل المخصص كالسمك والجراد لقوله ﷺ " أحلت لنا ميتتان ودمان. أما الميتتان فالجراد والنون. وأما الدمان فالطحال والكبد " وقال ﷺ في صفة البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " وهذا عام لجميع الحيوانات التي لا تعيش إلا في الماء وإن لم تكن على صورة السمكة المشهورة. ولا فرق أيضاً بين ما يؤكل نظيره في البر كالبقر والشاة وبين ما لا يؤكل كخنزير الماء وكلبه على أصح القولين للشافعي. وقد زعم بعض الناس كصاحب الكشاف أن السمك والجراد يخرج بنفسه لأن الميتة لا تتناولهما عرفاً وعادة، ولهذا من حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث، وإن أكل لحماً في الحقيقة لقوله تعالى ﴿لتأكلوا منه لحماً طرياً﴾ [النحل: ١٤] وشبهوه بما لو حلف لا يركب دابة فركب كافراً لم يحنث وإن عدّ الكافر من الدواب لقوله تعالى ﴿إن شر الدواب عند الله الذين كفروا﴾ [الأنفال: ٥٥] وفيه نظر. لأن عدم التناول عرفاً إنما هو بعد تخصيص الشارع فلا يمكن أن يجعل دليلاً على عمومه. وكالجنين الذي يوجد ميتاً عند ذبح الأم عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد وهو المروي عن علي رضي الله عنه وابن مسعود وابن عمر لقوله ﷺ " ذكاة الجنين ذكاة أمه " وقال أبو حنيفة : لا يؤكل إلا أن يخرج حياً فيذبح وحمل الحديث على الإضمار أي ذكاة الجنين كذكاة أمه وردّ بأن الإضمار خلاف الأصل، وبأنه إذا خرج لا يسمى جنيناً، وبأنه لا يبقى للخبر حينئذ فائدة، لأن ذلك معلوم، ولما روي عن أبي سعيد أنه ﷺ سئل عن الجنين يخرج ميتاً قال :" إن شئتم فكلوه فإن ذكاته ذكاة أمه " وكشعر الميتة وصوفها فإنهما عند أبي حنيفة ظاهران لقوله تعالى في معرض الامتنان ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين﴾ [النحل: ٨٠] ولقوله ﷺ في شاة ميمونة " إنما حرم من الميتة أكلها " ولأنهم كانوا يلبسون جلود الثعالب، ولأن الشعر، والصوف لا حياة فيه لأن حكم الحياة الإدراك والشعور. ومن ههنا ذهب مالك إلى تحريم العظام دون الشعور، وعند الشافعي الشعر والعظم ونحوهما كالقرن والظفر والسن كلها نجسة لقوله ﷺ " ما أبين من حي فهو ميت " ولأن الحياة عندنا عبارة عن كونه متعرض للفساد والتعفن، وهذا المعنى يعم الشعر واللحم. وأما الإهاب فللفقهاء فيه مذاهب سبعة. فأوسع الناس قولاً الزهري. جوز استعمال الجلود بأسرها قبل الدباغ، ثم داود قال : تطهر كلها بالدباغ لقوله ﷺ " أيما إهاب دبغ فقد طهر " ولأن الدباغ يعيد الجلد إلى ما كان عليه حال الحياة من عدم التعفن والفساد. ثم مالك يطهر ظاهر كلها دون باطنها. ثم أبو حنيفة يطهر كلها إلا جلد الخنزير لدسومته والآدمي لكرامته. ثم الشافعي يطهر الكل إلا جلد الكلب والخنزير. ثم الأوزاعي وأبو ثور يطهر جلد ما يؤكل لحمه فقط. ثم أحمد بن حنبل والشيعة لا يطهر شيء منها بالدباغ لإطلاق الآية ولقول عبد الله بن حكيم : أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل وفاته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب. واختلف في أنه هل يجوز الانتفاع بالميتة بإطعام البازي والبهيمة ؟ فمنهم من منع منه حتى قال بعضهم : إذا أقدم البازي من عند نفسه على أكل الميتة وجب علينا منعه. وجوز الشافعي استعمال نجس العين كجلد الكلب والخنزير للضرورة كمفاجأة قتال مع فقدان غيره، وكدفع الحر والبرد المهلكين، ولأجل تجليل الكلب وإن لم يكن ضرورة، وكذا استعمال جلد الميتة قبل الدباغ لتجليل الدابة والكلب، وكذا استعمال النجس العين كودك الميتة والخنزير والزبل للاستصباح وتسميد الأرض لعموم الحاجة القريبة من الضرورة، وقد نقله الأثبات عن أصحاب رسول الله ﷺ. وسئل عليه السلام عن الفأرة تقع في السمن فقال :" استصبحوا به ولا تأكلوه ". والدخان وإن كان نجساً لكنه قليل معفو عنه. وعند أبي حنيفة : إذا مات في الماء القليل ما ليس له نفس سائلة أي دم كالذباب والبعوض والخنفساء والعقرب وبنات وردان لم يفسد الماء قل أو كثر لأن رطوبة هذه الحيوانات تشبه رطوبة النبات فهي حية وميتة على هيئة واحدة. وعند الشافعي فيه قولان : وعامة الأصحاب عدّوا دود الطعام من جملة ما ليس له نفس سائلة وقالوا : لا ينجس الطعام الذي تولد منه بموته فيه بلا خلاف. وإن وقع في ماء أو في مائع آخر فقولان. ثم الذباب والبعوض ونحوهما وإن حكم بطهارة ميتتهما فهي محرمة لأنها مستقذرة مندرجة تحت عموم اسم الميتة. وفي جواز أكل دود الطعام والفواكه والماء وجهان، والأظهر تحرمها عند الانفراد، ومع هذه الأشياء يمكن أن يسامح به. وسأل عبد الله بن المبارك أبا حنيفة عن طائر وقع في قدر مطبوخ فمات فقال أبو حنيفة لأصحابه : ما ترون فيها ؟ فذكروا له عن ابن عباس أن اللحم يؤكل بعد ما يغسل فيهراق المرق. فقال أبو حنيفة : بهذا نقول على شريطة إن كان وقع فيها في حال سكونها : فكما في هذه الرواية، وإن وقع فيها في حال غليانها لم يؤكل اللحم ولا المرق. قال ابن المبارك : ولم ذلك ؟ قال : لأنه إذا سقط فيها في حال غليانها فمات فقد داخلت الميتة اللحم، وإذا وقع فيها في حال سكونها فمات فقد وسخت الميتة اللحم. فاستحسنه ابن المبارك. وعند أبي حنيفة : ذبح ما لا يؤكل لحمه يستعقب الطهارة. وعند الشافعي لا يستعقبها كما لا يستعقب حل الأكل، وكما لو ذبح المجوسي مأكول اللحم. ولبن الشاة الميتة وأنفحتها طاهران عند أبي حنيفة دون الشافعي ومالك، لا لأن الآية لا تتناولهما فإن اللبن لا يوصف بأنه ميتة، بل لتنجسهما بمجاورة الميتة. وبيض مأكول اللحم إذا مات ووجد ذلك في جوفه فإن كان متصلباً فطاهر بعد أن يغسل وإلاّ فلا. أما الدم فعند الشافعي جميعه محرم سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح لإطلاق الآية إلا الكبد والطحال للخبر عند من يقول بتناول الآية إياهما، وعند من يقول بذلك لا تخصيص. وقال أبو حنيفة : دم السمك ليس بمحرم، وأما لحم الخنزير فأجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم، وتخصيص اللحم بالذكر لأن معظم الانتفاع متعلق به. أما شعر الخنزير فغير داخل في الظاهر وإن أجمعوا على تحريمه وتنجيسه. واختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع به للخرز ؟ فأبو حنيفة ومحمد يجوز، والشافعي لا يجوز. واحتج أبو حنيفة بأنا نرى المسلمين يقرون الأساكفة على استعماله من غير نكير، ولأن الحاجة ماسة إليه. وأما ما أهل به لغير الله فمعناه رفع به الصوت للصنم وذلك قول أهل الجاهلية باسم اللات والعزى. وأهل المعتمر إذا رفع صوته بالتلبية. قال العلماء : لو أن مسلماً ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتداً، وذبيحته ذبيحة مرتد. وقدم به في هذه السورة وأخر في المائدة والأنعام والنحل لأن تقدم الباء هو الأصل لأنه يجري في إفادة التعدية مجرى الهمزة والتضعيف، فكان الموضع الأول هو اللائق بهذا الأصل، وفي سائر المواضع قدم ما هو المستنكر وهو الذبح لغير الله، ولهذا لم يذكر في سائر الآية قوله ﴿فلا إثم عليه﴾ اكتفاء بما ذكر في الموضع الأول. ويستثنى مما أهل به لغير الله ذبائح أهل الكتاب إذا سمي عليها باسم المسيح مثلاً لإطلاق قوله تعالى ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥] ولأن النصراني إذا سمي الله تعالى فإنما يريد به المسيح وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه : إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير الله فوجب أن يحرم. وإذا ذبحوا على اسم الله فظاهر اللفظ يقتضي الحل ولا عبرة بما لو أراد به المسيح. وعن علي كرم الله وجهه : إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فلا تأكلوا، وإذا لم تسمعوهم فكلوا فإن الله تعالى قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون.
واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أن يكون سوى هذه الأشياء محرماً، لكنا نعلم أن في الشرع أشياء أخر سواها من المحرمات، فكلمة إنما متروكة العمل بظاهرها والله أعلم ﴿فمن اضطر﴾ افتعل من الضر وهو الضيق أي ألجئ. استثنى من التحريم حالة الضرورة ولها سببان : أحدهما الجوع الشديد وأن لا يجد مأكولاً حلالاً يسد به الرمق فعند ذلك يكون مضطراً إلى أكل المحرم. الثاني : إذا أكرهه على تناوله مكره فيحل له تناول ما أكره عليه. والاضطرار ليس من أفعال المكلف حتى يقال إنه لا إثم عليه فيه، فلابد من إضمار وهو الأكل. أي فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه، وإنما حذف للعلم به. " وغير " ههنا بمعنى " لا " النافية كأنه قيل : فمن اضطر باغياً ولا عادياً. والبغي في اللغة الظلم والخروج عن الإنصاف. بغي الجرح ورم وترامي إلى فساد. وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء فهو بغي. والعدوان الظلم الصراح وتجاوز الحد. وللأئمة في الآية قولان : أحدهما وإليه ذهب أبو حنيفة تخصيص البغي والعدوان بالأكل، وعلى هذا فالمعنى غير باغ بأن يجد حلالاً تكرهه النفس، فعد إلى أكل الحرام للذته ﴿ولا عاد﴾ أي متجاوز قدر الرخصة، أو غير باغ أي طالب للذة ولا عاد متجاوز سداً لجوعه، عن الحسن وقتادة والربيع ومجاهد وابن زيد : أو غير باغ على مضطر آخر بالاستئثار عليه، ولا عاد في سد الجوعة. والثاني وإليه ذهب الشافعي والإمامية : غير باغٍ على إمام المسلمين، ولا عادٍ بالمعصية طريق المحقين. ويتفرع على الاختلاف أن العاصي بسفره هل يترخص أم لا ؟ فعند أبي حنيفة يترخص لأنه مضطر وغير باغٍ ولا عادٍ في الأكل. وعند الشافعي لا يترخص لأنه موصوف بالعدوان ويؤيده الآية الأخرى ﴿فمن اضطر في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثم﴾ [المائدة: ٣] وأيضاً غير باغٍ ولا عادٍ حالان من الاضطرار، فلابد أن يكون وصف الاضطرار باقياً في الحالين وليس كذلك، لأنه حال الأكل لا يبقى وصف الاضطرار. وأيضاً الإنسان نفور بطبعه عن تناول الميتة والدم فلا حاجة إلى نهيه عن التعدي في الأكل. وأيضاً إنه نفي ماهية البغي والعدوان، وإنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها ويتحقق حينئذٍ نفي العدوان في السفر كما هو مقصودنا. وأما تخصيص البغي بالأكل كما ذهبتم إليه فترجيح من غير دليل. حجة أبي حنيفة قوله تعالى في آية أخرى ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ [الأنعام: ١١٩] وهذا الشخص مضطر فوجب أن يترخص. وأيضاً قال تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩] ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] والا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى