روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿والمطلقات﴾ أي ذوات الأقراء من الحرائر المدخول بهنّ، لما قد بين في الآيات والأخبار أن لا عدّة على غير المدخول لها وأن عدّة من لا تحيض لصغر أو كبر أو حمل بالأشهر ووضع الحمل، وأن عدة الأمة قرآن أو شهران فأل ليست للاستغراق لأنه ههنا متعذر لما بين، فتحمل على الجنس كما في لا أتزوّج النساء ويراد منه ما ذكر بقرينة الحكم، وهذا مذهب ساداتنا الحنفية لأن الكلام المستقل الغير الموصول عندهم ناسخ للعام، والنسخ إنما يصح إذا ثبت عموم الحكم السابق لا عموم ههنا وقال الشافعية : إن ( المطلقات ) عام وقد خص البعض بكلام مستقل غير موصول، واعترضه الإمام بأنّ التخصيص إنما يحسن إذا كان الباقي/ تحت العام أكثر، وههنا ليس كذلك وليس بشيء لأنه مما لا شاهد له فإنّ المذكور في «كتب الأصول » أن العام يجوز تخصيصه إلى أن يبقى تحته ما يستحق به معنى الجمع لئلا يلزم إبطال الصيغة فليفهم.
﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ أي ينتظرن، وهو خبر قصد منه الأمر على سبيل الكناية فلا يحتاج في وقوعه خبراً لمبتدأ إلى التأويل على رأي من لم يجوّز وقوع الإنشاء خبراً من غير تأويل، وقيل : إنّ الجملة الاسمية خبرية بمعنى الأمر، أي : ليتربصن المطلقات ولا يخفى أنه لا يحتاج إليه، وتغيير العبارة للتأكيد بدلالته على التحقيق لأن الأصل في الخبر الصدق والكذب احتمال عقلي، والإشعار بأنه مما يجب أن يسارع إلى امتثاله حيث أقيم اللفظ الدال على الوقوع مقام الدال على الطلب، وفي ذكره متأخراً عن المتبدأ فضل تأكيد لما فيه من إفادة التقوى على أحد الطريقين المنقولين عن الشيخ عبد القاهر والسكاكي، وقيد التربص هنا بقوله سبحانه وتعالى :﴿بِأَنفُسِهِنَّ﴾ وتركه في قوله تعالى :﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [ البقرة : ٦ ٢٢ ] لتحريض النساء على التربص لأن الباء للتعدية فيكون المأمور به أن يقمعن أنفسهن ويحملنها على الانتظار، وفيه إشعار بكونهنّ مائلات إلى الرجال وذلك مما يستنكفن منه، فإذا سمعن هذا تربصن وهذا بخلاف الآية السابقة فإن المأمور فيها بالتربص الأزواج وهم وإن كانوا طامحين إلى النساء لكن ليس لهم استنكاف منه، فذكر الأنفس فيها لا يفيد تحريضهم على التربص
﴿ثلاثة قُرُوء﴾ نصب على الظرف لكونه عبارة عن المدّة، والمفعول به محذوف لأن التربص متعدّ قال تعالى :﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ الله﴾ [ التوبة : ٢ ٥ ] أي يتربصن التزوّج، وفي حذفه إشعار بأنهنّ يتركن التزوّج في هذه المدة بحيث لا يتلفظن به، وجوّز أن يكون على المفعولية بتقدير مضاف أي : يتربصن مضيها.
القروء جمع قرء بالفتح والضم والأوّل أفصح وهو يطلق للحيض لما أخرج النسائي وأبو داود والدارقطني «أن فاطمة ابنة أبي حبيش قالت : يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر أفدع الصلاة ؟ فقال ﷺ :«لا، دعي الصلاة أيام أقرائك » ويطلق للطهر الفاصل بين الحيضتين كما في ظاهر قول الأعشى :
أي أطهارهن لأنها وقت الاستمتاع ولا جماع في الحيض في الجاهلية أيضاً وأصله الانتقال من الطهر إلى الحيض لاستلزامه كل واحد منهما، والدليل على ذلك كما قال الراغب : إن الطاهر التي لم تر الدم لا يقال لها ذات قرء والحائض التي استمر لها الدم لا يقال لها ذلك أيضاً، والمراد بالقرء في الآية عند الشافعي الانتقال من الطهر إلى الحيض في قول قوي له، أو الطهر المنتقل منه كما في المشهور، وهو المروي عن عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت وخلق كثير لا الحيض، واستدلوا على ذلك بمعقول ومنقول. وأما الأول : فهو أن المقصود من العدة براءة الرحم من ماء الزوج السابق والمعرف لبراءة الرحم هو الانتقال إلى الحيض لأنه يدل على انفتاح فم الرحم فلا يكون فيه العلوق لأنه يوجب انسداد فم الرحم عادة دون الحيض فإن الانتقال من الحيض إلى الطهر يدل على انسداد فم الرحم وهو مظنة العلوق فإذا جاء بعده الحيض علم عدم انسداده. وأما الثاني : فقوله تعالى :﴿فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] واللام للتأقيت والتخصيص بالوقت فيفيد أن مدخوله وقت لما قبله كما في قوله تعالى :﴿وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة﴾ [ الأنبياء : ٧ ٤ ]، و﴿أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس﴾ [الإسراء: ٨٧] فيفيد أن العدة وقت الطلاق والطلاق/ في الحيض غير مشروع لما أخرج الشيخان أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما طلق زوجته وهي حائض فذكر عمر لرسول الله ﷺ فتغيظ ثم قال :«مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء » وهو أحد الأدلة أيضاً على أن العدة بالأطهار، وذهب ساداتنا الحنفية إلى أن المراد بالقرء الحيض وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن وعكرمة وعمرو بن دينار وجم غفير، وكون الانتقال من الطهر إلى الحيض هو المعرف للبراءة إذا سلم معارض بأن سيلان الدم هو السبب للبراءة المقصودة ولا نسلم أن اعتبار المعرف أولى من اعتبار السبب وليس هذا من المكابرة في شيء على أن المهم في مثل هذه المباحث الأدلة النقلية، وفيما ذكروه منها بحث لأن لام التوقيت لا تقتضي أن يكون مدخولها ظرفاً لما قبلها ففي الرضي إن اللام في نحو جئتك لغرة كذا هي المفيدة للاختصاص الذي هو أصلها، والاختصاص ههنا على ثلاثة أضرب : إما أن يختص الفعل بالزمان بوقوعه فيه نحو كتبته لغرة كذا، أو يختص به لوقوعه بعده نحو لليلة خلت، أو اختص به لوقوعه قبله نحو لليلة بقيت، فمع الإطلاق يكون الاختصاص لوقوعه فيه ومع قرينة نحو خلت يكون لوقوعه بعده ومع قرينة نحو بقيت لوقوعه قبله انتهى.
وفيما نحن فيه قرينة تدل على كونه قبله لأن التطليق يكون قبل العدة لا مقارناً لها، ويؤيده قراءة النبي ﷺ ( في قبل عدتهن ) ففي «الصحاح » القُبْل والقُبُل نقيض الدُّبْر والدُّبُر، ووقع السهم بقبل الهدف وبدبره وقُدّ قميصه من قُبُل ودُبُر أي من مقدمه ومؤخره، ويقال أنزل بقبل هذا الجبل أي بسفحه فمعنى ( في قبل عدتهنّ ) في مقدم عدّتهنّ وأمامها كما يقتضيه ظاهر الأمثلة وما ذكره من أن قبل الشيء أوّله يرجع إلى هذا أيضاً، وعلى تسليم عدم الرجوع يرجع المقدّم على الأوّل بالتبادر وكثرة الاستعمال والتأييد يحصل بذلك المقدار، والحديث الذي أخرجه الشيخان مسلّم لكن جعله دليلاً على أن العدّة هي الأطهار غير مسلَّم لأنه موقوف على جعل الإشارة للحالة التي هي الطهر، ولا يقوم عليه دليل فإنّ اللام في ( يطلق لها النساء ) كاللام في ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] يجوز أن تكون بمعنى في وأن تكون بمعنى قبل فيجوز أن يكون المشار إليه الحيض، وأنث اسم الإشارة مراعاة للخبر كالضمير إذا وقع بين مرجع مذكر وخبر مؤنث فإن الأولى على ما عليه الأكثر مراعاة الخبر إذ ما مضى فات، والمعنى فتلك الحيض العدّة التي أمر الله تعالى أن يطلق قبلها النساء لا أن يطلق فيها النساء كما فهمه ابن عمر وأوقع الطلاق فيه، وقول الخطابي :«الأقراء التي تعتدّ بها المطلقة الأطهار ( دون الحيض ) لأنه ذكر ( فتلك العدّة ) بعد الطهر » مجاب عنه بأنّ ذكره بعد الطهر لا يقتضي أن يكون مشاراً إليه لجواز أن يكون ذكر الطهر للإشارة إلى أنّ الحيض المحفوف بالطهر يكون عدّة، وحينئذ لا يحتاج ذكر الطهر الثاني إلى نكتة وهي أنه إذا راجعها في الطهر الأوّل بالجماع لم يكن طلاقها فيه للسنة فيحتاج للطهر الثاني ليصح فيه إيقاع الطلاق السني، وأن لا يكون الرجعة لغرض الطلاق فقط، وأن يكون كالتوبة عن المعصية باستبدال حاله، وأن يطول مقامه معها فلعله يجامعها فيذهب ما في نفسها من سبب الطلاق فيمسكها هذا ما يرجع إلى الدفع، وأمّا الاستدلال على أنّ القرء الحيض فهو ما أخرجه أبو داود والترمذي، وابن ماجه والدارقطني عن عائشة أنه ﷺ قال :" طلاق الأمة تطليقتان، وعدّتها حيضتان " فصرح بأنّ عدّة الأمة حيضتان، ومعلوم أن الفرق بين الحرّة والأمة باعتبار مقدار العدّة لا في جنسها فيلتحق قوله تعالى :﴿ثلاثة قُرُوء﴾ للإجمال الكائن بالاشتراك بياناً به وكونه لا يقاوم ما أخرجه/ الشيخان في قصة ابن عمر رضي الله تعالى عنه لضعفه لأن فيه مظاهراً ولم يعرف له سواه، لا يخلو عن بحث، أما أولاً : فلما علمت أن ذلك الحديث ليس بنص في المدعى، وأما ثانياً : فلأن تعليل تضعيف مظاهر غير ظاهر، فإن ابن عدي أخرج له حديثاً آخر ووثقه ابن حبان، وقال الحاكم : ومظاهر شيخ من أهل البصرة ولم يذكره أحد من متقدمي مشايخنا بجرح فإذاً إن لم يكن الحديث صحيحاً كان حسناً، ومما يصحح الحديث عمل العلماء على وفقه قال الترمذي عقيب روايته : حديث غريب والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب الرسول ﷺ وغيرهم، وفي الدارقطني قال القاسم وسالم : وعمل به المسلمون، وقال مالك : شهرة الحديث تغني عن سنده كذا في «الفتح »، ومن أصحابنا من استدل بأنه لو كان المراد من القرء الطهر لزم إبطال موجب الخاص أعني لفظ ( ثلاثة ) فإنه حينئذ تكون العدة طهرين، وبعض الثالث في الطلاق المشهور ولايخفى أنه كأمثاله في هذا المقام ناشئ عن قلة التدبر فيما قاله الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه ؛ فلهذا اعترضوا به عليه لأنه إنما جعل القرء الانتقال من الطهر إلى الحيض، أو الطهر المنتقل منه لا الطهر الفاصل بين الدمين والانتقال المذكور، أو الطهر المنتقل منه تام على أن كون الثلاثة اسماً لعدد كامل غير مسلم.
والتحقيق فيه أنه إذا شرع في الثالث ساغ الإطلاق ألا تراهم يقولون هو ابن ثلاث سنين وإن لم تكمل الثالثة، وذلك لأن الزائد جعل فرداً مجازا، ثم أطلق على المجموع اسم العدد الكامل، ومن الشافعية من جعل القرء اسماً للحيض الذي يحتوشه دمان وجعل إطلاقه على بعض الطهر وكله، كإطلاق الماء والعسل، قالوا : والاشتقاق مرشد إلى معنى الضم والاجتماع، وهذا الطهر يحصل فيه اجتماع الدم في الرحم وبعضه وكله في الدلالة على ذلك على السواء وأطالوا الكلام في ذلك والإمامية وافقوهم فيه واستدلوا عليه برواياتهم عن الأئمة والرواية عن علي كرم الله تعالى وجهه في هذا الباب مختلفة، وبالجملة كلام الشافعية في هذا المقام قوي كما لا يخفى على من أحاط بأطراف كلامهم واستقرأ ما قالوه وتأمل ما دفعوا به أدلة مخالفيهم وفي «الكشف » بعض الكشف وما في «الكشاف » غير شاف لبغيتنا، وهذا المقدار يكفي أنموذجاً.
هذا وكان القياس ذكر القرء بصيغة القلة التي هي الأقراء ولكنهم يتوسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من البناءين مكان الآخر ولعل النكتة المرجحة لاختياره ههنا أن المراد بالمطلقات ههنا جميع المطلقات ذوات الأقراء الحرائر وجميعها متجاوز فوق العشرة فهي مستعملة مقام جمع الكثرة ولكل واحدة منها ثلاثة أقراء فيحصل في الأقراء الكثرة فحسن أن يستعمل جمع الكثرة في تمييز الثلاثة تنبيهاً على ذلك وهذا كما استعمل ( أنفسهن ) مكان نفوسهن للإشارة إلى أن الطلاق ينبغي أن يقع على القلة
{ و
﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ أي ينتظرن، وهو خبر قصد منه الأمر على سبيل الكناية فلا يحتاج في وقوعه خبراً لمبتدأ إلى التأويل على رأي من لم يجوّز وقوع الإنشاء خبراً من غير تأويل، وقيل : إنّ الجملة الاسمية خبرية بمعنى الأمر، أي : ليتربصن المطلقات ولا يخفى أنه لا يحتاج إليه، وتغيير العبارة للتأكيد بدلالته على التحقيق لأن الأصل في الخبر الصدق والكذب احتمال عقلي، والإشعار بأنه مما يجب أن يسارع إلى امتثاله حيث أقيم اللفظ الدال على الوقوع مقام الدال على الطلب، وفي ذكره متأخراً عن المتبدأ فضل تأكيد لما فيه من إفادة التقوى على أحد الطريقين المنقولين عن الشيخ عبد القاهر والسكاكي، وقيد التربص هنا بقوله سبحانه وتعالى :﴿بِأَنفُسِهِنَّ﴾ وتركه في قوله تعالى :﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [ البقرة : ٦ ٢٢ ] لتحريض النساء على التربص لأن الباء للتعدية فيكون المأمور به أن يقمعن أنفسهن ويحملنها على الانتظار، وفيه إشعار بكونهنّ مائلات إلى الرجال وذلك مما يستنكفن منه، فإذا سمعن هذا تربصن وهذا بخلاف الآية السابقة فإن المأمور فيها بالتربص الأزواج وهم وإن كانوا طامحين إلى النساء لكن ليس لهم استنكاف منه، فذكر الأنفس فيها لا يفيد تحريضهم على التربص
﴿ثلاثة قُرُوء﴾ نصب على الظرف لكونه عبارة عن المدّة، والمفعول به محذوف لأن التربص متعدّ قال تعالى :﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ الله﴾ [ التوبة : ٢ ٥ ] أي يتربصن التزوّج، وفي حذفه إشعار بأنهنّ يتركن التزوّج في هذه المدة بحيث لا يتلفظن به، وجوّز أن يكون على المفعولية بتقدير مضاف أي : يتربصن مضيها.
القروء جمع قرء بالفتح والضم والأوّل أفصح وهو يطلق للحيض لما أخرج النسائي وأبو داود والدارقطني «أن فاطمة ابنة أبي حبيش قالت : يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر أفدع الصلاة ؟ فقال ﷺ :«لا، دعي الصلاة أيام أقرائك » ويطلق للطهر الفاصل بين الحيضتين كما في ظاهر قول الأعشى :
| أفي كل عام أنت جاشم غزوة | تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا |
| مورثة مالاً وفي الحي رفعة | لما ضاع فيها من قروء نسائكا |
وفيما نحن فيه قرينة تدل على كونه قبله لأن التطليق يكون قبل العدة لا مقارناً لها، ويؤيده قراءة النبي ﷺ ( في قبل عدتهن ) ففي «الصحاح » القُبْل والقُبُل نقيض الدُّبْر والدُّبُر، ووقع السهم بقبل الهدف وبدبره وقُدّ قميصه من قُبُل ودُبُر أي من مقدمه ومؤخره، ويقال أنزل بقبل هذا الجبل أي بسفحه فمعنى ( في قبل عدتهنّ ) في مقدم عدّتهنّ وأمامها كما يقتضيه ظاهر الأمثلة وما ذكره من أن قبل الشيء أوّله يرجع إلى هذا أيضاً، وعلى تسليم عدم الرجوع يرجع المقدّم على الأوّل بالتبادر وكثرة الاستعمال والتأييد يحصل بذلك المقدار، والحديث الذي أخرجه الشيخان مسلّم لكن جعله دليلاً على أن العدّة هي الأطهار غير مسلَّم لأنه موقوف على جعل الإشارة للحالة التي هي الطهر، ولا يقوم عليه دليل فإنّ اللام في ( يطلق لها النساء ) كاللام في ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] يجوز أن تكون بمعنى في وأن تكون بمعنى قبل فيجوز أن يكون المشار إليه الحيض، وأنث اسم الإشارة مراعاة للخبر كالضمير إذا وقع بين مرجع مذكر وخبر مؤنث فإن الأولى على ما عليه الأكثر مراعاة الخبر إذ ما مضى فات، والمعنى فتلك الحيض العدّة التي أمر الله تعالى أن يطلق قبلها النساء لا أن يطلق فيها النساء كما فهمه ابن عمر وأوقع الطلاق فيه، وقول الخطابي :«الأقراء التي تعتدّ بها المطلقة الأطهار ( دون الحيض ) لأنه ذكر ( فتلك العدّة ) بعد الطهر » مجاب عنه بأنّ ذكره بعد الطهر لا يقتضي أن يكون مشاراً إليه لجواز أن يكون ذكر الطهر للإشارة إلى أنّ الحيض المحفوف بالطهر يكون عدّة، وحينئذ لا يحتاج ذكر الطهر الثاني إلى نكتة وهي أنه إذا راجعها في الطهر الأوّل بالجماع لم يكن طلاقها فيه للسنة فيحتاج للطهر الثاني ليصح فيه إيقاع الطلاق السني، وأن لا يكون الرجعة لغرض الطلاق فقط، وأن يكون كالتوبة عن المعصية باستبدال حاله، وأن يطول مقامه معها فلعله يجامعها فيذهب ما في نفسها من سبب الطلاق فيمسكها هذا ما يرجع إلى الدفع، وأمّا الاستدلال على أنّ القرء الحيض فهو ما أخرجه أبو داود والترمذي، وابن ماجه والدارقطني عن عائشة أنه ﷺ قال :" طلاق الأمة تطليقتان، وعدّتها حيضتان " فصرح بأنّ عدّة الأمة حيضتان، ومعلوم أن الفرق بين الحرّة والأمة باعتبار مقدار العدّة لا في جنسها فيلتحق قوله تعالى :﴿ثلاثة قُرُوء﴾ للإجمال الكائن بالاشتراك بياناً به وكونه لا يقاوم ما أخرجه/ الشيخان في قصة ابن عمر رضي الله تعالى عنه لضعفه لأن فيه مظاهراً ولم يعرف له سواه، لا يخلو عن بحث، أما أولاً : فلما علمت أن ذلك الحديث ليس بنص في المدعى، وأما ثانياً : فلأن تعليل تضعيف مظاهر غير ظاهر، فإن ابن عدي أخرج له حديثاً آخر ووثقه ابن حبان، وقال الحاكم : ومظاهر شيخ من أهل البصرة ولم يذكره أحد من متقدمي مشايخنا بجرح فإذاً إن لم يكن الحديث صحيحاً كان حسناً، ومما يصحح الحديث عمل العلماء على وفقه قال الترمذي عقيب روايته : حديث غريب والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب الرسول ﷺ وغيرهم، وفي الدارقطني قال القاسم وسالم : وعمل به المسلمون، وقال مالك : شهرة الحديث تغني عن سنده كذا في «الفتح »، ومن أصحابنا من استدل بأنه لو كان المراد من القرء الطهر لزم إبطال موجب الخاص أعني لفظ ( ثلاثة ) فإنه حينئذ تكون العدة طهرين، وبعض الثالث في الطلاق المشهور ولايخفى أنه كأمثاله في هذا المقام ناشئ عن قلة التدبر فيما قاله الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه ؛ فلهذا اعترضوا به عليه لأنه إنما جعل القرء الانتقال من الطهر إلى الحيض، أو الطهر المنتقل منه لا الطهر الفاصل بين الدمين والانتقال المذكور، أو الطهر المنتقل منه تام على أن كون الثلاثة اسماً لعدد كامل غير مسلم.
والتحقيق فيه أنه إذا شرع في الثالث ساغ الإطلاق ألا تراهم يقولون هو ابن ثلاث سنين وإن لم تكمل الثالثة، وذلك لأن الزائد جعل فرداً مجازا، ثم أطلق على المجموع اسم العدد الكامل، ومن الشافعية من جعل القرء اسماً للحيض الذي يحتوشه دمان وجعل إطلاقه على بعض الطهر وكله، كإطلاق الماء والعسل، قالوا : والاشتقاق مرشد إلى معنى الضم والاجتماع، وهذا الطهر يحصل فيه اجتماع الدم في الرحم وبعضه وكله في الدلالة على ذلك على السواء وأطالوا الكلام في ذلك والإمامية وافقوهم فيه واستدلوا عليه برواياتهم عن الأئمة والرواية عن علي كرم الله تعالى وجهه في هذا الباب مختلفة، وبالجملة كلام الشافعية في هذا المقام قوي كما لا يخفى على من أحاط بأطراف كلامهم واستقرأ ما قالوه وتأمل ما دفعوا به أدلة مخالفيهم وفي «الكشف » بعض الكشف وما في «الكشاف » غير شاف لبغيتنا، وهذا المقدار يكفي أنموذجاً.
هذا وكان القياس ذكر القرء بصيغة القلة التي هي الأقراء ولكنهم يتوسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من البناءين مكان الآخر ولعل النكتة المرجحة لاختياره ههنا أن المراد بالمطلقات ههنا جميع المطلقات ذوات الأقراء الحرائر وجميعها متجاوز فوق العشرة فهي مستعملة مقام جمع الكثرة ولكل واحدة منها ثلاثة أقراء فيحصل في الأقراء الكثرة فحسن أن يستعمل جمع الكثرة في تمييز الثلاثة تنبيهاً على ذلك وهذا كما استعمل ( أنفسهن ) مكان نفوسهن للإشارة إلى أن الطلاق ينبغي أن يقع على القلة
{ و