جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :﴿وِمِنْهُمْ مّن يَقُولُ رَبّنَآ آتِنَا فِي الدّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النّارِ﴾
اختلف أهل التأويل في معنى الحسنة التي ذكر الله في هذا الموضع، فقال بعضهم : يعني بذلك : ومن الناس من يقول : ربنا أعطنا عافية في الدنيا وعافية في الاَخرة : ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : رَبّنا آتِنا فِي الدّنْيا حَسَنَةً وفِي الاَخِرَةِ حَسَنَةً قال : في الدنيا عافية، وفي الاَخرة عافية.
قال قتادة : وقال رجل : اللهمّ ما كنت معاقبي به في الاَخرة فعجله لي في الدنيا فمرض مرضا حتى أضنى على فراشه، فذكر للنبيّ ﷺ شأنه، فأتاه النبيّ ﷺ، فقيل له : إنه دعا بكذا وكذا، فقال النبيّ ﷺ :«إنّهُ لا طاقَةَ لأِحَدٍ بِعُقُوبَةِ اللّهِ، وَلَكِنْ قُلْ : رَبّنا آتِنا فِي الدّنيْا حَسَنَةً وفي الاَخِرِةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذَابَ النّار » فقالها، فما لبث إلا أياما أو يسيرا حتى برأ.
٣حدثني المثنى، قال : حدثنا سعيد بن الحكم، قال : أخبرنا يحيى بن أيوب، قال : ثني حميد، قال : سمعت أنس بن مالك يقول : عاد رسول الله ﷺ رجلاً قد صار مثل الفرخ المنتوف، فقال رسول الله ﷺ :«هَلْ كُنْتَ تَدْعُو اللّهَ بِشَيْءٍ، أوْ تَسألُ اللّهَ شَيْئا ؟ » قال : قلت : اللهمّ ما كنت معاقبي به في الاَخرة فعاقبني به في الدنيا. قال :«سُبْحانَ اللّهِ هَلْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ أحَدٌ أوْ يُطِيقُهُ فهَلاّ قُلْتَ : اللّهُمّ آتِنا فِي الدّنْيا حَسَنَةً، وفِي الاَخِرَة حَسَنَةً، وَقِنا عَذَابَ النّارِ ».
وقال آخرون : بل عنى الله عز وجل بالحسنة في هذا الموضع : في الدنيا : العلم والعبادة، وفي الاَخرة : الجنة. ذكر من قال ذلك :
٣حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عباد، عن هشام بن حسان، عن الحسن : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبّنا آتِنا فِي الدّنْيا حَسَنَةً وفِي الاَخِرَةِ حَسَنَةً قال : الحسنة في الدنيا : العلم والعبادة، وفي الاَخرة : الجنة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : حدثنا هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الحسن في قوله : رَبّنا آتِنا فِي الدّنيْا حَسَنَةً، وفِي الاَخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذَابَ النّارِ قال : العبادة في الدنيا، والجنة في الاَخرة.
٣حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الرحمن بن واقد العطار، قال : حدثنا عباد بن العوّام، عن هشام، عن الحسن في قوله : رَبّنا آتِنا فِي الدّنْيا حَسَنَةً قال : الحسنة في الدنيا : الفهم في كتاب الله والعلم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : سمعت سفيان الثوري يقول هذه الآية : رَبّنا آتِنا فِي الدّنْيا حَسَنَةً وفِي الاَخِرَةِ حَسَنَةً قال : الحسنة في الدنيا : العلم والرزق الطيب، وفي الاَخرة حسنة : الجنة.
وقال آخرون : الحسنة في الدنيا : المال، وفي الاَخرة : الجنة. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبّنا آتِنا فِي الدّنْيا حَسَنَةً وفِي الاَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذَابَ النّارِ قال : فهؤلاء النبيّ ﷺ والمؤمنون.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبّنا آتِنا فِي الدّنْيا حَسَنَةً وفِي الاَخِرَةِ حَسَنَةً هؤلاء المؤمنون أما حسنة الدنيا فالمال، وأما حسنة الاَخرة فالجنة.
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله جل ثناؤه أخبر عن قوم من أهل الإيمان به وبرسوله، ممن حجّ بيته، يسألون ربهم الحسنة في الدنيا، والحسنة في الاَخرة، وأن يقيهم عذاب النار. وقد تجمعُ الحسنة من الله عزّ وجل العافية في الجسم والمعاش والرزق وغير ذلك والعلم والعبادة. وأما في الاَخرة فلا شك أنها الجنة، لأن من لم ينلها يومئذٍ فقد حرم جميع الحسنات وفارق جميع معاني العافية.
وإنما قلنا إن ذلك أولى التأويلات بالآية لأن الله عز وجل لم يخصص بقوله مخبرا عن قائل ذلك من معاني الحسنة شيئا، ولا نصب على خصوصه دلالة دالة على أن المراد من ذلك بعض دون بعض، فالواجب من القول فيه ما قلنا من أنه لا يجوز أن يخصّ من معاني ذلك شيء، وأن يحكم بعمومه على ما عمه الله.
وأما قوله : وَقِنا عَذَابَ النّارِ فإنه يعني بذلك : اصرف عنا عذاب النار، يقال منه : وقيته، كذا أقيه وقاية وواقية ووقاء ممدودا، وربما قالوا : وقاك الله وَقْيا : إذا دفعت عنه أذى أو مكروها.