البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿فمن بدله بعدما سمعه﴾ : الظاهر أن الضمير يعود على الوصية بمعنى الإيصاء، أي : فمن بدّل الإيصاء عن وجهه إن كان موافقاً للشرع من الأوصياء والشهود بعدما سمعه سماع تحقق وتثبت، وعوده على الإيصاء أولى من عوده على الوصية، لأن تأنيث الوصية غير حقيقي، لأن ذلك لا يراعى في الضمائر المتأخرة عن المؤنث المجازي، بل يستوي المؤنث الحقيقي والمجازي في ذلك تقول : هند خرجت.
والشمس طلعت، ولا يجوز طلع إلاَّ في الشعر، والتذكير على مراعاة المعنى وارد في لسانهم، ومنه.
كخرعوبة البانة المنفطر***
ذهب إلى المعنى : القضيب، كأنه قال : كقضيب البانة، ومنه في العكس : جاءته كتابي، فاحتقرها على معنى الصحيفة.
والضمير في ﴿سمعه﴾ عائد على الإيصاء كما شرحناه، وقيل : يعود على أمر الله تعالى في هذه الآية.
وقيل : الهاء، في :﴿فمن بدله﴾ عائدة إلى الفرض، والحكم، والتقدير : فمن بدل الأمر المقدم ذكره، ومَنْ : الظاهر أنها شرطية، والجواب :﴿فإنما إثمه﴾ وتكون : مَنْ، عامة في كل مبدل : مَنْ رضي بغير الوصية في كتابة، أو قسمة حقوق، أو شاهد بغير شهادة، أو يكتمها، أو غيرهما ممن يمنع حصول المال ووصوله إلى مستحقه، وقيل : المراد بِمَنْ : متولي الإيصاء دون الموصي والموصى له، فإنه هو الذي بيده العدل والجنف والتبديل والإمضاء، وقيل : المراد : بِمَنْ : هو الموصي، نهي عن تغيير وصيته عن المواضع التي نهى الله عن الوصية إليها، لأنهم كانوا يصرفونها إلى الأجانب، فأمروا بصرفها إلى الأقربين.
ويتعين على هذا القول أن يكون الضمير في قوله :﴿فمن بدّله﴾ وفي قوله :﴿بعدما سمعه﴾ عائداً على أمر الله تعالى في الآية، وفي قوله :﴿بعدما سمعه﴾ دليل على أن الإثم لا يترتب إلاَّ بشرط أن يكون المبدل قد علم بذلك، وكنى بالسماع عن العلم لأنه طريق حصوله.
﴿فإنما إثمه﴾ : الضمير عائد على الإيصاء المبدل، أو على المصدر المفهوم من بدله، أي : فإنما إثم التبديل على المبدل، وفي هذا دليل على أن من اقترف ذنباً، فإنما وباله عليه خاصةً، فإن قصر الوصي في شيء مما أوصى به الميت، لم يلحق الميت من ذلك شيء، وراعى المعنى في قوله :﴿على الذين يبدلونه﴾ إذ لو جرى على نسق اللفظ الأول لكان : فإنما إثمه، أو فإنما إثمه عليه على الذي يبدله، وأتى في جملة الجواب بالظاهر مكان المضمر ليشعر بعلية : الإثم الحاصل، وهو التبديل، وأتى بصلة : الذين، مستقبلة جرياً على الأصل، إذ هو مستقبل.
﴿إن الله سميع عليم﴾ في هاتين الصفتين تهديد ووعيد للمبدلين، فلا يخفى عليه تعالى شيء، فهو يجازيهم على تبديلهم شر الجزاء، وقيل : سميع لقول الموصي، عليم بفعل الموصي، وقيل : سميع لوصاياه، عليم بنياته.
والظاهر القول الأول لمجيئه في أثر ذكر التبديل وما يترتب عليه من الإثم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة، أن البر ليس هو تولية الوجوه قِبَلَ المشرق والمغرب، بل البر هو الإتيان بما كلفه الإنسان من تكاليف الشرع، اعتقاداً وفعلاً وقولاً.
فمن الاعتقاد : الإيمان بالله، وملائكته الذين هم وسائط بينه وبين أنبيائه، وكتبه التي نزلت على أيدي الملائكة، وأنبيائه المتقين.
تلك الكتب من ملائكته.
ثم ذكر ما جاءت به الأنبياء عن الله في تلك الكتب، من : إيتاء المال، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيفاء بالعهد، والصبر في الشدائد.
ثم أخبر أن من استوفى ذلك فهو الصابر المتقي، ولما كان تعالى قد ذكر قبل ما حلل وما حرم، ثم أتبع ذلك بمن أخذ مالاً من غير حله، وعده بالنار، وأشار بذلك إلى جميع المحرمات من الأموال، ثم ذكر من اتصف بالبر التام وأثنى عليهم بالصفات الحميدة التي انطووا عليها، أخذ تعالى يذكر ما حرم من الدماء، ويستدعي صونها، وكان تقديم ذكر المأكول لعمومِ البلوى بالأكل، فشرع القصاص، ولم يخرج من وقع منه القتل واقتص منه عن الإيمان، ألا تراه قد ناداه باسم الإيمان وفصل شيئاً من المكافأة فقال ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾
، ثم أخبر ذلك أنه إذا وقع عفو من الولي على دية فليتبع الولي بالمعروف، وليؤدي الجاني بالإحسان ليزرع بذلك الود بين القاتل والولي، ويزيل الإحن، لأن مشروعية العفو تستدعيعلى التآلف والتحاب وصفاء البواطن.
ثم ذكر أن ذلك تخفيف منه تعالى، إذ فيه صون نفس القاتل بشيء من عرض الدنيا، ثم توعد من اعتدى بعد ذلك، ثم أخبر أن في مشروعية القصاص حياة، إذ من علم أنه مقتول بمن قتل، وكان عاقلاً، منعه ذلك من الإقدام على القتل، إذ في ذلك إتلاف نفس المقتول وإتلاف نفس قاتله، فيصير بمعرفته بالقصاص متحرزاً من أن يقتل فيقتل، فيحيي بذلك من أراد قتله وهو، فكان ذلك سبباً لحياتيهما.
ثم ذكر تعالى مشروعية الوصية لمن حضره الموت، وذكر أن الوصية للوالدين والأقربين، وتوعد من بدل الوصية بعد ما علمها، ثم ذكر أنه لا إثم على من أصلح بين الموصى إليهم إذا كان جنفاً أو إثماً من الموصي، وأن ذلك لا يعد من التبديل الذي يترتب عليه الإثم، فجاءت هذه الآيات حاوية لما يطلب من المكلف من بدء حاله وهو : الإيمان بالله، وختم حاله وهو : الوصية عند مفارقة هذا الوجود، وما تخلل بينهما مما يعرض من مبارِّ الطاعات، وهَنَاتِ المعاصي، من غير استيعاب لأفراد ذلك، بل تنبيهاً على أفضل الأعمال بعد الإيمان، وهو : إقامة الصلاة وما بعدها وعلى أكبر الكبائر بعد الشرك، وهو : قتل النفس، فتعالى مَنْ كلامه فصل، وحكمه عدل.
والشمس طلعت، ولا يجوز طلع إلاَّ في الشعر، والتذكير على مراعاة المعنى وارد في لسانهم، ومنه.
كخرعوبة البانة المنفطر***
ذهب إلى المعنى : القضيب، كأنه قال : كقضيب البانة، ومنه في العكس : جاءته كتابي، فاحتقرها على معنى الصحيفة.
والضمير في ﴿سمعه﴾ عائد على الإيصاء كما شرحناه، وقيل : يعود على أمر الله تعالى في هذه الآية.
وقيل : الهاء، في :﴿فمن بدله﴾ عائدة إلى الفرض، والحكم، والتقدير : فمن بدل الأمر المقدم ذكره، ومَنْ : الظاهر أنها شرطية، والجواب :﴿فإنما إثمه﴾ وتكون : مَنْ، عامة في كل مبدل : مَنْ رضي بغير الوصية في كتابة، أو قسمة حقوق، أو شاهد بغير شهادة، أو يكتمها، أو غيرهما ممن يمنع حصول المال ووصوله إلى مستحقه، وقيل : المراد بِمَنْ : متولي الإيصاء دون الموصي والموصى له، فإنه هو الذي بيده العدل والجنف والتبديل والإمضاء، وقيل : المراد : بِمَنْ : هو الموصي، نهي عن تغيير وصيته عن المواضع التي نهى الله عن الوصية إليها، لأنهم كانوا يصرفونها إلى الأجانب، فأمروا بصرفها إلى الأقربين.
ويتعين على هذا القول أن يكون الضمير في قوله :﴿فمن بدّله﴾ وفي قوله :﴿بعدما سمعه﴾ عائداً على أمر الله تعالى في الآية، وفي قوله :﴿بعدما سمعه﴾ دليل على أن الإثم لا يترتب إلاَّ بشرط أن يكون المبدل قد علم بذلك، وكنى بالسماع عن العلم لأنه طريق حصوله.
﴿فإنما إثمه﴾ : الضمير عائد على الإيصاء المبدل، أو على المصدر المفهوم من بدله، أي : فإنما إثم التبديل على المبدل، وفي هذا دليل على أن من اقترف ذنباً، فإنما وباله عليه خاصةً، فإن قصر الوصي في شيء مما أوصى به الميت، لم يلحق الميت من ذلك شيء، وراعى المعنى في قوله :﴿على الذين يبدلونه﴾ إذ لو جرى على نسق اللفظ الأول لكان : فإنما إثمه، أو فإنما إثمه عليه على الذي يبدله، وأتى في جملة الجواب بالظاهر مكان المضمر ليشعر بعلية : الإثم الحاصل، وهو التبديل، وأتى بصلة : الذين، مستقبلة جرياً على الأصل، إذ هو مستقبل.
﴿إن الله سميع عليم﴾ في هاتين الصفتين تهديد ووعيد للمبدلين، فلا يخفى عليه تعالى شيء، فهو يجازيهم على تبديلهم شر الجزاء، وقيل : سميع لقول الموصي، عليم بفعل الموصي، وقيل : سميع لوصاياه، عليم بنياته.
والظاهر القول الأول لمجيئه في أثر ذكر التبديل وما يترتب عليه من الإثم.
فمن الاعتقاد : الإيمان بالله، وملائكته الذين هم وسائط بينه وبين أنبيائه، وكتبه التي نزلت على أيدي الملائكة، وأنبيائه المتقين.
تلك الكتب من ملائكته.
ثم ذكر ما جاءت به الأنبياء عن الله في تلك الكتب، من : إيتاء المال، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيفاء بالعهد، والصبر في الشدائد.
ثم أخبر أن من استوفى ذلك فهو الصابر المتقي، ولما كان تعالى قد ذكر قبل ما حلل وما حرم، ثم أتبع ذلك بمن أخذ مالاً من غير حله، وعده بالنار، وأشار بذلك إلى جميع المحرمات من الأموال، ثم ذكر من اتصف بالبر التام وأثنى عليهم بالصفات الحميدة التي انطووا عليها، أخذ تعالى يذكر ما حرم من الدماء، ويستدعي صونها، وكان تقديم ذكر المأكول لعمومِ البلوى بالأكل، فشرع القصاص، ولم يخرج من وقع منه القتل واقتص منه عن الإيمان، ألا تراه قد ناداه باسم الإيمان وفصل شيئاً من المكافأة فقال ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾
، ثم أخبر ذلك أنه إذا وقع عفو من الولي على دية فليتبع الولي بالمعروف، وليؤدي الجاني بالإحسان ليزرع بذلك الود بين القاتل والولي، ويزيل الإحن، لأن مشروعية العفو تستدعيعلى التآلف والتحاب وصفاء البواطن.
ثم ذكر أن ذلك تخفيف منه تعالى، إذ فيه صون نفس القاتل بشيء من عرض الدنيا، ثم توعد من اعتدى بعد ذلك، ثم أخبر أن في مشروعية القصاص حياة، إذ من علم أنه مقتول بمن قتل، وكان عاقلاً، منعه ذلك من الإقدام على القتل، إذ في ذلك إتلاف نفس المقتول وإتلاف نفس قاتله، فيصير بمعرفته بالقصاص متحرزاً من أن يقتل فيقتل، فيحيي بذلك من أراد قتله وهو، فكان ذلك سبباً لحياتيهما.
ثم ذكر تعالى مشروعية الوصية لمن حضره الموت، وذكر أن الوصية للوالدين والأقربين، وتوعد من بدل الوصية بعد ما علمها، ثم ذكر أنه لا إثم على من أصلح بين الموصى إليهم إذا كان جنفاً أو إثماً من الموصي، وأن ذلك لا يعد من التبديل الذي يترتب عليه الإثم، فجاءت هذه الآيات حاوية لما يطلب من المكلف من بدء حاله وهو : الإيمان بالله، وختم حاله وهو : الوصية عند مفارقة هذا الوجود، وما تخلل بينهما مما يعرض من مبارِّ الطاعات، وهَنَاتِ المعاصي، من غير استيعاب لأفراد ذلك، بل تنبيهاً على أفضل الأعمال بعد الإيمان، وهو : إقامة الصلاة وما بعدها وعلى أكبر الكبائر بعد الشرك، وهو : قتل النفس، فتعالى مَنْ كلامه فصل، وحكمه عدل.