اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
لما ذكر - عزَّ وجلَّ - الإيلاء، وأن الطّلاق قد يقعُ بيَّن تعالى حُكم المرأة بعد التَّطْلِيق.
قوله :﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ : مبتدأٌ وخبرٌ، وهل هذه الجملةُ من بابِ الخبرِ الواقعِ موقعَ الأمر، أي : لِيتَرَبَّصْنَ، أو عَلَى بابها ؟ قولان، وقال الكوفيون : إنَّ لفظها أمرٌ ؛ على تقدير لام الأمرِ، ومَنْ جعلها على بابها، قدَّر : وحُكْمُ المطلَّقَاتِ أَنْ يتربَّصْنَ، فحذف " حُكْمُ " مِن الأول، و " أن " المصدرية من الثاني، وهو بعيدٌ جدّاً.
و " تَرَبَّصَ " يتعدَّى بنفسَه ؛ لأنه بمعنى انْتَظَرَ، وهذه الآيةُ تحتمِلُ وجهين :
أحدهما : أن يكون مفعول التربُّص محذوفاً، وهو الظاهرُ، تقديرُه : يتربَّصْنَ التزويجَ أو الأزواجَ، ويكونُ " ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ " على هذا منصوباً على الظرف ؛ لأنَّ اسمُ عددٍ مضافٍ إلى ظرفٍ.
والثاني : أن يكون المفعولُ هو نفسَ " ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ " أي : ينتظرونَ مُضِيَّ ثلاثةِ قُرُوءٍ.
وأمَّا قوله :﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [ فيحتمل وجهين، أحدهما، وهو الظاهرُ : أَنْ يتعلَّق ب " يَتَرَبَّصْنَ "، ويكونَ معنى الباءِ السببية، أي : بسبب أنفسِهنَّ ]، وذِكْرُ الأنفسِ أو الضميرِ المنفصلِ في مثلِ هذا التركيب واجبٌ، ولا يجوزُ أَنْ يُؤتَى بالضميرِ المتصل، لو قيل في نظيرِه :" الهِنْدَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِهِنَّ " لم يجُز ؛ لئلاَّ يَتَعَدَّى فِعْلُ المضمر المنفصلِ إلى ضميرِه المتصل في غير الأبواب الجائز فيها ذلك.
والثاني : أن يكونَ " بَأَنْفُسِهِنَّ " تأكيداً للمضمرِ المرفوع المتصلِ، وهو النونُ، والباءُ زائدة في التوكيد ؛ لأَنَّه يجوزُ زيادتها في النفسِ والعينِ مُؤكَّداً بهما ؛ تقولُ :" جَاءَ زَيْدٌ نَفْسُهُ وِبِنَفْسِهِ وَعَيْنُهُ وَبِعَيْنِهِ " ؛ وعلى هذا : فلا تتعلَّقُ بشيء لزيادتها، لا يقالُ : لا جائزٌ أن تكونَ تأكيداً للضمير ؛ لأنَّه كانَ يجبُ أن تُؤَكَّدَ بضميرِ رفعٍ منفصلٍ ؛ لأنه لا يُؤكَّدُ الضميرُ المرفوعُ المتصلُ بالنَّفسِ والعَيْنِ، إلاَّ بعد تأكيده بالضميرِ المرفوع المنفصلِ ؛ فيقال : زَيْدٌ جَاءَ هُوَ نَفْسُهُ عَيْنُهُ " ؛ لأنَّ هذا المؤكَّد خرجَ عن الأصلِ، لمَّا جُرَّ بالباءِ الزائدةِ أَشْبَهَ الفَضَلاَتِ، فخرج بذلك عن حكم التوابع، فلم يُلْتَزَمْ فيه ما التزِمَ في غيره، ويُؤيِّد ذلك قولهم :" أَحْسِنْ بِزَيْدٍ، وَأَجْمِلْ "، أي : به، وهذا المجرورُ فاعلٌ عند البصريِّين، والفاعلُ عندهم لا يُحْذَفُ، لكنه لَمَّا جَرَى مَجْرَى الفَضَلاتِ ؛ بسبب جَرِّه بالحرفِ، أو خَرَجَ عن أصل باب الفاعل ؛ فلذلك جازَ حَذْفُه، وعن الأَخْفَش ذَكَر في " المَسَائِلِ " أنهم قالوا :" قَامُوا أَنْفُسُهُمْ " من غير تأكيدٍ، وفائدةُ التوكيدِ هنا أن يباشِرن التربُّصَ هُنَّ، لا أنَّ غيرَهُنَّ يباشِرْنَهُنَّ التَّربُّصَ ؛ ليكونَ ذلك أَبلغَ في المرادِ.
فإن قيل : القُرُوءُ : جمع كثرةٍ، ومن ثلاثةٍ إلى عشرة يُمَيَّزُ بجموع القلة ولا يُعْدَلُ عن القلةِ إلى ذلك، إلا عند عدم استعمالِ جمع قلَّةٍ غالباً، وهاهنا فلفظُ جمع القلَّةِ موجودٌ، وهو " أَقْرَاء "، فما الحكمةُ بالإِتيانِ بجمع الكثرةِ مع وجودِ جمعِ القلَّةِ ؟.
فيه أربعةُ أوجهٍ :
أوّلها : أنه لمَّا جمع المطلَّقات جمع القُرُوء، لأنَّ كلَّ مطلقةٍ تترَّبصُ ثلاثة أقراءٍ ؛ فصارَتْ كثيرةً بهذا الاعتبار.
والثاني : أنه من باب الاتساعِ، ووضعِ أحدِ الجمعين موضعَ الآخر.
والثالث : أنَّ " قروءاً " جمعُ " قَرْءٍ " بفتح القافِ، فلو جاء على " أَقْرَاء " لجاء على غير القياس ؛ لأنَّ أفعالاً لا يطَّردُ في فَعْلٍ بفتح الفَاء.
والرابع وهو مذهب المُبَرِّد : أنَّ التقدير " ثَلاثَةً مِنْ قُرُوءٍ "، فحذف " مِنْ "، وأجاز : ثَلاثَة حَمِيرٍ وثَلاثَةَ كِلاَبٍ، أي : مِنْ حِمِيرٍ، ومِنْ كِلاَبٍ، وقال أبو البقاء(١) : وقيل : التقديرُ " ثَلاثَةَ أقْرَاءٍ مِنْ قُرُوءٍ " وهذا هو مذهبُ المبرِّد بعينِه، وإنما فسَّر معناه وأَوضحه.

فصل


اعلم أن المُطلَّقة هي المرأةُ الَّتي وقع عليها الطَّلاق، وهي إمَّا أن تكون أجنبيةً أو منكوحةً.
فإن كان أجنبيةً، فإذا وقع الطّلاق عليها فهي مطلَّقةٌ بحسب اللُّغة، لكنَّها غير مطلَّقةٍ بحسب عُرْف الشَّرع، والعِدَّةُ غير واجبةٍ عليها بالإجماع.
وأما المَنْكُوحة : فإن لم يكن مدخولاً بها، لم تجب عليها العِدَّة ؛ لقوله تعالى :﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وإن كانت مدخولاً بها : فإن كانت حاملاً، فعدَّتها بوضع الحمل ؛ لقوله تعالى :﴿وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وإن كانت حائلاً ؛ فإن امتنع الحيض في حقِّها لصغر مفرط أو كبر مُفرطٍ، فعِدَّتها بالأشهرِ ؛ لقوله تعالى :﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّتِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤].
وإن لم يمتنع الحيض في حقِّها ؛ فإذا كانت رقيقة، فَعِدَّتها قَرْءان، وإن كانت حُرَّة، فعدَّتها ثلاثة قُرُوءٍ.
فظهر من هذا أن العامَّ إِنَّما يحسن تخصيصه، إذا كان الباقي بعد التَّخصيص أكثر ؛ لأن العادة جاريةٌ بإطلاق لفظ الكُلِّ على الغالب ؛ لأنَّه يُقَالُ في الثَّوبِ : إنه أَسود إذا كان الغَالِبُ فيه السَّوَاد وإن حصل فيه بياضٌ قليل، فأمَّا إذا كان الغالبُ عليه البياض وكان السَّوادُ قليلاً، كان إطلاق لفظ السَّواد عليه كذباً ؛ فثبت شرط تخصيص العامِّ ؛ أن يكون الباقي بعد التَّخصيص أكثر(٢)، وهذه الآية ليست كذلك، فإنه خرج من عمومها خمسة أقسامٍ، فأطلق لفظ " المُطَلَّقَات " على قسم واحدٍ.
والجواب : أما الأجنبيَّة فخارجةٌ عن اللَّفظ، فإنَّ الأَجنبيَّة لا يقال فيها : إنَّها مطلَّقة، وأما غيرُ المدخولِ بها فالقرينة تخرجها ؛ لأن أصل العِدَّة شُرِعت لبراءة الرَّحم(٣)، والحاجةُ إلى البراءة لا تحصلُ إلاَّ عند سبق الشُّغل، وأمَّا الحامل والآيسةِ فهما خارجتان عن اللَّفظ ؛ لأن إيجاب الاعتداد بالأقراء، يكون لم يجبُ الأقراء في حَقِّه.
وأمَّا الرقيق فتزويجهن كالنَّادِر، فثبت أن الأَعمَّ الأَغلب باقٍ تحت العُمُومِ.
فإن قيل :" يَتَرَبَّصْن " خبر والمراد منه الأمر، فما الفائدةُ في التَّعبير عن الأَمر بلفظ الخبر ؟
فالجواب من وجهين :
الأول : أنه - تعالى - لو ذكره بلفظ الأَمر، لكان ذلك يُوهم أَنَّه لا يحصل المقصود، إلاَّ إذا شرعت فيها بالقَصْد والاختيار، وعلى هذا التَّقدير : فلو مات الزَّوج، ولم تَعْلَم المرأَةُ حتى انقضت العِدَّةُ، وجب ألاَّ يكون ذلك كافياً في المقصود ؛ لأنَّها إذا أُمِرَت بذلك لَمْ تخرج عن العُهْدَة إلا إذا قصدت أداء التَّكليف، فلما ذكره بلفظ الخبر، زال ذلك الوهم، وعُرِف أَنَّه متى انقضت هذه القُرُوءُ، حصل المقصُود سَوَاء علمت بذلك أو لَمْ تعلم، وسواءٌ شرعت في العِدَّة بالرِّضا أو بالغضب.
الثاني : قال الزَّمخشري : التَّعبير عن الأمر بصيغة الخبر يفيد تأكيد الأمر، والإشعار بأنَّه ممَّا يجب أن يتعلَّق بالمُسارعة إلى امتثاله، فكأنَّهُنَّ امتثلن الأمر بالتَّربُّص، فهو يُخْبِرُ عنه موجوداً ؛ ونظيره قولهم في الدُّعاء رحمك اللهُ ؛ أُخرج في صورة الخبر ثقة بالإجابة، كأنَّها وجدت الرَّحمة فهو يُخْبر عنها.
فإن قيل : لو قال :" يَتَرَبَّصُ المُطلَّقات " لكان ذلك جملة من فعلٍ وفاعلٍ، فما الحكمة من ترك ذلك، وعدولِهِ عن الجملة الفعليَّة إلى الجملة الاسميَّة، وجعل المُطلَّقات مبتدأ، ثم قوله :" يتربّصن " إسنادٌ للفِعل إلى ضمير المُطَلَّقات، ثم جعل هذه الجملة خبراً عن ذلك المُبتدأ.
