غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿خاف﴾ بالإمالة حيث كان : حمزة. ﴿موصٍ﴾ بالتشديد : يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وجبلة، الباقون : بالتخفيف من الإيصاء.
الوقوف :﴿خيراً﴾ ج لأن قوله ﴿الوصية﴾ مفعول ﴿كتب﴾ وإنما لم يؤنث الفعل لتقدمه، ولاعتراض ظرف وشرط بينهما، أو " الوصية " مبتدأ " وللوالدين " خبره، ومفعول " كتب " محذوف أي كتب عليكم أن توصوا. ثم بين لمن الوصية، والوصل أولى لئلا يحتاج إلى الحذف. ﴿بالمعروف﴾ ح لأن التقدير حق ذلك حقاً أو كتب الوصية حقاً. ﴿المتقين﴾ ط وإن كان بعدها فاء التعقيب لأنه حكم آخر ﴿يبدلونه﴾ ط عليم كذلك ﴿عليه﴾ ط ﴿رحيم﴾ ( ه ).
﴿فمن بدّله﴾ فمن غير الإيصاء أو ما قاله الميت وأوصى به عن وجهه إن كان موافقاً للشرع ﴿بعد ما سمعه﴾ وتحققه فلا معنى للسماع لو لم يقع العلم به، والمبدل إما الوصي بأن يغير الوصية في الكتابة، أو في قسمة الحقوق، وإما الشاهد بأن يغير شهادته أو يكتمها غيرهما بأن يمنع من وصول ذلك المال إلى مستحقه، وقيل : المنهي عن التغيير هو الموصي، نهي عن تغيير الوصية عن الموضع الذي بيّن الله تعالى الوصية فيه. فإنهم كانوا يوصون في الجاهلية للأبعدين طلباً للفخر والشرف، ويتركون الأقارب في الضر والفقر، فأمرهم بالوصية للأقربين وأوعدهم على تركها.
فإنما إثمه } ما إثم الإيصاء المغير أو إثم التبديل إلا على الذين يبدلونه، فإن أحداً لا يؤاخذ بذنب غيره. ومنه يعلم أن الطفل لا يعذب بكفر أبيه، وأن الإنسان إذا أمر الوارث بقضاء دينه فإن الميت لا يعذب بتقصير ذلك الوارث، وأن الميت لا يعذب بنياحة غيره عليه ﴿إن الله سميعٌ عليم﴾ يسمع الوصية على حدها ويعلمها على صفتها فلا تخفى عليه خافية من التغيير الواقع فيها، وفي ذلك وعيد للمبدّل وأيّ وعيد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : كتب على الأغنياء الوصية بالمال وعلى الأولياء الوصية بالحال، والأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلث والأولياء يخرجون في مبادئ أحوالهم عن الكل. والمعنى إذا حضر قلب أحدكم مع الله وأمات نفسه عن الصفات الحيوانية، فعليه أن يوصي للوالدين. وهما الروح العلوي والبدن السفلي، فإن النفس تولدت من ازدواجهما، وللأقربين - وهم القلب - والسر بترك كل مشرب يظهر لهم من المشارب الروحانية والجسمانية بالمعروف من غير إسراف يفضي إلى الإتلاف معرضاً عن الشهوات مجتنباً عن الرسوم والعادات كما قال ﷺ :" بعثت لرفع العادات وترك الشهوات بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ومن مكارم الأخلاق أن يجعل المشارب مشرباً واحداً والمذاهب مذهباً واحداً.
وكـل لـه سـؤل ودين ومذهبووصلكم سـؤلي وديني هواكم
وأنتم من الدنيا مرادي وهمتيمناي مناكم واختياري رضاكم
﴿حقاً على المتقين﴾ من الشرك الخفي ولهذا لم يقل على المسلمين أو المؤمنين لأنهم أهل الظواهر والمتقون هم أهل البواطن كما قال ﷺ " التقوى ههنا " وأشار إلى صدره. وأحكام الظواهر يحتمل النسخ وأحكام البواطن وهي الحكم والحقائق لا تحتمل النسخ. فحكم الوصية في حق المتقين غير منسوخ أبداً ﴿فمن بدله﴾ فمن غير من الروح والقلب والسر والوصية الصادرة من نفسه الميتة ﴿فإنما إثمه﴾ عليهم. وسبب هذا التوكيد أن السر والقلب والروح كلهم من العالم الروحاني، وصفاتهم حميدة باقية فترك مشاربها والخروج عنها صعب جداً ﴿فمن خاف﴾ تفرس ﴿من موصٍ جنفاً﴾ في ترك المشارب بأن يبالغ في المجاهدات لنيل المشاهدات ﴿أو إثماً﴾ تجاوزاً عن حد الشرع في رفع الطبع ﴿فأصلح﴾ بينهم بين الروح والبدن والقلب والسر ولكن بنظر شيخ كامل ومرب عارف، فلا حرج على المصلح والله الموفق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى