البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله﴾ قيل المراد : بمن، غير معنى، بل هي في كل من باع نفسه لله تعالى في جهاد، أو صبر على دين، أو كلمة حق عند جائر، أو حمية لله، أو ذب عن شرعه، أو ما أشبه هذا.
وقيل : هي في معين، فقيل في : الزبير والمقداد بعثهما رسول الله ﷺ إلى مكة ليحطا خبيباً من خشبته، وقيل : في صهيب الرومي خرج مهاجراً فلحقته قريش، فنشل كنانته، وكان جيد الرمي شديد البأس محذوره، وقالوا : لا نترك حتى تدلنا على مالك، فدلهم على موضه، فرجعوا عنه، وقيل : عذب ليترك دينه فافتدي من ماله وخرج مهاجراً، وقيل : في علي حين خلفه رسول الله ﷺ بمكة لقضاء ديونه ورد الودائع، وأمره بمبيته على فراشه ليلة خرج مهاجراً ﷺ.
وقال الحسن : نزلت في المسلم يلقى الكافر فيقول : قل : لا إله إلا الله، فلا يقول، فيقول : والله لأشرين، فيقاتل حتى يقتل.
وقال ابن عباس : في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقيل : في صهيب، وأبي ذر، وكان أبو ذر قد أخذه أهله فانقلب، فخرج مهاجراً.
وقيل : في المهاجرين والأنصار، وذكر المفسرون غير هذا، وقصصاً طويلاً في أخبار هؤلاء المعينين الذين قيل نزلت فيهم الآية.
والذي ينبغي أن يقال : إنه تعالى لما ذكر ﴿ومن الناس من يعجبك قوله﴾ وكان عاماً في المنافق الذي يبدي خلاف ما أضمر، ناسب أن يذكر قسيمه عاماً من : يبذل نفسه في طاعة الله تعالى من أي صعب كان، فكذلك المنافق مدارٍ عن نفسه بالكذب والرياء، وحلاوة المنطق، وهذا باذلٌ نفسه لله ولمرضاته.
وتندرج تلك الأقاويل التي في الآيتين تحت عموم هاتين الآيتين، ويكون ذكر ما ذكر من تعيين من عين إنما هو على نحو من ضرب المثال، ولا يبعد أن يكون السبب خاصاً، والمراد عموم اللفظ، ولما طال الفصل هنا بين القسم الأول والقسم الثاني، أتى في التقسيم الثاني بإظهار المقسم منه، فقال :﴿ومن الناس من يشري﴾ بخلاف قوله :﴿ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة﴾ فانه لما قرب ذكر أحد القسمين من القسم، أضمر في الثاني المقسم.
ومعنى يشري : يبيع، وهو سائغ في اللسان، قال تعالى :﴿وشروه بثمن بخس دراهم﴾ قال الشاعر :
وشريت بُرداً ليتني***
من بعد بُردٍ كنت هامة
ويشري : عبارة عن أن يبذل نفسه في الله، ومنه تسمى الشراة، وكأنهم باعوا أنفسهم من الله، وقال قوم : شرى، بمعنى : اشترى، فإن كانت الآية في صهيب فهذا موجود فيه حيث اشترى نفسه بماله ولم يبعها.
وانتصاب : ابتغاء، على أنه مفعول من أجله، أي الحامل لهم على بيع أنفسهم، إنما هو طلب رضى الله تعالى، وهو مستوفٍ لشروط المفعول من أجله من كونه مصدراً متحد الفاعل والوقت، وهذه الإضافة، أعنى : إضافة المفعول من أجله، هي محضة، خلافاً للجرمي، والرياشي، والمبرّد، وبعض المتأخرين، فانهم يزعمون أنها إضافة غير محضة، وهذا مذكور في كتب النحو.
ومرضاة : مصدر بني على التاء : كمدعاة، والقياس تجريده عنها، كما تقول : مرمى ومغزى، وأمال الكسائي : مرضات، وعن ورش خلاف في إمالة : مرضات، وقرأنا له بالوجهين، ووقف حمزة عليها بالتاء، ووقف الباقون بالهاء.
فأمّا وقف حمزة بالتاء فيحتمل وجهين.
أحدهما : أن يكون على مذهب من يقف من العرب على : طلحة، وحمزة، بالتاء، كالوصل، وهو كان القياس دون الإبدال.
قال :
دار لسلمى بعد حول قد عفت***
بل جوز تيهاء كظهر الحجفت
وقد حكى هذه اللغة سيبويه.
والوجه الآخر : أن تكون على نية الإضافة، كأنه نوى تقدير المضاف إليه، فأراد أن يعلم أن الكلمة مضافة، وأن المضاف إليه مراد : كإشمام من أشم الحرف المضموم في الوقف ليعلم أن الضمة مرادة، وفي قوله :﴿ابتغاء مرضات الله﴾ إشارة إلى حصول أفضل ما عند الله للشهداء، وهو رضاه تعالى.
وفي الحديث الصحيح، في مجاورة أهل الجنة ربهم تعالى، حين يسألهم : هل رضيتم ؟ فيقولون : يا ربنا كيف لا نرضى وقد أدخلتنا جنتك وباعدتنا من نارك ؟ فيقول : ولكم عندي أفضل من ذلك، فيقولون : يا ربنا، وما أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضائي فلا أسخط عليكم بعده.
﴿والله رؤوف بالعباد﴾ حيث كلفهم بالجهاد فعرضهم لثواب الشهداء، قاله الزمخشري ؛ وقال ابن عطية : ترجئة تقتضي الحض على إمتثال ما وقع به المدح في الآية، كما في قوله :﴿فحسبه جهنم﴾ تخويف يقتضي التحذير مما وقع به الذمّ، وتقدّم أن الرأفة أبلغ من الرحمة.
والعباد إن كان عاماً، فرأفته بالكافرين إمهالهم إلى انقضاء آجالهم، وتيسير أرزاقهم لهم، ورأفته بالمؤمنين تهيئته إياهم لطاعته، ورفع درجاتهم في الجنة.
وإن كان خاصاً، وهو الأظهر، لأنه لما ختم الآية بالوعيد من قوله :﴿فحسبه جهنم﴾ وكان ذلك خاصاً بأولئك الكفار، ختم هذه بالوعد المبشر لهم بحسن الثواب، وجزيل المآب، ودل على ذلك بالرأفة التي هي سبب لذلك، فصار ذلك كناية عن إحسان الله إليهم، لأن رأفته بهم تستدعي جميع أنواع الإحسان، ولو ذكر أي نوع من الإحسان لم يفد ما أفاده لفظ الرأفة، ولذلك كانت الكناية أبلغ، ويكون إذ ذاك في لفظ : العباد، التفاتاً، إذ هو خروج من ضمير غائب مفرد إلى اسم ظاهر، فلو جرى على نظم الكلام السابق لكان : والله رؤوف به أو بهم، وحسن الالتفات هنا بهذا الاسم الظاهر شيئان.
أحدهما : أن لفظ : العباد، له في استعمال القرآن تشريف واختصاص، كقوله :﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً﴾ ﴿ثم أورثنا الكتاب الذي اصطفينا من عبادنا﴾ ﴿بل عباد مكرمون﴾
والثاني : مجيء اللفظة فاصلة، لأن قبله :﴿والله لا يحب الفساد، فحسبه جهنم ولبئس المهاد﴾ فناسب :﴿والله رؤوف بالعباد﴾.
وفي هذه الآية، والتي قبلها من علم البديع : التقسيم، وقد ذكرنا مناسبة هذا التقسيم للتقسيم السابق قبله في قوله :﴿فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا﴾ قال بعض الناس : في هذه الآيات نوع من البديع، وهو التقديم والتأخير، وهو من ضروب البيان في النثر والنظم دليل على قوة الملكة في ضروب من الكلام، وذلك قوله :﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ متقدم على قوله :﴿فمن الناس من يقول﴾ لأن قوله :﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ معطوف عليه، قوله :﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله﴾ وقوله :﴿فمن الناس من يقول﴾ معطوف على قوله :﴿ومنهم من يقول﴾ وقوله :﴿ومنهم من يقول﴾ معطوف على قوله :﴿ومن الناس من يعجبك﴾ وعلى قوله :﴿ومن الناس من يشري﴾ فيصير الكلام معطوفاً على الذكر لأنه مناسب لما قبله من المعنى، ويصير التقسيم معطوفاً بعضه على بعض، لأن التقسيم الأول في معنى الثاني، فيتحد المعنى ويتسق اللفظ، ثم قال : ومثل هذا، فذكر قصة البقرة، وقتل النفس، وقصة المتوفى عنها زوجها، في الآيتين، قال : ومثل هذا في القرآن كثير، يعني : التقديم والتأخير، ولا يذهب إلى ما ذكره، ولا تقديم ولا تأخير في القرآن، لأن التقديم والتأخير عندنا من باب الضرورات، وتنزه كتاب الله تعالى عنه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة من أواخر أقوال الحج وأفعاله الأمر بذكر الله في أيام معدودات، أي : قلائل، ودل الذكر على الرمي وإن لم يصرح به، لأن الذكر المأمور به في تلك الأيام هو عند الرمي، ودل الأمر على مشروعيته في أيام، وهو : جمع، ثم رخص في التعجيل عند انقضاء يومين منها، فسقط الذكر المختص به اليوم الثالث، وأخبر أن حال المتعجل والمتأخر سواء في عدم الإثم، وإن كان حال من تأخر أفضل، وكان بعض الجاهلية يعتقد أن من تعجل أثم، وبعضهم يعتقد أن من تأخر أثم، فلذلك أخبر أن الله رفع الإثم عنهما، إذ كان التعجل والتأخر مما شرعه الله تعالى، ثم أخبر أن ارتفاع الإثم لا يكون إلا لمن اتقى الله تعالى.
ثم أمر بالتقوى، وتكرار الأمر بها في الحج، ثم ذكر الحامل على التلبس بالتقوى، وهو كونه تعالى شديد العقاب لمن لم يتقه.
ثم لما كانت التقوى تنقسم إلى من يظهرها بلسانه وقلبه منطو على خلافها، وإلى من تساوى سريرته وعلانيته في التقوى، قسم الله تعالى ذلك إلى قسمين، فقال :﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾ أي : يؤنقك ويروق لفظه، يحسن ما يأتي به من الموافقة والطواعية ظاهراً، ثم لا يكتفي بما زوّر ونمق من كلامه اللطيف حتى يشهد الله على ما في قلبه من ذلك، فيحلف بالله أن سريرته مثل علانيته، وهو إذا خاصم كان شديد الخصومة.
وإذا خرج من عندك تقلب في نواحي الأرض، ثم ذكر تعالى سبب سعيه وأنه للإفساد مطلقاً، وليهلك الحرث والنسل اللذين هما قوام الوجود، ثم أخبر تعالى أنه لا يحب الفساد، فهذا المتولي الساعي في الأرض يفعل ما لا يحبه الله ولا يرضاه، ثم ذكر أنه من شدّة الشكيمة في النفاق إذا أمر بتقوى الله تعالى استولت عليه الأنفة والغضب بالإثم.
أي : مصحوباً بالإثم فليس غضبه لله. إنما هو لغير الله، فلذلك استصحبه الإثم.
ثم ذكر تعالى ما يؤول إليه حال هذا الآنف المغترّ بغير الله، وهو جهنم، فهي كافية له، ومبدلته بعد عزه ذلاً، ثم ذمّ تعالى ما مهد لنفسه من جهنم، وبئس الغاية الذم.
ثم ذكر تعالى القسم المقابل لهذا القسم، وهو : من باع نفسه في طلاب رضى الله تعالى، واكتفى بهذا الوصف الشريف، إذ دل على انطوائه على جميع الطاعات والانقيادات، إذ صار عبد الله يوجد حيث رضي الله تعالى، ثم ذكر تعالى أن من كان بهذه المثابة رأف الله به ورحمه، ورأفة الله به تتضمن اللطف به والإحسان إليه بجميع أنواع الإحسان، وذكر الرأفة التي هي، قيل : أرق من الرحمة.
ثم نادى المؤمنين بقوله :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وأمرهم بالدخول في الإسلام، وثنى بالنهي، لأن الأمر أشق من النهي، لأن الأمر فعل والنهي ترك، ولمجاورته قوله :﴿ومن الناس من يشري نفسه﴾ فصار نظير :﴿يوم تبيضّ وجوه وتسودُّ وجوه فأما الذين اسودّت وجوههم﴾ ولما نهاهم تعالى عن اتباع خطوات الشيطان، وهي : سلوك معاصي الله، أخبر أنه إن زلوا من بعد ما أتتهم البينات الواضحة النيرة التي لا ينبغي أن يقع الزلل معها، لأن في ايضاحها ما يزيل اللبس، فاعلموا أن الله عزيز لا يغالب، حكيم يضع الأشياء مواضعها، فيجازي على الزلل بعد وضوح الآيات التي تقتضي الثبوت في الطاعة بما يناسب ذلك الزلل، فدل بعزته على القدرة، وبحكمته على جزاء العاصي والطائع :﴿ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾
ثم أعرض تعالى عن خطابهم، وأخبر عنهم إخبار الغائبين، مسلياً لرسوله عن تباطئهم في الدخول في الإسلام، فقال : ما ينتظرون إلاَّ قيام الساعة يوم فصل الله بين العباد، وقضاء الأمر، ورجوع جميع الأمور إليه، فهناك تظهر ثمرة ما جنوا على أنفسهم، كما جاء في الحديث :« إن يوم القيامة يأتيهم الله في صورة » كذا، على ما يليق بتقديسه عن جميع ما يشبه المخلوقين، وننزهه عما يستحيل عليه من سمات الحدوث وصفات النقص.
ثم قال تعالى :﴿سل بني إسرائيل﴾ منبهاً على أن دأب من أرسل إليه الأنبياء، وظهرت لهم المعجزات الإعراض عن ذلك، وعدم قبول الإيمان، وأنهم يرتبون على الشيء غير مقتضاه، فيكذبون بالآيات التي جاءت دالة على الصدق.
ثم أخبر تعالى : أن من بدل نعمة الله عاقبه أشدّ العقاب، قابل نعمة الله التي هي مظنة الشكر بالكفر، ثم ذكر تعالى الحامل لهم على تبديل نعم الله، وهو : تزيين الحياة الدنيا، فرغبوا في الفاني وزهدو ا في الباقي إيثاراً للعاجل على الآجل، ثم ذكر مع ذلك استهزاءهم بالمؤمنين، حيث ما يتوهم في وصف الإيمان، والرغبة فيما عند الله تعالى، وذكر أنهم هم العالون يوم القيامة، ودل بذلك على أن أولئك هم السافلون، ثم ذكر أنه يرزق المؤمنين، وهم الذين يحبهم، بغير حساب، إشارة إلى سعة الرزق وعدم التقتير، والتقدير : وأعاد ذكرهم بلفظ : من يشاء، تنبيهاً على إرادته لهم، ومحبته إياهم، واختصاصهم به، إذ لو قال : والله يرزقهم بغير حساب، لفات هذا المعنى من ذكر المشيئة التي هي الإرادة.


وفي هذه الآية، والتي قبلها من علم البديع : التقسيم، وقد ذكرنا مناسبة هذا التقسيم للتقسيم السابق قبله في قوله :﴿فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا﴾ قال بعض الناس : في هذه الآيات نوع من البديع، وهو التقديم والتأخير، وهو من ضروب البيان في النثر والنظم دليل على قوة الملكة في ضروب من الكلام، وذلك قوله :﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ متقدم على قوله :﴿فمن الناس من يقول﴾ لأن قوله :﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ معطوف عليه، قوله :﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله﴾ وقوله :﴿فمن الناس من يقول﴾ معطوف على قوله :﴿ومنهم من يقول﴾ وقوله :﴿ومنهم من يقول﴾ معطوف على قوله :﴿ومن الناس من يعجبك﴾ وعلى قوله :﴿ومن الناس من يشري﴾ فيصير الكلام معطوفاً على الذكر لأنه مناسب لما قبله من المعنى، ويصير التقسيم معطوفاً بعضه على بعض، لأن التقسيم الأول في معنى الثاني، فيتحد المعنى ويتسق اللفظ، ثم قال : ومثل هذا، فذكر قصة البقرة، وقتل النفس، وقصة المتوفى عنها زوجها، في الآيتين، قال : ومثل هذا في القرآن كثير، يعني : التقديم والتأخير، ولا يذهب إلى ما ذكره، ولا تقديم ولا تأخير في القرآن، لأن التقديم والتأخير عندنا من باب الضرورات، وتنزه كتاب الله تعالى عنه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى