مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم﴾
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمرنا في الآية السالفة بتناول الحلال فصل في هذه الآية أنواع الحرام، والكلام فيها على نوعين النوع الأول : ما يتعلق بالتفسير والنوع الثاني : ما يتعلق بالأحكام التي استنبطها العلماء من هذه الآية «فالنوع الأول » فيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن كلمة ﴿إنما﴾ على وجهين أحدهما : أن تكون حرفا واحدا، كقولك : إنما داري دارك، وإنما مالي مالك الثاني : أن تكون ( ما ) منفصلة من : إن، وتكون ( ما ) بمعنى الذي، كقولك : إن ما أخذت مالك، وإن ما ركبت دابتك، وجاء في التنزيل على الوجهين، أما على الأول فقوله :﴿إنما الله إله واحد وإنما أنت نذير﴾ وأما على الثاني فقوله :﴿إنما صنعوا كيد ساحر﴾ ولو نصبت كيد ساحر على أن تجعل ﴿إنما﴾ حرفا واحدا كان صوابا، وقوله :﴿إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم﴾ تنصب المودة وترفع على هذين الوجهين، واختلفوا في حكمها على الوجه الأول، فمنهم من قال ﴿إنما﴾ تفيد الحصر واحتجوا عليه بالقرآن والشعر والقياس، أما القرآن فقوله تعالى :﴿إنما الله إله واحد﴾ أي ما هو إلا إله واحد، وقال :﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ أي لهم لا لغيرهم وقال تعالى لمحمد :﴿قل إنما أنا بشر مثلكم﴾ أي ما أنا إلا بشر مثلكم، وكذا هذه الآية فإنه تعالى قال في آية أخرى ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾ وصارت الآيتان واحدة فقوله :﴿إنما حرم عليكم﴾ في هذه الآية مفسر لقوله :﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما﴾ إلا كذا في تلك الآية، وأما الشعر فقوله الأعشى :
ولست بالأكثر منهم حصىوإنما العزة للكاثر
وقول الفرزدق :
أنا الذائد الحامي الذمار وإنمايدافع عن أحسابه أنا أو مثلي
وأما القياس، فهو أن كلمة ﴿إن﴾ للإثبات وكلمة ﴿ما﴾ للنفي فإذا اجتمعا فلا بد وأن يبقيا على أصليهما ؛ فإما أن يفيدا ثبوت غير المذكور، ونفي المذكور وهو باطل بالاتفاق، أو ثبوت المذكور، ونفي غير المذكور وهو المطلوب، واحتج من قال : إنه لا يفيد الحصر بقوله تعالى :﴿إنما أنت نذير﴾ ولقد كان غيره نذيرا، وجوابه معناه : ما أنت إلا نذير فهو يفيد الحصر، ولا ينفي وجود نذير آخر.
المسألة الثانية : قرئ ﴿حرم﴾ على البناء للفاعل و ﴿حرم﴾ للبناء للمفعول و ﴿حرم﴾ بوزن كرم.
المسألة الثالثة : قال الواحدي : الميتة ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح، وأما الدم فكانت العرب تجعل الدم في المباعر وتشويها ثم تأكلها، فحرم الله الدم وقوله :﴿لحم الخنزير﴾ أراد الخنزير بجميع أجزائه، لكنه خص اللحم لأنه المقصود بالأكل وقوله :﴿وما أهل به لغير الله﴾ قال الأصمعي : الإهلال أصله رفع الصوت فكل رافع صوته فهو مهل، وقال ابن أحمر :
يهل بالفدفد ركبانهاكما يهل الراكب المعتمر
هذا معنى الإهلال في اللغة، ثم قيل للمحرم مهل لرفعه الصوت بالتلبية عند الإحرام، هذا معنى الإهلال، يقال : أهل فلان بحجة أو عمرة أي أحرم بها، وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام، والذابح مهل، لأن العرب كانوا يسمون الأوثان عند الذبح، ويرفعون أصواتهم بذكرها ومنه : استهل الصبي، فمعنى قوله :﴿وما أهل به لغير الله﴾ يعني ما ذبح للأصنام، وهو قول مجاهد، والضحاك وقتادة، وقال الربيع بن أنس وابن زيد : يعني ما ذكر عليه غير اسم الله، وهذا القول أولى، لأنه أشد مطابقة للفظ، قال العلماء : لو أن مسلما ذبح ذبيحة، وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله، صار مرتدا وذبيحة ذبيحة مرتد، وهذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب، أما ذبائح أهل الكتاب، فتحل لنا لقوله تعالى :﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾.
أما قوله تعالى :﴿فمن اضطر﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر والكسائي :﴿فمن اضطر﴾ بضم النون والباقون بالكسر، فالضم للاتباع، والكسر على أصل الحركة لإلتقاء الساكنين.
المسألة الثانية : اضطر : أحوج وألجئ، وهو افتعل من الضرورة، وأصله من الضرر، وهو الضيق.
المسألة الثالثة : لما حرم الله تعالى تلك الأشياء، استثنى عنها حال الضرورة، وهذه الضرورة لها سببان أحدهما : الجوع الشديد، وأن لا يجد مأكولا حلالا يسد به الرمق، فعند ذلك يكون مضطرا الثاني : إذا أكرهه على تناوله مكره، فيحل له تناوله.
المسألة الرابعة : أن الاضطرار ليس من أفعال المكلف، حتى يقال إنه ﴿لا إثم عليه إن الله غفور رحيم﴾ فإذن لا بد ههنا من إضمار وهو الأكل والتقدير : فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه والحذف ههنا كالحذف في قوله :﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ أي فأفطر فحذف فأفطر وقوله :﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة﴾ ومعناه فحلق ففدية، وإنما جاز الحذف لعلم المخاطبين بالحذف، ولدلالة الخطاب عليه.
أما قوله تعالى :﴿غير باغ﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الفراء ﴿غير﴾ ههنا لا تصلح أن تكون بمعنى الاستثناء، لأن غير ههنا بمعنى النفي، ولذلك عطف عليها لا لأنها في معنى : لا، وهي ههنا حال للمضطر، كأنك قلت : فمن اضطر باغيا، ولا عاديا فهو له حلال.
المسألة الثانية : أصل البغي في اللغة الفساد، وتجاوز الحد قال الليث : البغي في عدو الفرس اختيال ومروح، وأنه يبغي في عدوه ولا يقال : فرس باغ، والبغي الظلم والخروج عن الإنصاف ومنه قوله تعالى :
﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾ وقال الأصمعي : بغي الجرح يبغي بغيا، إذا بدأ بالفساد، وبغت السماء، إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحد، وبغى الجرح والبحر والسحاب إذا طغى.
أما قوله تعالى :﴿ولا عاد﴾ فالعدو هو التعدي في الأمور، وتجاوز ما ينبغي أن يقتصر عليه، يقال عدا عليه عدوا، وعدوانا، واعتداء وتعديا، إذا ظلمه ظلما مجاوزا للحد، وعدا طوره : جاوز قدره.
المسألة الثالثة : لأهل التأويل في قوله :﴿غير باغ ولا عاد﴾ قولان أحدهما : أن يكون قوله ﴿غير باغ ولا عاد﴾ مختصا بالأكل والثاني : أن يكون عاما في الأكل وغيره، أما على القول الأول ففيه وجوه الأول :﴿غير باغ﴾ وذلك بأن يجد حلالا تكرهه النفس، فعدل إلى أكل الحرام اللذيذ ﴿ولا عاد﴾ أي متجاوز قدر الرخصة الثاني : غير باغ للذة أي طالب لها، ولا عاد متجاوز سد الجوعة، عن الحسن، وقتادة، والربيع، ومجاهد، وابن زيد الثالث : غير باغ على مضطر آخر بالاستيلاء عليه، ولا عاد في سد الجوعة.
القول الثاني : أن يكون المعنى غير باغ على إمام المسلمين في السفر من البغي، ولا عاد بالمعصية أي مجاوز طريقة المحقين، والكلام في ترجيح أحد هذين التأويلين على الآخر سيجيء إن شاء الله تعالى.
أما قوله :﴿فلا إثم عليه﴾ ففيه سؤالان أحدهما : أن الأكل في تلك الحالة واجب وقوله :﴿لا إثم عليه﴾ يفيد الإباحة الثاني : أن المضطر كالملجأ إلى الفعل والملجأ لا يوصف بأنه لا إثم عليه، قلنا : قد بينا في تفسير قوله :﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ أن نفي الإثم قدر مشترك بين الواجب والمندوب والمباح، وأيضا فقوله تعالى :﴿فلا إثم عليه﴾ معناه رفع الحرج والضيق، واعلم أن هذا الجائع إن حصلت فيه شهوة الميتة، ولم يحصل فيه النفرة الشديدة فإنه يصير ملجأ إلى تناول ما يسد به الرمق كما يصير ملجأ إلى الهرب من السبع إذا أمكنه ذلك، أما إذا حصلت النفرة الشديدة فإنه بسبب تلك النفرة يخرج عن أن يكون ملجأ ولزمه تناول الميتة على ما هو عليه من النفار، وههنا يتحقق معنى الوجوب.
أما قوله تعالى : في آخر الآية :﴿إن الله غفور رحيم﴾ ففيه إشكال وهو أنه لما قال :﴿فلا إثم عليه﴾ فكيف يليق أن يقول بعده :﴿إن الله غفور رحيم﴾ فإن الغفران إنما يكون عند حصول الإثم.
والجواب : من وجوه أحدها : أن المقتضى للحرمة قائم في الميتة والدم، إلا أنه زالت الحرمة لقيام المعارض، فلما كان تناوله تناولا لما حصل فيه المقتضى للحرمة عبر عنه بالمغفرة، ثم ذكر بعده أنه رحيم، يعني لأجل الرحمة عليكم أبحت لكم ذلك وثانيها : لعل المضطر يزيد على تناول الحاجة، فهو سبحانه غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة، رحيم حيث أباح في تناول قدر الحاجة وثالثها : أنه تعالى لما بين هذه الأحكام عقبها بكونه غفورا رحيما لأنه غفور للعصاة إذا تابوا، رحيم بالمطيعين المستمرين على نهج حكمه سبحانه وتعالى.
النوع الثاني : من الكلام في هذه الآية المسائل الفقهية التي استنبطها العلماء منها وهي مرتبة على فصول :
الفصل الأول
فيما يتعلق بالميتة
والكلام فيه مرتب على مقدمة ومقاصد :
أما المقدمة : ففيها ثلاث مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن التحريم المضاف إلى الأعيان، هل يقتضي الإجمال ؟ فقال الكرخي : إنه يقتضي الإجمال، لأن الأعيان لا يمكن وصفها بالحل والحرمة، فلا بد من صرفهما إلى فعل من أفعالنا فيها، وليست جميع أفعالنا فيها محرمة لأن تبعيدها عن النفس وعما يجاوز المكان فعل من الأفعال فيها، وهو غير محرم، فإذن لا بد من صرف هذا التحريم إلى فعل خاص، وليس بعض الأفعال أولى من بعض فوجب صيرورة الآية مجملة، وأما أكثر العلماء فإنهم أصروا على أنه ليس من المجملات بل هذه اللفظة تفيد في العرف حرمة التصرف في هذه الأجسام كما أن الذوات لا تملك وإنما يملك التصرفات فيها، فإذا قيل فلان يملك جارية فهم كل أحد أنه يملك التصرف فيها فكذا هنا، وقد استقصينا الكلام فيه من كتاب المحصول في علم الأصول.
المسألة الثانية : لما ثبت الأصل الذي قدمناه وجب أن تدل الآية على حرمة جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل المخصص، فإن قيل : لم لا يجوز تخصيص هذا التحريم بالأكل، والذي يدل عليه وجوه أحدها : أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم أكلها وثانيها : أنه ورد عقيب قوله :﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ وثالثها : ما روي عن الرسول عليه السلام في خبر شاة ميمونة، إنما حرم من الميتة أكلها.
والجواب عن الأول : لا نسلم أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم أكلها وعن الثاني : أن هذه الآية مستقلة بنفسها فلا يجب قصرها على ما تقدم، بل يجب إجراؤها على ظاهرها وعن الثالث : أن ظاهر القرآن مقدم على خبر الواحد، لكن هذا إنما يستقيم إذا لم يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد، ويمكن أن يجاب عنه بأن المسلمين إنما رجعوا في معرفة وجوه الحرمة إلى هذه الآية، فدل إنعقاد إجماعهم على أنها غير مخصوصة ببيان حرمة الأكل، وللسائل أن يمنع هذا الإجماع.
المسألة الثالثة : الميتة من حيث اللغة هو الذي خرج من أن يكون حيا من دون نقض بنيه ولذلك فرقوا بين المقتول والميت، وأما من جهة الشرع فهو غير المذكي إما لأنه لم يذبح أو أنه ذبح ولكن لم يكن ذبحه ذكاة وسنذكر حد الذكاة في موضعه، فإن قيل : كيف يصح ذلك وقد قال تعالى في سورة المائدة :
﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ ثم ذكر من بعده المنخنقة والموقوذة والمتردية فدل هذا على أن غير المذكى منه ما هو ميتة ومنه ما ليس كذلك، قلنا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى