تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
)فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) ( البقرة : ٢٠٠ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ أي أنهيتم مناسككم ؛ وذلك بالتحلل من النسك.
قوله تعالى :﴿فاذكروا الله﴾ أمر تعالى بذكره بعد فراغ النسك ؛ لأن الإنسان إذا فرغ من العبادة قد يغفل عن ذكر الله.
وقوله تعالى :﴿مناسككم﴾ جمع منسك ؛ وهو فيما يظهر اسم مصدر - يعني مصدراً ميمياً - ؛ أي قضيتم نسككم ؛ و «النسك » بمعنى العبادة ؛ وهو كل ما يتعبد به الإنسان لله ؛ ولكن كثر استعماله في الحج ؛ وفي الذبح ؛ ومنه قوله تعالى :﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾ [الأنعام: ١٦٢].
قوله تعالى :﴿كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً﴾ ؛ «ذكر » هنا مصدر مضاف لفاعله ؛ و «آباء » مفعول به ؛ أي كما تذكرون آباءكم، أو أشد ذكراً ؛ و ﴿أشد﴾ يشمل الشدة في الهيئة، وحضور القلب، والإخلاص ؛ والشدةَ في الكثرة أيضاً ؛ فيذكر الله ذكراً كثيراً، ويذكره ذكراً قوياً مع حضور القلب.
وقوله تعالى :﴿كذكركم آباءكم﴾ ؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يذكرون أمجاد آبائهم إذا انتهوا من المناسك ؛ وكل يفخر بنسبه، وحسبه ؛ فأمر الله تعالى أن نذكره سبحانه وتعالى كذكرهم آباءهم، أو أشد ذكراً.
وقوله تعالى :﴿أو أشد ذكراً﴾ : قال كثير من النحويين : إن ﴿أو﴾ بمعنى : بل ؛ أي بل أشد ؛ وهو هنا متوجِّه ؛ ويشبهها من بعض الوجوه قوله تعالى :﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ [الصافات: ١٤٧] ؛ وقد ذكر ابن القيم في قوله تعالى :﴿أو يزيدون﴾ أن ﴿أو﴾ هنا ليست بمعنى «بل » ؛ ولكنها لتحقيق ما سبق - يعني : إن لم يزيدوا فلن ينقصوا - ؛ وبناءً على هذا نقول مثله في هذه الآية : أي كذكركم آباءكم - إن لم يزد فلا ينقص - ؛ إلا أنّه هنا إذا جعلناها بمعنى «بل » تكون أبلغ ؛ لأن ذكر الله يجب أن يكون أشد من ذكر الآباء.
قوله تعالى :﴿فمن الناس﴾ ؛ «من» للتبعيض ؛ والمعنى : بعض الناس ؛ بدليل أنها قوبلت بقوله تعالى :﴿ومنهم﴾ ؛ فيكون المعنى : بعضهم كذا ؛ وبعضهم كذا ؛ وهذا من باب التقسيم ؛ يعني : ينقسم الناس في أداء العبادة لا سيما الحج إلى قسمين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الفوائد :
١ ــــ من فوائد الآيتين : أن الإنسان ينبغي له إذا قضى من العبادة أن لا يغفل بعدها عن ذكر الله ؛ لقوله تعالى :﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله﴾ ؛ وهذا كقوله تعالى :﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون﴾ [الجمعة: ١٠].
٢ ــــ ومنها : تقديم ذكر الله تعالى على ذكر الوالدين ؛ لقوله تعالى :﴿أو أشد ذكراً﴾.
٣ ــــ ومنها : أن الأجداد داخلون في مسمّى الآباء ؛ لأن العرب كانوا يفتخرون بأمجاد آبائهم، وأجدادهم، وقبائلهم.
٤ ــــ ومنها : بيان انقسام الناس فيما يطلبون من الله، وأن منهم ذوي الغايات الحميدة، والهمم العالية الذين يقولون :﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ ؛ ومنهم ذوو الغايات الذميمة، والهمم النازلة الذين يقولون :﴿ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق﴾.
٥ ــــ ومن فوائد الآيتين : أن الإنسان لا يذم إذا طلب حسنة الدنيا مع حسنة الآخرة ؛ لقوله تعالى :﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة﴾.
٦ ــــ ومنها : أن الإنسان محتاج إلى حسنات الدنيا، والآخرة.
٧ ــــ ومنها : إثبات الآخرة.
٨ ــــ ومنها : إثبات النار، وعذابها.
٩ ــــ ومنها : إثبات علم الله، وسمعه، وقدرته ؛ إذ لا يدعى إلا من اتصف بذلك.


قوله تعالى :﴿فمن الناس﴾ ؛ «من» للتبعيض ؛ والمعنى : بعض الناس ؛ بدليل أنها قوبلت بقوله تعالى :﴿ومنهم﴾ ؛ فيكون المعنى : بعضهم كذا ؛ وبعضهم كذا ؛ وهذا من باب التقسيم ؛ يعني : ينقسم الناس في أداء العبادة لا سيما الحج إلى قسمين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى