جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرّفَثُ إِلَىَ نِسَآئِكُمْ هُنّ لِبَاسٌ لّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لّهُنّ عَلِمَ اللّهُ أَنّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فالآن بَاشِرُوهُنّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتّىَ يَتَبَيّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمّ أَتِمّواْ الصّيَامَ إِلَى الّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتّقُونَ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله : أُحِلّ لَكُمْ أطلق لكم وأبيح. ويعني بقوله : لَيْلَةَ الصّيَامِ في ليلة الصيام. فأما الرفث فأنه كناية عن الجماع في هذا الموضع، يقال : هو الرفث والرفّوث. وقد رُوي أنها في قراءة عبد الله :«أحل لكم ليلة الصيام الرفوث إلى نسائكم ». وبمثل الذي قلنا في تأويل الرفث قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال : حدثنا أيوب بن سويد، عن سفيان، عن عاصم، عن بكر عن عبد الله المزني، عن ابن عباس قال : الرفث : الجماع، ولكن الله كريم يكني
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عاصم، عن بكر، عن ابن عباس، مثله.
حدثني محمد بن سعد، قال : حدثني أبي، قال : حدثني عمي، قال : حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : الرفث : النكاح.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قال : الرفث : غشيان
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيامِ الرّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾قال : الجماع.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال : الرفث : هو النكاح.
حدثني المثنى، قال : قال : حدثنا إسحاق، قال حدثنا عبد الكبير البصري، قال : حدثنا الضحاك بن عثمان، قال : سألت سالم بن عبد الله عن قوله :﴿أُحِلّ لَكُمْ لَيُلَةَ الصّيامِ الرّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾قال : هو الجماع.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيامِ الرّفَثُ إلى نِسَائِكُمْ﴾يقول : الجماع. والرفث في غير هذا الموضع الإفحاش في المنطق كما قال العجاج :
عَن اللّغا وَرَفَثِ التّكَلّم

القول في تأويل قوله تعالى :﴿هُنّ لِباسٌ لَكُمْ وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنّ.﴾


يعني تعالى ذكره بذلك : نساؤكم لباس لكم، وأنتم لباس لهنّ.
فإن قال قائل : وكيف يكون نساؤنا لباسا لنا ونحن لهن لباسا واللباس إنما هو ما لبس ؟ قيل : لذلك وجهان من المعاني : أحدهما أن يكون كل واحد منهما جُعل لصاحبه لباسا، لتخرجهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد وانضمام جسد كل واحد منهما لصاحبه بمنزلة ما يلبسه على جسده من ثيابه، فقيل لكل واحد منهما هو لباس لصاحبه، كما قال نابغة بني جعدة :
إذَا ما الضّجِيعُ ثَنَى عِطْفَها تَدَاعَتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسا
ويروي «تثنت » فكنى عن اجتماعهما متجرّدين في فراش واحد باللباس كما يكنى بالثياب عن جسد الإنسان، كما قالت ليلى وهي تصف إبلاً ركبها قوم :
رَمَوها بأثْوَابٍ خِفافٍ فَلا تَرَى لَهَا شَبَها إلاّ النّعامَ المُنَفّرَا
يعني رموها بأنفسهم فركبوها. وكما قال الهذلي :
تَبَرّأُ مِنْ دَمِ القَتِيلِ وَوَتْرِهِ وقَدْ عَلِقَتْ دَمَ القَتِيلِ إزَارُها
يعني بإزارها نفسها. وبذلك كان الربيع يقول :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرحمن بن سعيد، قال : حدثنا أبو جعفر، عن الربيع :﴿هُنّ لِباسٌ لَكُمْ وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنّ﴾ يقول : هنّ لحاف لكم، وأنتم لحاف لهن.
والوجه الآخر أن يكون جعل كل واحد منهما لصاحبه لباسا لأنه سَكَنٌ له، كما قال جل ثناؤه :﴿جَعَلَ لَكُمُ اللّيْلَ لِباسا﴾يعني بذلك سكنا تسكنون فيه. وكذلك زوجة الرجل سكنه يسكن إليها، كما قال تعالى ذكره : وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْهَا فيكون كل واحد منهما لباس لصاحبه، بمعنى سكونه إليه، وبذلك كان مجاهد وغيره يقولون في ذلك.
وقد يقال لما ستر الشيء وواراه عن أبصار الناظرين إليه هو لباسه وغشاؤه، فجائز أن يكون قيل : هن لباس لكم، وأنتم لباس لهنّ، بمعنى أن كل واحد منكم ستر لصاحبه فيما يكون بينكم من الجماع عن أبصار سائر الناس.
وكان مجاهد وغيره يقولون في ذلك بما :
حدثنا به المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿هُنّ لِباسٌ لَكُمْ وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنّ﴾ يقول : سكن لهن.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿هُنّ لِباسٌ لَكُمْ وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنّ﴾قال قتادة : هنّ سكن لكم، وأنتم سكن لهنّ.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿هُنّ لِباسٌ لَكُمْ﴾يقول : سكن لكم، وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنّ يقول : سكن لهن.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال عبد الرحمن بن زيد في قوله :﴿هُنّ لِباسٌ لَكُمْ وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنّ﴾ قال : المواقعة.
حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا إبراهيم، عن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قوله :﴿هُنّ لِباسٌ لَكُمْ وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنّ﴾ قال : هنّ سكن لكم، وأنتم سكن لهن.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿عَلِمَ اللّهُ أنّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فالاَنَ باشِرُوهُنّ وابُتَغُوا ما كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ.﴾
إن قال لنا قائل : وما هذه الخيانة التي كان القوم يختانونها أنفسهم التي تاب الله منها عليهم فعفا عنهم ؟ قيل : كانت خيانتهم أنفسهم التي ذكرها الله في شيئين : أحدهما جماع النساء، والآخر : المطعم والمشرب في الوقت الذي كان حراما ذلك عليهم. كما :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال : حدثنا ابن أبي ليلى : أن الرجل كان إذا أفطر فنام لم يأتها، وإذا نام لم يطعم، حتى جاء عمر بن الخطاب يريد امرأته فقالت امرأته : قد كنت نمت فظن أنها تعتل فوقع بها قال : وجاء رجل من الأنصار فأراد أن يطعم فقالوا : نسخن لك شيئا ؟ قال : ثم نزلت هذه الآية :﴿أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيامِ الرّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ الآية.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : حدثنا حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : كانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، فلما دخل رمضان كانوا يصومون، فإذا لم يأكل الرجل عند فطره حتى ينام لم يأكل إلى مثلها، وإن نام أو نامت امرأته لم يكن له أن يأتيها إلى مثلها. فجاء شيخ من الأنصار يقال له صرمة بن مالك، فقال لأهله : أطعموني فقالت : حتى أجعل لك شيئا سخنا، قال : فغلبته عينه فنام. ثم جاء عمر فقالت له امرأته : إني قد نمت فلم يعذرها وظن أنها تعتلّ فواقعها. فبات هذا وهذا يتقلبان ليلتهما ظهرا وبطنا، فأنزل الله في ذلك :﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حتّى يَتَبَيّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنِ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْر﴾ وقال :﴿فَالاَنَ باشِرُوهُنّ﴾ فعفا الله عن ذلك. وكانت سنة.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يونس بن بكير، قال : حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال : كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا تركوا الطعام والشراب وإتيان النساء، فكان رجل من الأنصار يدعى أبا صرمة يعمل في أرض له، قال : فلما كان عند فطره نام، فأصبح صائما قد جهد، فلما رآه النبي ﷺ قال :«ما لي أَرَى بِكَ جَهْدا » ؟، فأخبر بما كان من أمره. واختان رجل نفسه في شأن النساء، فأنزل الله أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيامِ الرّفَثُ إلى نِسائِكُمْ. . . إلى آخر الآية.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثني أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء نحو حديث ابن أبي ليلى الذي حدث به عمرو بن مرة، عن الرحمن بن أبي ليلى قال : كانوا إذا صاموا ونام أحدهم لم يأكل شيئا حتى يكون من الغد، فجاء رجل من الأنصار، وقد عمل في أرض له وقد أعيا وكلّ، فغلبته عينه ونام، وأصبح من الغد مجهودا، فنزلت هذه الآية : وكُلُوا وَاشْرَبُوا حتّى يَتَبَيّنَ لَكُمْ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن رجاء البصري، قال : حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال : كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائما فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما، وكان توجه ذلك اليوم فعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال : هل عندكم طعام ؟ قالت : لا، ولكن أنطلق فأطلب لك. فغلبته عينه فنام، وجاءت امرأته قالت : قد نمت فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه، فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فنزلت فيه هذه الآية :﴿أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيامِ الرّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾إلى : مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ ففرحوا بها فرحا شديدا.
حدثني المثنى قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قول الله تعالى ذكره :﴿أُحِلّ لكُمْ لَيْلَةَ الصّيامِ الرّفَثُ إلى نِسائكُم﴾وذلك أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن ناسا من المسلمين أصابوا الطعام والنساء في رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله :﴿عَلِمَ اللّهُ أنّكُمْ كُنْتُمْ تخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فالاَنَ باشِرُوهُنّ يعني انكحوهن وكُلُوا وَاشْرَبُوا حّتى يَتَبَيّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ.﴾
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، قال : حدثني موسى بن جبير مولى بني سلمة أنه سمع عبد الله بن كعب بن مالك يحدّث عن أبيه قال : كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد. فرجع عمر بن الخطاب من عند النبيّ ﷺ ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت فأرادها، فقالت : إني قد نمت فق

تفسير هذه الآية من كتب أخرى