التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم ساقت السورة في خمس آيات أحكام الطلاق، وفصلت أحواله، وبينت مراته، وذكرت ما ينبغي أن يكون عليه من عدل وتسامح حتى لا يقع ظلم أو جور على أحد الزوجين. استمع إلى القرآن الكريم وهو يبين ذلك بأسلوبه الحكيم المؤثر فيقول :
﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء وَلاَ يَحِلُّ...﴾
قوله - تعالى - :﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء﴾ معطوف على ما قبله لشدة المناسبة، وللاتحاد في الحكم وهو التربص الذي سبقت الإِشارة إليه في قوله :﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ والتربص : التأني والتريث والانتظار.
والقروء : جمع قرء - بضم القاف وفتحها -.
قال الطبرسي : وأصله في اللغة يحتمل وجهين :
أحدهما : الاجتماع ومنه القرآن لاجتماع حروفه.. فعلى هذا يقال أقرأت المرأة فهي مقرئ إذا حاضت، وذلك لاجتماع الدم في الرحم.
والوجه الثاني : أن أصل القرء الوقت الجارى في الفعل على عادة، يقال : هذا قارئ الرياح أي وقت هبوبها ".
والمعنى : أن على المطلقات أن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء بدو نكاح ثم لها أن تتزوج بعد ذلك إن شاءت.
والمراد بالمطلقات أن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء بدون نكاح ثم لها أن تتزوج بعد ذلك إن شاءت.
والمراد بالمطلقات هنا المدخول بهن من ذوات الحيض غير الحوامل، لأن غيرهن قد بين الله - تعالى - عدتهن في مواضع أخرى.
والمتوفي عنها زوجها بين الله عدتها بقوله :﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ ومن لا يحضن ليأس من الحيض، أو لأنهن لم يرين الحيض فقد بين الله - تعالى - عدتهن بقوله :﴿واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ واللائي لَمْ يَحِضْنَ﴾ أي : واللائي لم يحضن فعدتهن كذلك ثلاثة أشهر.
وذوات الحمل بين الله - تعالى - عدتهن بقوله :﴿وَأُوْلاَتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وغير المدخول بها لا عدة عليها لقوله - تعالى - :﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ وقوله :﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ جملة خبرية اللفظ إنشائية المعنى أي " ليتربصن " وإخراج الأمر في صورة الخبر - كما يقول الزمخشري - " تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص. فهو يخبر عنه موجوداً. ونحوه قولهم في الدعاء : " رحمك الله " أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة. كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضاً فضل توكيد. ولو قيل : " ويتربص المطلقات " لم يكن بتلك الوكادة ".
وفي قوله - تعالى - ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ما فيه من الإبداع في الإِشارة والنزاهة في العبادة والسمو في المعنى، وذلك لأن المرأة المطلقة كثيراً ما تشعر بعد طلاقها بأنها في حاجة إلى أن تثبت أن إخفاقها في حياتها الزوجية السابقة ليس لنقص فيها، أو لعجز عن إنشاء حياة زوجية أخرى، وهذا الشعور قد يدفعها إلى التسرع والاندفاع من أجل إنشاء هذه الحياة وهنا تبرز طريقة القرآن الحكيمة في معالجة النفوس، إنه يقول للملطقة : إن التطلع إلى إنشاء حياة زوجية أخرى ليس عيباً، ولكن الكرامة توجب عليها الانتظار والتريث، إذ لا يليق بالحرة الكريمة أن تنتقل بين الأزواج تنقلا سريعاً.
. وأيضاً فإن نداء الفطرة، وتعاليم الشريعة توجبان عليها الانتظار مدة ثلاثة قروء، لكي تستبرئ رحمها، حتى إذا كان هناك حمل نسب إلى الأب الشرعي له.
وفي قوله - تعالى - :﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ إشعار بأن هذا التربص يجب أن يكون من ذات أنفسهن وليس من عامل خارجي، فشأن الحرة الكريمة المؤمنة أن تحجز نفسها بنفسها عن كل ما يتنافى مع الكرامة والشرف، فقد تجوع الحرة ولكنها لا تأكل بثديها - كما يقولون -.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى المعنى بقوله : فإن قلت وما معنى ذكر الأنفس - هنا - ؟
قلت : في ذكر الأنفس تهيج لهن على التربص وزيادة بعث، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن. وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال. فأمرن أن يقمعن أنفسهن، ويغلبنها على الطموح، ويجبرنها على التربص ".
وقوله - تعالى - :﴿ثَلاَثَةَ قرواء﴾ نصب ثلاثة على النيابة عن المفعول فيه، لأن الكلام على تقدير مضاف، أي مدة ثلاثة قروء، فلما حذف المضاف خلفه المضاف إليه في الإعراب.
هذا وللعلماء رأيان شهيران في المراد بقوله - تعالى - :﴿ثَلاَثَةَ قرواء﴾
فالأحناف والحنابلة ومن قبلهم عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم يرون أن المراد بالقروء هنا الحيضات والمعنى عندهم : أن المطلقات عليهن أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن مدة ثلاث حيضات بدون زواج بعد ذلك لهن أن يتزوجن إن شئن.
ومن أدلتهم : أن النبي ﷺ قد فسر القرء بمعنى الحيض فقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي عن فاطمة بنت أبي حبيش أن رسول الله ﷺ قال لها : " دعي الصلاة أيام أقرائك ".
ولا شك أن المراد بالقرء في هذا الحديث الحيض، لأنه هو الذي لا تصح معه الصلاة.
أما المالكية والشافعية ومن قبلهم عائشة وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت والزهري وغيرهم فيرون أن المراد بالقروء هنا الأطهار، أي الأوقات التي تكون بين الحيضتين للنساء.
ومعنى الآية عندهم : أن على الملطقات أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن ثلاثة أطهار بدون زواج ثم بعد ذلك يتزوجن إذا شئن.
ومن أدلتهم : أن الله - تعالى - يقول :﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وقد بينت السنة النبوية أن الطلاق لا يكون في الحيض، فلا يتصور أن يكون الطلاق في العدة إلا إذا فسرنا القرء بالطهر لا بالحيض.
وروى عن عائشة أنها قالت : هل تدرون الأقراء ؟ الأقراء الأطهار.
قال صاحب المنار قال الأستاذ الإِمام : والخطب في الخلاف سهل، لأن المقصود من هذا التربص العلم ببراءة الرحم من الزوج السابق، وهو يحصل بثلاث حيض كما يحصل بثلاث أطهار.. ومن النادر أن يستمر الحيض إلى آخر الحمل فكل من القولين موافق لحكمة الشرع في المسألة.
ثم قال - تعالى - :﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله في أَرْحَامِهِنَّ﴾. أي : ولا يحل للنساء المطلقات أن يكتمن أمانة الله التي خلقها في أرحامهن من ولد لكي ينسبنه إلى غير أبيه، أو من حيض أو طهر لكي تطول العدة، ويمتد الإِنفاق من الأزواج عليهن. فإن هذا الكتمان كذب على الله، وخيانة للأمانة التي أودعها الله في أحشائهن وأمرهن بالوفاء بها، سيحاسب الله من يفعل ذلك منهن حساباً شديداً، ويعاقبه عقاباً أليماً.
وقوله :﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر﴾ تحريض لهن على عدم الكتمان وعلى الأخبار الصادق حتى تستقيم الأحكام، وتتقرر الحقوق، وتحذير لهن من الكتمان ومن اتباع الهوى والشيطان أي : أن على المطلقات ألا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن جرين على ما يقتضيه الإِيمان، إذ الإِيمان يبعث على الصدق ويدعو إلى المحافظة على الأمانة، فإن لم يفعلن ذلك وكتمن ما خلق الله في أرحامهن، كن ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر إيمانا حقيقياً، لأن من شأن المؤمنات الكاملات في إيمانهن ألا يفعلن ذلك.
قال الإمام الرازي : أما قوله ﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر﴾ فليس المراد أن ذلك النهى - عن الكتمان - مشروط بكونها مؤمنة، بل هذا كما تقول للرجل الذي يظلم : إن كنت مؤمنا فلا تظلم. تريد إن كنت مؤمناً فينبغي أن يمنعكم إيمانك عن ظلمي، ولا شك أن هذا تهديد شديد للنساء.. والآية الدالة على أن كل من جعل أميناً في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد ".
هذا، وقد قرر الفقهاء أن القول فيما يتعلق بعدة المرأة ابتداء وانتهاء مرجعه إليها، لأنه أمر يتعلق بها ولا يعلم إلا من جهتها، إلا أنهم مع ذلك قرروا مدة ينتهي قولها عنده، ولا يعمل بقولها إن نقصت عن تلك المدة. فلو ادعت - أنها قد انقضت عدتها بعد شهر من طلاقها لا يقبل قولها.
وللفقهاء كلام طويل في هذه المسألة مبسوط في كتب الفقه فليرجع إليه من شاء ذلك.
ثم قال - تعالى - :﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أرادوا إِصْلاَحاً﴾.
قال القرطبي : البعولة جمع البعل وهو الزوج، سمى بعلا لعلوه على الزوجة بما قد ملكه من زوجيتها، ومنه قوله - تعالى - :﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً﴾ أي رباً، لعلوه في الربوبية.
. والبعولة أيضاً مصدر البعل. وبعل الرجل بيعل - كمنع يمنع - أي صار بعلا. والمباعلة والبعال : الجماع، ومنه قوله ﷺ لأيام التشريق : " إنها أيام أكل وشرب وبعال ".
والمعنى : وأزواج المطلقات طلاقاً رجعياً أحق بردهن ومراجعتهن في ﴿ذَلِكَ﴾ أي في وقت التربص قبل انقضاء العدة ﴿إِنْ أرادوا إِصْلاَحاً﴾ أي إن أرادوا بهذه المراجعة الإِصلاح لا الإِضرار، كما سيأتي في قوله - تعالى - :﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ﴾.
قال القرطبي : وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة وكانت مدخولا بها تطليقه أو تطليقتين، أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها وإن كرهت المرأة، فإن لم يراجعها الملطق حتى انقضت عدتها فهي أحق بنفسها وتصير أجنبية منه، ولا تحل له إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولى وإشهاد ليس على صفة المراجعة، وهذا إجماع من العلماء ".
وفي هذه الجملة الكريمة بيان لبعض الحكم السامية التي أرادها الله - تعالى - من وراء مشروعية العدة. فالله - تعالى - جعل للمطلق فرصة - هي مدة ثلاثة قروء - لكي يراجع نفسه، ويتدبر أمره، لعله خلال هذه المراجعة وذلك التبدر يرى أن الخير في بقاء زوجته معه فيراجعها، رعاية لرابطة المودة والرحمة التي جعلها الله - تعالى - بين الزوجين.
وقوله - تعالى - :﴿إِنْ أرادوا إِصْلاَحاً﴾ شرط المقصود منه حض المطلق على أن ينوي بإرجاعه لمطلقته إصلاح أحوالهما، بإرشادها إلى ما من شأنه أن يجعل حياتهما الزوجية مستمرة لا منقطعة، أما إذا راجعها على نية الكيد والأذى والمضارة ففي هذه الحالة يكون آثماً وسيعاقبه الله على ذلك بما يستحقه.
قال الآلوسي : وليس المراد من التعليق اشتراط جواز الرجعة بإرادة الإِصلاح حتى لو لم يكن قصده لا تجوز، للإِجتماع على جوازها مطلقاً، بل المراد تحريضهم على قصد الإِصلاح حيث جعل كأنه منوط به ينتفى بانتفائه ".
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله :﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بالمعروف وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
أي : وللنساء على الرجال مثل ما للرجال على النساء. فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب

تفسير هذه الآية من كتب أخرى