البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾، أولئك : اسم إشارة إلى الكاتمين الذين سبق ذكرهم، وذكر ما أوعدوا به، وتقدم تفسير :﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ مستوعباً في أول السورة، فأغنى عن إعادته.
﴿والعذاب بالمغفرة﴾ : لما قدم حالهم في الدنيا، بأنهم اعتاضوا من الهدى الضلالة، ذكر نتيجة ذلك في الآخرة، وهو أنهم اعتاضوا من المغفرة التي هي نتيجة الهدى.
وسبب النعم الأطول السرمدي، العذاب الأطول السرمدي، الذي هو نتيجة الضلالة، لأنهم لما كانوا عالمين بالحق، وكتموه لغرض خسيس دنياوي.
فإن كان ذلك اشتراء للعذاب بالمغفرة.
وفي لفظ اشتروا إشعار بإيثارهم الضلالة والعذاب، لأن الإنسان لا يشتري إلا ما كان له فيه رغبة ومودة.
واختيار وذلك يدل على نهاية الخسارة، وعدم النظر في العواقب.
﴿فما أصبرهم على النار﴾ : اختلف في ما، فالأظهر أنها تعجبية، وهو قول الجمهور من المفسرين.
وقد جاء :﴿قتل الإنسان ما أكفره﴾ ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ وأجمع النحويون على أن ما التعجبية في موضع رفع بالابتداء واختلفوا، أهي نكرة تامة والفعل بعدها في موضع الخبر ؟ أو استفهامية صحبها معنى التعجب والفعل بعدها في موضع الخبر ؟ أو موصولة والفعل بعدها صلة والخبر محذوف ؟ أو موصوفة والفعل بعدها صفة والخبر محذوف ؟ أقوال أربعة ذكرت في النحو.
الأول قول سيبويه والجمهور، والثاني قول الفراء وابن درستويه، والثالث والرابع للأخفش.
وكذلك اختلفوا في أفعل بعد ما التعجبية، أهو فعل ؟ وهو مذهب البصريين، أم اسم ؟ وهو مذهب الكوفيين.
وينبني عليه الخلاف في المنصوب بعده، أهو مفعول به أو مشبه بالمفعول به ؟ وإذا قلنا : إن الكلام هو تعجب، فالتعجب هو استعظام الشيء وخفاء حصول السبب، وهذا مستحيل في حق الله تعالى، فهو راجع لمن يصح ذلك منه، أي هم ممن يقول فيهم من رآهم : ما أصبرهم على النار ! واختلف قائلو التعجب، أهو صبر يحصل لهم حقيقة إذا كانوا في النار ؟ فذهب إلى ذلك الأصم وقال : إذا قيل لهم :﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ سكتوا وانقطع كلامهم، وصبروا على النار ليأسهم من الخلاص.
وضعف قول الأصم، بأن ظاهر التعجب، أنه من صبرهم في الحال، لا أنهم سيصبرون، وبأن أهل النار قد يقع منهم الجزع.
وقيل : الصبر مجاز عن البقاء في النار، أي ما أبقاهم في النار.
أم هو صبر يوصفون به في الدنيا ؟ وهو قول الجمهور.
واختلف، أهو حقيقة أم مجاز ؟ والقائلون بأنه حقيقة، قالوا : معناه ما أصبرهم على عمل يؤدّيهم إلى النار، لأنهم كانوا علماء بأن من عاند النبي ﷺ صار إلى النار، قاله المؤرج.
وقيل : التقدير ما أصبرهم على عمل أهل النار، كما تقول : ما أشبه سخاءك بحاتم، أي بسخاء حاتم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وهو قول الكسائي وقطرب، وهو قريب من قول المؤرج.
وقيل : اصبر هنا بمعنى أجرأ، وهي لغة يمانية، فيكون لفظ اصبر إذ ذاك مشتركاً بين معناها المتبادر إلى الذهن من حبس النفس على الشيء المكروه، ومعنى الجراءة، أي ما أجرأهم على العمل الذي يقرب إلى النار، قاله الحسن وقتادة والربيع وابن جبير.
قال الفراء : أخبرني الكسائي قال : أخبرني قاضي اليمن أن خصمين اختصما إليه، فوجبت اليمين على أحدهما، فحلف له خصمه، فقال له : ما أصبرك على الله ! أي ما أجرأك على الله ! والقائلون بأنه مجاز.
فقيل : هو مجاز أريد به العمل، أي ما أعملهم بأعمال أهل النار ! قاله مجاهد.
وقيل : هو مجاز أريد به قلة الجزع، أي ما أقل جزعهم من النار ! وقيل : هو مجاز أريد به الرضا، وتقريره أن الراضي بالشيء يكون راضياً بمعلوله ولازمه، إذا علم ذلك اللزوم.
فلما أقدموا على ما يوجب النار، وهم عالمون بذلك، صاروا كالراضين بعذاب الله والصابرين عليه، وهو كما يقول لمن تعرض لغضب السلطان : ما أصبرك على القيد والسجن ! وقال الزمخشري : فما أصبرهم على النار ! تعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم.
انتهى كلامه، وانتهى القول في أن الكلام تعجب.
وذهب معمر بن المثنى والمبرد إلى أن ما استفهامية لا تعجبية، وهو استفهام على معنى التوبيخ بهم، أي : أيّ شيء صبرهم على النار حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل ؟ وهو قول ابن عباس والسدي.
يقال : صبره وأصبره بمعنى : أي جعله يصبر، لا أن أصبر هنا بمعنى : حبس واضطر، فيكون أفعل بمعنى : فعل، خلافاً للمبرد، إذ زعم أن أصبر بمعنى : صبر، ولا نعرف ذلك في اللغة، وإنما تكون الهمزة للنقل، أي يجعل ذا صبر.
وذهب قوم إلى أن ما نافية، والمعنى : أن الله ما أصبرهم على النار، أي ما يجعلهم يصبرون على العذاب، فتلخص في معنى قوله :﴿فما أصبرهم على النار﴾ التعجب والاستفهام والنفي، وتلخص في التعجب، أهو حقيقة أم مجاز ؟ وكلاهما : أذلك في الدنيا أو في الآخرة ؟.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة نداء الناس ثانياً، وأمرهم بالأكل من الحلال الطيب، ونهيهم عن اتباع الشيطان، وذكر خطواته، كأنهم يقتفون آثاره، ويطؤون عقبه.
فكلما خطا خطوة، وضعوا أقدامهم عليها، وذلك مبالغة في اتباعه.
ثم بين أنه إنما نهاهم عن اتباعه، لأنه هو العدوّ المظهر لعداوته.
ثم لم يكتف بذكر العداوة حتى ذكر أنه يأمرهم بالمعاصي.
ولما كان لهم متبوعاً وهم تابعوه، ناسب ذكر الأمر، إذ هم ممتثلون ما زين لهم ووسوس.
ثم ذكر ما به أمرهم، وهو أمره إياهم بالافتراء على الله، والإخبار عن الله بما لا يعلمونه عن الله، ثم ذكر شدة إعراضهم عما أنزل الله، واقتفاء اتباع آبائهم، حتى أنهم لو كان آباؤهم مسلوبي العقل والهداية، لكانوا متبعيهم، مبالغة في التقليد البحت والإعراض عن كتاب الله، وجرياً لخلفهم على سلف سننهم، من غير نظر ولا استدلال.
ثم ذكر أن مثل الكفار وداعيهم إلى ما أنزل الله، مثل الناعق بما لا يسمع إلا مجرد ألفاظ.
ثم ذكر ما هم عليه من الصمم والبكم والعمي، التي هي مانعة من وصول العلوم إلى الإنسان، فلذلك ختم بقوله ﴿فهم لا يعقلون﴾، لأن طرق العقل والعلم منسدة عليهم.
ثم نادى المؤمنين نداء خاصاً، وأمرهم بالأكل من الطيب وبالشكر لله.
ثم ذكر أشياء مما حرم، وأباح الأكل منها حال الاضطرار، وشرط في تناول ذلك أن لا يكون المضطر باغياً ولا عادياً.
ولما أحل أكل الطيبات وحرم ما حرم هنا، ذكر أحوال من كتم ما أنزل الله واشترى به النزر اليسير، لتعتبر هذه الأمة بحال من كتم العلم وباعه بأخس ثمن، إذ أخبر تعالى أنه لا يأكل في بطنه إلا النار، أي ما يوجب أكله النار.
وأن الله لا يكلمهم يوم القيامة ولا يزكيهم حين يكلم المؤمنين تكليم رحمة وإحسان.
وذكر أنهم مع انتفاء التعليم الذي هو أعلى الرتب للمرؤوس من الرئيس، حيث أهله لمناجاته ومحادثته، وانتفاء الثناء عليهم لهم العذاب المؤلم.
ثم بالغ في ذمهم بأن هؤلاء هم الذين آثروا الضلال على الهدى، والعذاب على النعيم.
ثم ذكر أنهم بصدد أن يتعجب من جلدهم على النار، وأن ما حصل لهم من العذاب هو بسبب ما أنزل الله من الكتاب فخالفوه.
ثم ذكر أن الذين اختلفوا فيما أنزل الله هم في معاداة لا تنقطع.
﴿والعذاب بالمغفرة﴾ : لما قدم حالهم في الدنيا، بأنهم اعتاضوا من الهدى الضلالة، ذكر نتيجة ذلك في الآخرة، وهو أنهم اعتاضوا من المغفرة التي هي نتيجة الهدى.
وسبب النعم الأطول السرمدي، العذاب الأطول السرمدي، الذي هو نتيجة الضلالة، لأنهم لما كانوا عالمين بالحق، وكتموه لغرض خسيس دنياوي.
فإن كان ذلك اشتراء للعذاب بالمغفرة.
وفي لفظ اشتروا إشعار بإيثارهم الضلالة والعذاب، لأن الإنسان لا يشتري إلا ما كان له فيه رغبة ومودة.
واختيار وذلك يدل على نهاية الخسارة، وعدم النظر في العواقب.
﴿فما أصبرهم على النار﴾ : اختلف في ما، فالأظهر أنها تعجبية، وهو قول الجمهور من المفسرين.
وقد جاء :﴿قتل الإنسان ما أكفره﴾ ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ وأجمع النحويون على أن ما التعجبية في موضع رفع بالابتداء واختلفوا، أهي نكرة تامة والفعل بعدها في موضع الخبر ؟ أو استفهامية صحبها معنى التعجب والفعل بعدها في موضع الخبر ؟ أو موصولة والفعل بعدها صلة والخبر محذوف ؟ أو موصوفة والفعل بعدها صفة والخبر محذوف ؟ أقوال أربعة ذكرت في النحو.
الأول قول سيبويه والجمهور، والثاني قول الفراء وابن درستويه، والثالث والرابع للأخفش.
وكذلك اختلفوا في أفعل بعد ما التعجبية، أهو فعل ؟ وهو مذهب البصريين، أم اسم ؟ وهو مذهب الكوفيين.
وينبني عليه الخلاف في المنصوب بعده، أهو مفعول به أو مشبه بالمفعول به ؟ وإذا قلنا : إن الكلام هو تعجب، فالتعجب هو استعظام الشيء وخفاء حصول السبب، وهذا مستحيل في حق الله تعالى، فهو راجع لمن يصح ذلك منه، أي هم ممن يقول فيهم من رآهم : ما أصبرهم على النار ! واختلف قائلو التعجب، أهو صبر يحصل لهم حقيقة إذا كانوا في النار ؟ فذهب إلى ذلك الأصم وقال : إذا قيل لهم :﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ سكتوا وانقطع كلامهم، وصبروا على النار ليأسهم من الخلاص.
وضعف قول الأصم، بأن ظاهر التعجب، أنه من صبرهم في الحال، لا أنهم سيصبرون، وبأن أهل النار قد يقع منهم الجزع.
وقيل : الصبر مجاز عن البقاء في النار، أي ما أبقاهم في النار.
أم هو صبر يوصفون به في الدنيا ؟ وهو قول الجمهور.
واختلف، أهو حقيقة أم مجاز ؟ والقائلون بأنه حقيقة، قالوا : معناه ما أصبرهم على عمل يؤدّيهم إلى النار، لأنهم كانوا علماء بأن من عاند النبي ﷺ صار إلى النار، قاله المؤرج.
وقيل : التقدير ما أصبرهم على عمل أهل النار، كما تقول : ما أشبه سخاءك بحاتم، أي بسخاء حاتم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وهو قول الكسائي وقطرب، وهو قريب من قول المؤرج.
وقيل : اصبر هنا بمعنى أجرأ، وهي لغة يمانية، فيكون لفظ اصبر إذ ذاك مشتركاً بين معناها المتبادر إلى الذهن من حبس النفس على الشيء المكروه، ومعنى الجراءة، أي ما أجرأهم على العمل الذي يقرب إلى النار، قاله الحسن وقتادة والربيع وابن جبير.
قال الفراء : أخبرني الكسائي قال : أخبرني قاضي اليمن أن خصمين اختصما إليه، فوجبت اليمين على أحدهما، فحلف له خصمه، فقال له : ما أصبرك على الله ! أي ما أجرأك على الله ! والقائلون بأنه مجاز.
فقيل : هو مجاز أريد به العمل، أي ما أعملهم بأعمال أهل النار ! قاله مجاهد.
وقيل : هو مجاز أريد به قلة الجزع، أي ما أقل جزعهم من النار ! وقيل : هو مجاز أريد به الرضا، وتقريره أن الراضي بالشيء يكون راضياً بمعلوله ولازمه، إذا علم ذلك اللزوم.
فلما أقدموا على ما يوجب النار، وهم عالمون بذلك، صاروا كالراضين بعذاب الله والصابرين عليه، وهو كما يقول لمن تعرض لغضب السلطان : ما أصبرك على القيد والسجن ! وقال الزمخشري : فما أصبرهم على النار ! تعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم.
انتهى كلامه، وانتهى القول في أن الكلام تعجب.
وذهب معمر بن المثنى والمبرد إلى أن ما استفهامية لا تعجبية، وهو استفهام على معنى التوبيخ بهم، أي : أيّ شيء صبرهم على النار حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل ؟ وهو قول ابن عباس والسدي.
يقال : صبره وأصبره بمعنى : أي جعله يصبر، لا أن أصبر هنا بمعنى : حبس واضطر، فيكون أفعل بمعنى : فعل، خلافاً للمبرد، إذ زعم أن أصبر بمعنى : صبر، ولا نعرف ذلك في اللغة، وإنما تكون الهمزة للنقل، أي يجعل ذا صبر.
وذهب قوم إلى أن ما نافية، والمعنى : أن الله ما أصبرهم على النار، أي ما يجعلهم يصبرون على العذاب، فتلخص في معنى قوله :﴿فما أصبرهم على النار﴾ التعجب والاستفهام والنفي، وتلخص في التعجب، أهو حقيقة أم مجاز ؟ وكلاهما : أذلك في الدنيا أو في الآخرة ؟.
فكلما خطا خطوة، وضعوا أقدامهم عليها، وذلك مبالغة في اتباعه.
ثم بين أنه إنما نهاهم عن اتباعه، لأنه هو العدوّ المظهر لعداوته.
ثم لم يكتف بذكر العداوة حتى ذكر أنه يأمرهم بالمعاصي.
ولما كان لهم متبوعاً وهم تابعوه، ناسب ذكر الأمر، إذ هم ممتثلون ما زين لهم ووسوس.
ثم ذكر ما به أمرهم، وهو أمره إياهم بالافتراء على الله، والإخبار عن الله بما لا يعلمونه عن الله، ثم ذكر شدة إعراضهم عما أنزل الله، واقتفاء اتباع آبائهم، حتى أنهم لو كان آباؤهم مسلوبي العقل والهداية، لكانوا متبعيهم، مبالغة في التقليد البحت والإعراض عن كتاب الله، وجرياً لخلفهم على سلف سننهم، من غير نظر ولا استدلال.
ثم ذكر أن مثل الكفار وداعيهم إلى ما أنزل الله، مثل الناعق بما لا يسمع إلا مجرد ألفاظ.
ثم ذكر ما هم عليه من الصمم والبكم والعمي، التي هي مانعة من وصول العلوم إلى الإنسان، فلذلك ختم بقوله ﴿فهم لا يعقلون﴾، لأن طرق العقل والعلم منسدة عليهم.
ثم نادى المؤمنين نداء خاصاً، وأمرهم بالأكل من الطيب وبالشكر لله.
ثم ذكر أشياء مما حرم، وأباح الأكل منها حال الاضطرار، وشرط في تناول ذلك أن لا يكون المضطر باغياً ولا عادياً.
ولما أحل أكل الطيبات وحرم ما حرم هنا، ذكر أحوال من كتم ما أنزل الله واشترى به النزر اليسير، لتعتبر هذه الأمة بحال من كتم العلم وباعه بأخس ثمن، إذ أخبر تعالى أنه لا يأكل في بطنه إلا النار، أي ما يوجب أكله النار.
وأن الله لا يكلمهم يوم القيامة ولا يزكيهم حين يكلم المؤمنين تكليم رحمة وإحسان.
وذكر أنهم مع انتفاء التعليم الذي هو أعلى الرتب للمرؤوس من الرئيس، حيث أهله لمناجاته ومحادثته، وانتفاء الثناء عليهم لهم العذاب المؤلم.
ثم بالغ في ذمهم بأن هؤلاء هم الذين آثروا الضلال على الهدى، والعذاب على النعيم.
ثم ذكر أنهم بصدد أن يتعجب من جلدهم على النار، وأن ما حصل لهم من العذاب هو بسبب ما أنزل الله من الكتاب فخالفوه.
ثم ذكر أن الذين اختلفوا فيما أنزل الله هم في معاداة لا تنقطع.