قال الشَّيخ عبد القاهر الجرجانيُّ في كتاب " دَلاَئِل الإِعْجَازِ " : إنَّك إذا قَدَّمت الاسم، فقلت : زيدٌ فعل، فهذا يفيد من التَّأكيد والقُوَّة ما لا يُفيد قولك :" فَعَلَ زَيْدٌ " ؛ وذلك لأنَّ قولك :" زَيْدٌ فَعَل " قد يُستعمل في أمرين :
أحدهما : أن يكون لتخصيص ذلك الفعل بذلك الفاعل ؛ كقولك : أنا أكتب في المُهِمِّ الفُلانيّ إلى السُّلطان، والمراد دعوى الإنسان الانفراد.
والثاني : ألاَّ يكون المقصود الحصر، بل إنَّ تقديم ذكر المُحَدّث عنه بحديث كذا لإثبات ذلك الفعل له ؛ كقولهم :" هُوَ يُعْطِي الجَزِيلَ " ولا يريد الحصر، بل أن يُحَقِّق عند السَّامع أَنَّ إِعطَاء الجزيل دأبه ؛ وذلك مثل قوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠]، وليس المراد تخصيص المخلوقيَّة بهم، وقوله تعالى :﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] ؛ وقول الشَّاعر :[ الطويل ]
هُمَا يَلْبِسَانِ المَجْدَ أَحْسَنَ لِبْسَةٍشَجِيعَانِ مَا اسْطَاعَا عَلَيْهِ كَلاَهُمَا(٤)
والسَّببُ في حُصُولِ هذا المعنى عند تقديم ذكر المبتدأ : أنَّكَ إذا قلت :" عَبْدُ اللهِ " فقد أشعرت بأَنَّك تريد الإِخبار عنه، فيحصل في النَّفسِ شوق إلى معرفةِ ذلك، فإذا ذكرت ذلك الخبر، قبله العقل بتشوُّق، فيكون ذلك أبلغ في التَّحقيق، ونفي الشُّبهة.
فإن قيل : هلا قيل : يَتَرَبَّصْن ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ، وما الفائدة في ذكر الأنفُسِ ؟
فالجواب : إن في ذكر الأنفس بعث على التَّربُّص وتهييجُ عليه ؛ لأن فيه ما يستنكفن منه، فيحملهنَّ على أن يتربَّصن، وذلك لأَنَّ أنفس النِّساء طوامحٌ إلى الرِّجال، فأراد أن يقعن على أنفسهن، ويغلبنها على الطُّموح، ويحرِّضنها على التَّربُّص.
فإن قيل : لم لم يقل : ثلاث قروء ؛ كما يقال : ثَلاَث حِيَضٍ ؟
والجواب : أنه أتبع تذكير اللَّفظ، ولفظ " قَرْء " مذكَّر.
والقرء في اللغة : أصله الوقت المعتاد تردده، ومنه : قرء النَّجم لوقت طلوعه وأفوله، يقال :" أَقْرَأَ النَّجْمُ "، أي : طلع أو أفل، ومنه قيل لوقت هبوب الرِّيح : قرؤها وقارئها ؛ قال الشاعر :[ الوافر ]
شَنِئْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِي شُلَيْلٍإِذَا هَبَّتْ لِقَارِيهَا الرِّيَاحُ(٥)
أي : لوقتها، وقيل : أصله الخروج من طهر إلى حيضٍ، أو عكسه، وقيل : هو من قولهم : قَرَيْتُ المَاءَ في الحَوْضِ ؛ أي : جمعته، ومنه : قرأ القرآن. وقولهم : ما قرأت هذه الناقة في بطنها سَلاً قطٌّ، أي لم تجمع فيه جنيناً ؛ ومنه قول عمرو بن كلثوم :[ الوافر ]
ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بَكْرٍهِجَانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينَا(٦)
فعلى هذا : إذا أريد به الحيض، فلاجتماع الدَّم في الرَّحم، وإن أريد به الطهر، فلاجتماع الدَّم في البدن، وهذا قول الأصمعي، وا
١ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٥..
٢ - اختلف في المقدار الذي لا بد من بقائه بعد التخصيص على مذاهب:
أحدها: أنه لا بد من بقاء جمع كثير، ونقله الرازي والآمدي عن أبي الحسين البصري، وصححه الرازي. وقال الآمدي: وبه قال أكثر أصحابنا، وإليه مال إمام الحرمين، ونقله ابن برهان عن المعتزلة. وقال الأصفهاني: ما نسبه الآمدي إلى الجمهور ليس بجيد، نعم اختاره الغزالي والرازي. واختلف في ذلك الكثير. فقال أكثرهم: لا بد أن يعرف من مدلول اللفظ العام قبل التخصيص. وقال البيضاوي: لا بد أن يكون غير محصور. وقال ابن برهان في "الأوسط": لم يحدوا الكثرة هنا؛ بل قالوا: تعرف بالقرائن، وأغرب بعضهم، فادعى أنه ليس المراد بالكثير هنا الكثير عددا؛ بل الكثير وقوعا، والغالب وجودا بحيث يقرب أنه مما خطر بالبال عند ذكر اعتبار لفظ العام.
وقال آخرون: شرطه أن يكون الباقي معظم الأمر إما في الكثرة وإما في الاعتبار؛ أما في الكثرة فكما إذا قلت: كل إنسان مصاب، وكل محسن مشكور، فإنه وإن كان في الناس من لم يصب بمصيبة إلا أنه يحدث قائل ذلك، ويحسن أن لا يقدح في كلامه. وأما في الاعتبار فكما إذا قلت: خرج الناس كلهم للقاء الملك، فإن المراد من له اعتبار، وإن كان أكثر الناس لم يخرجوا.
والثاني: أن العام إن كان ظاهرا مفردا كـ"مَنْ" و"الألف واللام" نحو: اقتل من في الدار، واقطع السارق، جاز التخصيص إلى أقل المراتب: وهو واحد، لأن الاسم يصلح لهما جميعا. وإن كان بلفظ الجمع كالمسلمين جاز إلى أقل الجمع، وذلك إما ثلاثة أو اثنان على الخلاف. قاله القفال الشاشي. كذا رأيته في كتابه في نسخة قديمة، واعتمده ابن الصباغ في "العدة" أيضا، فاضبط ذلك، فقد زل الناقلون عنه في هذه المسألة. فنقل ابن برهان في "الأوسط" عنه جواز الرد إلى الواحد مطلقا، ونقل القاضي أبو الطيب في "شرح الكافية" وابن السمعاني في "القواطع" عنه جواز الرد إلى ثلاثة، ولا يجوز إلى ما دونها إلا بما يجوز به النسخ، لكن ظاهر كلام القاضي أن "من، وما" محل وفاق. فإنه قال: لنا أن كل ما جاز تخصيصه إلى ثلاثة، جاز تخصيصه إلى ما دونها "كمن، وما" انتهى. وبذلك صرح الشيخ أبو إسحاق الإسفرايني، فقال: لا خلاف في جواز التخصيص إلى واحد فيما إذا لم تكن الصيغة جمعا، "كمن، وما، والمفرد المحلى بالألف واللام".
وحكى القاضي عبد الوهاب عنه أنه ألحق أسماء الأجناس: كالسارق والسارقة، بالجمع المعرف في امتناع رده إلى الواحد كذلك؛ والفرق بين الصيغتين أن ألفاظ الجموع موضوعة للجميع، ففي التخصيص إلى الواحد إخراج عن الموضوع، ولا كذلك "من، وما، والمفرد المحلى بالألف واللام"، لتناولها الواحد والاثنين.
قال الأصفهاني: وينبغي أن يلحق "أي" بمن، وما" قلت: وهو كذلك، لوجود العلة، وبه صرح إلِكيا الطبري. وقال بعض المتأخرين: ما أظن القَفَّال يقول به في كل تخصيص، فإنه لا يخالف في صحة استثناء الأكثر إلى الواحد، بل الظاهر قصر قوله على ما عدا الاستثناء من المخصصات، بدليل احتجاج بعض أصحابنا عليه بقول القائل: عليّ عشرة إلا تسعة، ويحتمل أن يعم الخلاف إلا أن الظاهر خلافه من المنقول عنه.
والثالث: التفصيل بين أن يكون التخصيص بالاستثناء والبدل فيجوز إلى الواحد، وإلا فلا. حكاه ابن المطهر.
والرابع: أنه لا يجوز رده إلى أقل الجمع مطلقا على حسب اختلافهم في أقل الجمع. حكاه ابن برهان وغيره.
والخامس: أنه يجوز في جميع ألفاظ العموم ما بقي في قضية اللفظ واحد، وحكاه إمام الحرمين في "التلخيص" عن معظم أصحاب الشافعي.
والسادس: الذي اختاره ابن الحاجب. قال الأصفهاني في "شرح المحصول": ولا نعرفه لغيره، أن التخصيص إن كان متصلا، فإن كان بالاستثناء أو البدل جاز إلى الواحد، نحو أكرم الناس إلا الجهال، وأكرم الناس تميما، فيجوز وإن لم يكن العالم إلا واحدا. وإن كان بالصفة والشرط، فيجوز إلى اثنين، نحو أكرم القوم الفضلاء، أو إذا كانوا فضلاء. وإن كان التخصيص بمنفصل، وكان في العام المحصور القليل، كقولك: قتلت كل زنديق، وكانوا ثلاثة، ولم يبق سوى اثنين، جاز إلى اثنين. وإن كان غير محصور أو محصورا جاز بشرط كون الباقي قريبا من مدلول العام. ينظر البحر المحيط ٢/٢٥٥-٢٥٨..

٣ - شرع الله العدة لحكم كثيرة ومصالح جمة- منها: العلم ببراءة الرحم، وأن لا يجتمع ماء الواطئين فأكثر في رحم واحد، فتختلط الأنساب وتفسد، وفي ذلك ما تمنعه الشريعة الغراء-ومنها: إظهار شرف النكاح، وحرمة العقد وخطورته، وأنه ليس من الأمور التي يستهان بها، ويجعل ألعوبة بيد المرأة حتى يتسنى لها بمجرد أن تنحل عقدتها من الرجل أن تفترش لغيره من ساعته، بل لا بد من الانتظار والتربص وإظهار أثر النكاح بما يترتب عليه من العدة؛ إعلاما بأن هذا النكاح من ذوي الشأن والميزات من بين العقود، وما أجله من سر عند ذوي الأفهام الثاقبة، والقرائح المتوقدة.
ومنها: قضاء حق الزوج وإظهار تأثير فقده في المنع من التزين والتجمل، ولذلك شرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد. فلو لم يكن ثمة عدة وتزوجت بغيره فورا، لكان هذا من أعظم هضم لحقوق الزوج الذي طالما أمدها بنعمه وغرس في هيكل جسمها بذور نعمائه؛ فلذلك شرعت لرعاية حرمته، وحفظا لناموس كرامته.
ومنها: تطويل زمان الرجعة للمطلق؛ لعله أن يتذكر فيندم ويتفكر طول عشرتها معه فيتألم ويشعر بخدمتها له، فيرجع إليها فيتهذب ويتعلم.
ومنها: الأخذ بالأحوط لمصلحة الزوج والزوجة والقيام بشئون الولد؛ لعلها بعد تفرقها من بعلها وهي ذات ولد أن ترجع عنا يهجس بخاطرها من الغضب والغطرسة، فترجع إلى زوجها؛ لتربية ولدها في عز أبيه وصولة والده، فتكون قد أحسنت لنفسها ولزوجها وولدها، وأنعم بها حكمة وأكرم بها مصلحة..

٤ - ينظر: الرازي ٦/٧٥..
٥ - البيت لمالك بن الحارث: ينظر الهذليين ٣/٨٣، الطبري ٤/٥١١، الأضداد (٢٨)، الدر المصون: ١/٥٥٤..
٦ - ينظر شرح القصائد التسع للنحاس ٦٢١، واللسان (قرأ)، والدر المصون ١/٥٥٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى