فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي

عن الكتاب
﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: كلوا رزقكم.
﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ على نعمه.
﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
ثم بين المحرَّماتِ فقال:
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾.
[١٧٣] ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ وهي ما لم تُدْرَكْ ذكاتُها مما (١) يُذْبَحُ. قرأ أبو جعفرٍ: ﴿الْمَيْتَةَ﴾ بالتشديد في كلِّ القرآن (٢).
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ أي: واستثنى الشارعُ من الميتةِ السمكَ والجرادَ، ومن الدَّمِ الكبدَ والطِّحالَ، فأحلَّهما.
﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ أي: جميعَ أجزائِه، فعبَّرَ عن ذلكَ باللحم؛ لأنه معظَمُهُ.
﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أي: ذُكِر عليه اسمُ غيرِ الله، وهو ما ذُبِحَ للأصنامِ والطواغيتِ، وأصلُ الإهلالِ: رفعُ الصوتِ، وكانوا عندَ ذبحِهم لآلهتِهم يرفعون أصواتَهم بِذِكْرها.
(١) في "ن": "بما".
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (٣/ ٣١٨)، و"تفسير البغوي" (١/ ١٣٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ١٣٦).
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي: أُلْجِئ وأُحْوِجَ إلى أكلِ الميتة، وحَدُّ الاضطرارِ أن يخافَ على نفسِه، أو على بعضِ أعضائِه التلفَ، فليأكُلْ. قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَمَنُ اضْطُرَّ) بضمِّ النون، وأبو جعفر: بكسر الطاء (١).
﴿غَيْرَ﴾ نصبٌ [على] (٢) الحال.
﴿بَاغٍ﴾ أي: خارجٍ على السلطان، وأصلُ البغيِ: الفسادُ.
﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي: عاصٍ بسفره، روي عن يعقوبَ الوقفُ بالياء على (بَاغِي) وَ (عَادِي) (٣)، وأصلُ العدوانِ: الظلمُ، فلا يجوزُ للعاصي بسفرِهِ أكلُ الميتةِ للضرورة، ولا الترخُّصُ برُخَصِ المسافرينَ عند الشافعيِّ، ومالكٍ، وأحمدَ، خلافًا لأبي حنيفة، واختلفوا في مقدارِ ما يحلُّ للمضطرِّ أكلُه من الميتة، فقال مالكٌ: يأكل حتى يشبعَ، وقالَ الثلاثةُ: يأكلُ مقدارَ ما يُمسِكُ رمقَهُ، وجوابُ (فَمَن):
﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: لا حَرَجَ عليه في أكلِها.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لمن أكلَ في حالِ الاضطرار.
(١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٢٠)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٧٤)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ٩٢)، و"الكشف" لمكي (١/ ٢٧٤)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٤٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ١٣٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٨)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٥٣)، "معجم القراءات القرآنية" (١/ ١٣٦).
(٢) "على" لم ترد في جميع النسخ، والسياق يقتضيها.
(٣) انظر: "تفسير القرطبي" (٢/ ٢٣١).
أنا قد أجمعنا على الكرة عليهم، فأخبروهم فقالوا:
﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فنزل:
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) أي: أجابوهما.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ أي: نالهم الجرحُ. وتقدم اختلافُ القرَّاء في فتح القاف وضمِّها.
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ بطاعتِهم للهِ ورسوله.
﴿مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا﴾ المعاصيَ.
﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ و (من) في ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ﴾ للتبيين، مثلها في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الفتح: ٢٩]؛ لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلُّهم واتقوا، لا بعضُهم.
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾.
[١٧٣] ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ نُعيمٌ الأشجعيُّ، أو الرَّكْبُ:
﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ أبا سفيانَ وأصحابَه.
﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ليستأصلوكم.
﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ﴾ القولُ ﴿إِيمَانًا﴾ يقينًا وقوةً؛ بأن أخلصوا النيةَ، وعزموا على الجهاد.
﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ كافِينا.
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٤/ ١٧٩)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٧٣).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى