جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاّ الّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ﴾
اختلف أهل التأويل في معنى الأمة في هذا الموضع، وفي الناس الذين وصفهم الله بأنهم كانوا أمة واحدة فقال بعضهم : هم الذين كانوا بين آدم ونوح، وهم عشرة قرون، كلهم كانوا على شريعة من الحق، فاختلفوا بعد ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا أبو داود، قال : حدثنا همام بن منبه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال : وكذلك هي في قراءة عبد الله «كانَ النّاسُ أمةً واحدةً فاختْلفُوا ».
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : كانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً قال : كانوا على الهدى جميعا، فاختلفوا فَبَعَثَ اللّهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنْذِرينَ فكان أولَ نبيّ بعث نوح.
فتأويل الأمة على هذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس الدين، كما قال النابغة الذبياني :
| حَلَفْتُ فَلَمْ أتْركْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً | وَهَلْ يَأثَمَنْ ذُو أُمّةٍ وَهُوَ طائِعُ |
وأصل الأمة الجماعة، تجتمع على دين واحد، ثم يكتفى بالخبر عن الأمة من الخبر عن الدين لدلالتها عليه كما قال جل ثناؤه : وَلَوْ شاءَ الله لَجَعَلَكُمْ أمّةً وَاحِدَةً يراد به أهل دين واحد وملة واحدة. فوجه ابن عباس في تأويله قوله : كانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً إلى أن الناس كانوا أهل دين واحد حتى اختلفوا.
وقال آخرون : بل تأويل ذلك كان آدم على الحق إماما لذرّيته، فبعث الله النبيين في ولده ووجهوا معنى الأمة إلى الطاعة لله والدعاء إلى توحيده واتباع أمره من قول الله عزّ وجل : إنّ إبْرَاهيمَ كانَ أُمّةً قانِتا لِلّهِ حَنِيفا يعني بقوله أُمّةً إماما في الخير يقتدى به، ويتبع عليه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : كانَ النّاسُ أُمْةً وَاحِدَةً قال : آدم.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله : كانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً قال : آدم، قال : كان بين آدم ونوح عشرة أنبياء، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال مجاهد : آدم أمة وحده، وكأنّ من قال هذا القول استجاز بتسمية الواحد باسم الجماعة لاجتماع أخلاق الخير الذي يكون في الجماعة المفرقة فيمن سماه بالأمة، كما يقال : فلان أمة وحده، يقول مقام الأمة. وقد يجوز أن يكون سماه بذلك لأنه سبب لاجتماع الأسباب من الناس على ما دعاهم إليه من أخلاق الخير، فلما كان آدم ﷺ سببا لاجتماع من اجتمع على دينه من ولده إلى حال اختلافهم سماه بذلك أمة.
وقال آخرون : معنى ذلك كان الناس أمة واحدة على دين واحد يوم استخرج ذرية آدم من صلبه، فعرضهم على آدم. ذكر من قال ذلك :
حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله : كانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً. وعن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب، قال : كانوا أمة واحدة حيث عرضوا على آدم ففطرهم يومئذٍ على الإسلام، وأقرّوا له بالعبودية، وكانوا أمة واحدة مسلمين كلهم. ثم اختلفوا من بعد آدم، فكان أبيّ يقرأ :«كانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللّهُ النَبِييّنَ مُبَشّرِينَ وَمُنْذِرِينَ » إلى «فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ » وإن الله إنما بعث الرسل وأنزل الكتب عند الاختلاف.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : كانَ النّاسُ أُمّةً وَاحدَةً قال : حين أخرجهم من ظهر آدم لم يكونوا أمة واحدة قط غير ذلك اليوم، فبعث الله النبيين. قال : هذا حين تفرّقت الأمم.
وتأويل الآية على هذا القول نظير تأويل قول من قال بقول ابن عباس : إن الناس كانوا على دين واحد فيما بين آدم ونوح. وقد بينا معناه هنالك إلا أن الوقت الذي كان فيه الناس أمة واحدة مخالف الوقت الذي وقته ابن عباس.
وقال آخرون بخلاف ذلك كله في ذلك، وقالوا : إنما معنى قوله : كانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً على دين واحد، فبعث الله النبيين. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : كانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً يقول : كان دينا واحدا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.
وأولى التأويلات في هذه الآية بالصواب أن يقال : إن الله عز وجل أخبر عباده أن الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد وملة واحدة. كما :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : كانَ النّاسُ أُمةً وَاحِدَةً يقول : دينا واحدا على دين آدم، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.
وكان الدين الذي كانوا عليه دين الحق. كما قال أبيّ بن كعب وكما :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، قال : هي في قراءة ابن مسعود :«اختلفوا عنه » عن الإسلام.
فاختلفوا في دينهم، فبعث الله عند اختلافهم في دينهم النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه رحمة منه جل ذكره بخلقه واعتذارا منه إليهم.
وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذي كانوا فيه أمة واحدة من عهد آدم إلى عهد نوح عليهما السلام، كما روى عكرمة، عن ابن عباس، وكما قاله قتادة.
وجائز أن يكون كان ذلك حين عرض على آدم خلقه. وجائز أن يكون كان ذلك في وقت غير ذلك. ولا دلالة من كتاب الله ولا خبر يثبت به الحجة على أيّ هذه الأوقات كان ذلك، فغير جائز أن نقول فيه إلا ما قال الله عز وجل من أن الناس كانوا أمة واحدة، فبعث الله فيهم لما اختلفوا الأنبياء والرسل. ولا يضرّنا الجهل بوقت ذلك، كما لا ينفعنا العلم به إذا لم يكن العلم به لله طاعة، غير أنه أيّ ذلك كان، فإن دليل القرآن واضح على أن الذين أخبر الله عنهم أنهم كانوا أمة واحدة، إنما كانوا أمة واحدة على الإيمان ودين الحقّ دون الكفر بالله والشرك به. وذلك أن الله جل وعز قال في السورة التي يذكر فيها يونس : وَما كانَ النّاسُ إلاّ أُمّةً وَاحِدَةً فاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقتْ مِنْ رَبّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فتوعد جل ذكره على الاختلاف لا على الاجتماع، ولا على كونهم أمة واحدة، ولو كان اجتماعهم قبل الاختلاف كان على الكفر ثم كان الاختلاف بعد ذلك، لم يكن إلا بانتقال بعضهم إلى الإيمان، ولو كان ذلك كذلك لكان الوعد أولى بحكمته جل ثناؤه في ذلك الحال من الوعيد لأنها حال إنابة بعضهم إلى طاعته، ومحال أن يتوعد في حال التوبة والإنابة، ويترك ذلك في حال اجتماع الجميع على الكفر والشرك.
وأما قوله : فَبَعَثَ اللّهُ النَبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فإنه يعني أنه أرسل رسلاً يبشرون من أطاع الله بجزيل الثواب، وكريم المآب ويعني بقوله وَمُنْذِرِينَ ينذرون من عصى الله فكفر به، بشدة العقاب، وسوء الحساب والخلود في النار وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بالحَقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ يعني بذلك ليحكم الكتاب وهو التوراة بين الناس فيما اختلف المختلفون فيه فأضاف جل ثناؤه الحكم إلى الكتاب، وأنه الذي يحكم بين الناس دون النبيين والمرسلين، إذ كان من حكم من النبيين والمرسلين بحكم، إنما يحكم بما دلهم عليه الكتاب الذي أنزل الله عزّ وجل، فكان الكتاب بدلالته على ما دل وصفه على صحته من الحكم حاكما بين الناس، وإن كان الذي يفصل القضاء بينهم غيره.
القول في تأويل قوله تعالى : وَما اخْتَلَفَ فِيهِ إلاّ الّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيّناتُ بَغْيا بَيْنَهُمْ.
يعني جل ثناؤه بقوله : وَما اخْتَلَفَ فِيهِ وما اختلف في الكتاب الذي أنزله وهو التوراة، إلاّ الّذينَ أُوتُوهُ يعني بذلك اليهود من بني إسرائيل، وهم الذين أوتوا التوراة والعلم بها. والهاء في قوله «أوتوه » عائدة على الكتاب الذي أنزله الله. مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيّناتُ يعني بذلك : من بعد ما جاءتهم حجج الله وأدلته أن الكتاب الذي اختلفوا فيه وفي أحكامه عند الله، وأنه الحق الذي لا يسعهم الاختلاف فيه، ولا العمل بخلاف ما فيه. فأخبر عز ذكره عن اليهود من بني إسرائيل أنهم خالفوا الكتاب التوراة، واختلفوا فيه على علم منهم، ما يأتون متعمدين الخلاف على الله فيما خالفوه فيه من أمره وحكم كتابه.
ثم أخبر جل ذكره أن تعمدهم الخطيئة التي أنزلها، وركوبهم المعصية التي ركبوها من خلافهم أمره، إنما كان منهم بغيا بينهم. والبغي مصدر من قول القائل : بغى فلان على فلان بغيا إذا طغى واعتدى عليه فجاوز حدّه، ومن ذلك قيل للجرح إذا أمدّ، وللبحر إذا كثر ماؤه ففاض، وللسحاب إذا وقع بأرض فأخصبت : بغى كل ذلك بمعنى واحد، وهي زيادته وتجاوز حده. فمعنى قوله جل ثناؤه : وَما اخْتَلَفَ فِيهِ إلاّ الّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيّناتُ بَغيْا بَيْنَهُمْ من ذلك. يقول : لم يكن اختلاف هؤلاء المختلفين من اليهود من بني إسرائيل في كتابي الذي أنزلته مع نبي عن جهل منهم به، بل كان اختلافهم فيه، وخلاف حكمه من بعد ما ثبتت حجته عليهم بغيا بينهم، طلب الرياسة من بعضهم على بعض، واستذلالاً من بعضهم لبعض. كما :
حدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال : ثم رجع إلى بني إسرائيل في قوله : وَما اخْتَلَفَ فِيهِ إلاّ الّذِينَ أُوتُوهُ يقول : إلا الذين أوتوا الكتاب والعلم مِنْ بَعدِ ما جاءَتُهُمُ البَيّناتُ بَغيْا بَيْنَهُمْ يقول : بغيا على الدنيا وطلب ملكها وزخرفها وزينتها، أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس. فبغى بعضهم على بعض، وضرب بعضهم رقاب بعض.
ثم اختلف أهل العربية في «مِن » التي في قوله : مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيّناتُ ما حكمها ومعناها ؟ وما المعنى المنتسق في قوله وَما اخْتَلَفَ فِيهِ إلاّ الّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جَاءَتْهُمُ البَيّناتُ