فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
وقوله :﴿اشتروا الضلالة بالهدى﴾ قد تقدّم تحقيق معناه. وقوله :﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار﴾ ذهب الجمهور ومنهم الحسن ومجاهد إلى أن معناه التعجب، والمراد : تعجيب المخلوقين من حال هؤلاء الذين باشروا الأسباب الموجبة لعذاب النار، فكأنهم بهذه المباشرة للأسباب صبروا على العقوبة في نار جهنم. وحكى الزجاج أن المعنى : ما أبقاهم على النار، من قولهم : ما أصبر فلاناً على الحبس، أي : ما أبقاه فيه، وقيل المعنى : ما أقلّ جزعهم من النار، فجعل قلة الجزع صبراً. وقال الكسائي وقُطْرُب : أي ما أدومهم على عمل أهل النار. وقيل :«ما » استفهامية، ومعناه التوبيخ : أي أيّ شيء أصبرهم على عمل النار. قاله ابن عباس، والسدي، وعطاء، وأبو عبيدة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، عن عكرمة في قوله :﴿إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله﴾ قال : نزلت في يهود. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال : كتموا اسم محمد ﷺ، وأخذوا عليه طمعاً قليلاً. وأخرج ابن جرير، أيضاً عن أبي العالية نحوه. وأخرج الثعلبي، عن ابن عباس بسندين ضعيفين أنها نزلت في اليهود.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله :﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ قال : اختاروا الضلالة على الهدى، والعذاب على المغفرة ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار﴾ قال : ما أجرأهم على عمل النار، وأخرج سعيد بن منصور، وعبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله :﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار﴾ قال : ما أعملهم بأعمال أهل النار. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر [ عن الحسن ] في قوله :﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار﴾ قال : والله ما لهم عليها من صبر، ولكن يقول : ما أجرأهم على النار. وأخرج ابن جرير، عن قتادة ونحوه. وأخرج ابن جرير أيضاً عن السدي في الآية قال : هذا على وجه الاستفهام، يقول : ما الذي أصبرهم على النار ؟ وقوله :﴿وَإِنَّ الذين اختلفوا فِى الكتاب﴾ قال : هم اليهود والنصارى ﴿لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ قال : في عداوة بعيدة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى