البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
القرء : أصله في اللغة الوقت المعتاد تردده، وقرء النجم وقت طلوعه ووقت غروبه، ويقال منه : أقرأ النجم أي طلع أو غرب، وقرء المرأة حيضها وطهرها، فهو من الأضداد، قاله أبو عمرو، ويونس، وأبو عبيد ؛ ويقال منهما : أقرأت المرأة، وقال أبو عمرو : من العرب من يسمي الحيض مع الطهر قرءاً، وقال بعضهم : القرء ما بين الحيضتين، وقال الأخفش : أقرأت صارت صاحبة حيض، فإذا حاضت قلت قرت بغير ألف.
وقيل : القرء أصله الجمع من قولهم، قرأت الماء في الحوض، جمعته، ومنه : ما أقرأت هذه الناقة سلاً قطُّ، أي : ما جمعت في بطنها جنيناً، فإذا أريد به الحيض : فهو اجتماع الدم في الرحم، أو الطهر، فهو اجتماع الدم في البدن.
الرحم : الفرج من المؤنث، وقد يستعار للقرابة، يقال : بينهما رحم، أي قرابة، ويصل الرحم.
البعل : الزوج يقال منه، بعل يبعل بعولة، أي : صار بعلاً، وباعل الرجل امرأته إذا جامعها، وهي تباعله إذا فعلت ذلك معه، وامرأة حسنة التبعيل إذا كانت تحسن عشرة زوجها، والبعل أيضاً الملك، وبه سمي الصنم لأنه المكتفي بنفسه، ومنه بعل النخل.
وجمع البعل : بعول وبعولة، كفحل وفحولة، التاء فيه لتأنيث الجمع ولا ينقاس، فلا يقال : في كعوب جمع كعب كعوبة.
الرجل : معروف يجمع على : رجال، وهو مشتق من الرجلة، وهي القوة، يقال : رجل بيِّن الرجولة والرجلة، وهو أرجل الرجلين أي : أقواهما، وفرس رجيل قوي على المشي، ومنه : سميت الرجل لقوّتها على المشي، وارتجل الكلام قوي عليه، وترجل النهار قوي ضياؤه، ويقال : رجل ورجلة، كما قالوا : امرؤ وامرأة، وكتبتَ من خط أستاذنا أبي جعفر بن الزبير رحمه الله تعالى :
كل جار ظل مغتبطاً***
غير جيراني بني جبله
هتكوا جيب فتاتهم***
لم يبالوا حرمة الرجله
الدرجة : المنزلة، وأصله من درجت الشيء وأدرجته : طويته، ودرج القوم فنوا، وأدرجهم الله فهو كطي الشيء منزلة منزلة والدرجة المنزلة من منازل الطي، ومنه الدرجة التي يرتقى إليها.
﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ذكر بعضهم في سبب نزول هذه الآية ما لا يعد سبباً، ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة جداً، لأنه حكم غالب من أحكام النساء، لأن الطلاق يحصل به المنع من الوطء والاستمتاع دائماً، وبالإيلاء منع نفسه من الوطء مدة محصورة، فناسب ذكر غير المحصور بعد ذكر المحصور، ومشروع تربص المولي أربعة أشهر، ومشروع تربص هؤلاء ثلاثة قروء، فناسب ذكرها بعقبها، وظاهر : والمطلقات، العموم، ولكنه مخصوص بالمدخول بهن ذوات الأقراء، لأن حكم غير المدخول بها، والحامل، والآيسة منصوص عليه مخالف لحكم هؤلاء.
وروي عن ابن عباس وقتادة أن الحكم كان عاماً في المطلقات، ثم نسخ الحكم من المطلقات سوى المدخول بها ذات الإقراء، وهذا ضعيف، وإطلاق العام ويراد به الخاص لا يحتاج إلى دليل لكثرته، ولا أن يجعل سؤالاً وجواباً.
كما قال الزمخشري، قال : فإن قلت كيف جازت إرادتهن خاصة واللفظ يقتضي العموم.
قلت : بل اللفظ مطلق في تناول الجنس، صالح لكله وبعضه، فجاء في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك. انتهى.
وما ذكره ليس بصحيح، لأن دلالة العام ليست دلالة المطلق، ولا لفظ العام مطلق في تناول الجنس صالح لكله وبعضه، بل هي دلالة على كل فرد فرد، موضوعة لهذا المعنى، فلا يصلح لكل الجنس وبعضه، لأن ما وضع عاماً يتناول كل فرد فرد، ويستغرق الأفراد لا يقال فيه : إنه صالح لكله وبعضه، فلا يجيء في أحد ما يصلح له، ولا هو كالاسم المشترك، لأن الأسم المشترك له وضعان وأوضاع بإزاء مدلوليه أو مدلولاته، فلكل مدلول وضع، والعام ليس له إلاَّ وضع واحد على ما أوضحناه، فليس كالمشترك.
﴿والمطلقات﴾ مبتدأ و ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ خبر عن المبتدأ، وصورته صورة الخبر، وهو أمر من حيث المعنى، وقيل : هو أمر لفظاً ومعنىً على إضمار اللام أي : ليتربصن، وهذا على رأي الكوفيين، وقيل : والمطلقات على حذف مضاف، أي : وحكم المطلقات ويتربصن على حذف : أن، حتى يصح خبراً عن ذلك المضاف المحذوف، التقدير : وحكم المطلقات أن يتربصن، وهذا بعيد جداً.
وقال الزمخشري، بعد أن قال : هو خبر في معنى الأمر، قال : فإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد الأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص، فهو يخبر عنه، موجوداً، ونحوه قولهم في الدعاء : رحمه الله، أخرج في صورة الخبر عن الله ثقة بالاستجابة، كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها، وبناؤه على المبتدأ مما زاد فضل تأكيد، ولو قيل : ويتربصن المطلقات، لم يكن بتلك الوكادة. انتهى.
وهو كلام حسن، وإنما كانت الجملة الابتدائية فيها زيادة توكيد على جملة الفعل والفاعل لتكرار الاسم فيها مرتين : إحداهما بظهوره، والأخرى بإضماره، وجملة الفعل والفاعل يذكر فيها الاسم مرة واحدة.
وقال في ( ري الظمآن ) زيد فعل يستعمل في أمرين : أحدهما : تخصيص ذلك الفعل بذكر الأمر، كقولهم : أنا كتبت في المهمّ الفلاني إلى السلطان، والمراد دعوى الانفراد.
الثاني : أن لا يكون المقصود ذلك، بل المقصود أن تقديم المحدث عنه بحديث آكد لإثبات ذلك الفعل له، كقولهم : هو يعطى الجزيل، لا يريد الحصر، بل المراد أن يحقق عند السامع أن إعطاء الجزيل دأبه.
ومعنى يتربصن : ينتظرن ولا يقدمن على تزوج.
وقال القرطبي : هو خبر على بابه، وهو خبر عن حكم الشرع، فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع، قيل : وحمله على الخبر هو الأولى، لأن المخبر به لا بد من كونه، وأما الأمر فقد يمتثل، وقد لا يمتثل، ولأنها لا تحتاج إلى نية وعزم وتربص متعدٍ، إذ معناه : انتظر.
وجاء في القرآن محذوفاً مفعوله، ومثبتاً، فمن المحذوف هذا، وقدروه : بتربص التزويج، أو الأزواج، ومن المثبت قوله :﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ﴾ ﴿نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون﴾
و : بأنفسهن، متعلق : بتربص، وظاهر الباء مع تربص أنها للسبب، أي : من أجل أنفسهن، ولا بد أن ذلك من ذكر الأنفس، لأنه لو قيل في الكلام : يتربص بهن لم يجز، لأنه فيه تعدية الفعل الرافع لضمير الاسم المتصل إلى الضمير المجرور، نحو : هند تمر بها، وهو غير جائز، ويجوز هنا أن يكون زائدة للتوكيد، والمعنى : يتربصن أنفسهن، كما تقول : جاء زيد بنفسه، وجاء زيد بعينه، أي : نفسه وعينه، لا يقال : إن التوكيد هنا لا يجوز، لأنه من باب توكيد الضمير المرفوع المتصل، وهو النون التي هي ضمير الإناث في : تربصن، وهو يشترط فيه أن يؤكد بضمير منفصل، وكان يكون التركيب : يتربصن هن بأنفسهن، لأن هذا التوكيد، لما جرّ بالباء، خرج عن التبعية، وفقدت فيه العلة التي لأجلها امتنع أن يؤكد الضمير المرفوع المتصل، حتى يؤكد بمنفصل، إذا أريد التوكيد للنفس والعين، ونظير جواز هذا : أحسن بزيد وأجمل، التقدير : وأجمل به، فحذف وإن كان فاعلاً، هذا مذهب البصريين، ولأنه لما جرّ بالباء خرج في الصورة عن الفاعل، وصار كالفضلة، فجاز حذفه : هذا على أن الأخفش ذكر في المسائل جواز : قاموا أنفسهم، من غير توكيد، وفائدة التأكيد هنا : أنهنّ يباشرن التربص، وزوال احتمال أن غيرهنّ تباشر ذلك بهنّ، بل أنفسهنّ هنّ المأمورات بالتربص، إذ ذاك أدعى لوقوع الفعل منهنّ، فاحتيج إلى ذلك التأكيد لما في طباعهنّ من الطموح إلى الرجال والتزويج، فمتى أكد الكلام دل على شدة المطلوبة.
وانتصاب : ثلاثة، على أنه ظرف، إذ قدرنا : تربص، قد أخذ مفعوله، والمعنى : مدة ثلاثة قروء، وقيل : انتصابه على أنه مفعول، أي : ينتظرن معنى ثلاثة قروء، وكلا الإعرابيين منقول.
وتقدم الكلام في مدلول القروء في لسان العرب، واختلف في المراد هنا.
فقال أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبو موسى، وابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعكرمة، والضحاك، ومقاتل، والسدي، والربيع، وأبو حنيفة وأصحابه، وغيرهم من فقهاء الكوفة : هو الحيض.
وقال زيد بن ثابت، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس، والزهري، وأبان بن عثمان، وسليمان بن يسار، والأوزاعي، والثوري، والحسن بن صالح، ومالك، والشافعي، وغيرهم من فقهاء الحجاز : هو الطهر.
وقال أحمد : كنت أقول القرء الطهر، وأنا الآن أذهب إلى أنه الحيض.
وروي عن الشافعي : أن القرء : الانتقال من الطهر إلى الحيض، ولا يرى الانتقال من الحيض إلى الطهر قرءاً.
وقد تقدّم قول آخر : إنه الخروج من طهر إلى حيض، أو من حيض إلى طهر.
ولذكر ترجيح كل قائل ما ذهب إليه مكان غير هذا.
وظاهر قوله : ثلاثة قروء، أن العدّة تنقضي بثلاثة القروء، ومن قال : إن القرء الحيض يقول، إذا طلقت في طهر لم توطأ فيه استقبلت حيضة ثم حيضة ثم حيضة ثم تغتسل، فبالغسل تنقضي العدة.
روي عن علي، وابن مسعود، وأبي موسى، وغيرهم من الصحابة :«أن زوجها أحق بردّها ما لم تغتسل » حتى قال شريك : لو فرطت في الغسل، فلم تغتسل عشرين سنة، كان زوجها أحق بالرجعة والذي يظهر من الآية أن الغسل لا دخول له في انقضاء العدة.
وروي عن زيد، وابن عمر، وعائشة : إذا دخلت في الحيضة الثالثه فلا سبيل له عليها، ولا تحل للأزواج حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وذلك أن هؤلاء يقولون بأن القرء هو الطهر، فإذا اطلقت في طهر لم تمس فيه، اعتدت بما بقي منه، ولو ساعة، ثم استقبلت طهراً ثانياً بعد حيضة، ثم ثالثاً بعد حيضة ثانية، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج وخرجت من العدة بأوّل نقطة تراها، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، وداود.
وقال أشهب : لا تنقطع العصمة والميراث إلاَّ بتحقق أنه دم حيض، لاحتمال أن يكون دفعة دم من غير الحيض، وكل من قال : إن القرء الاطهار، يعتد بالطهر الذي طلقت فيه، وشذا بن شهاب فقال : تعتد بثلاثة أقراء سوى بقية ذلك الطهر، ولا تنقضي العدة حتى تدخل في الحيضة الرابعة، لأن الله تعالى قال :﴿ثلاثة قُرُوء﴾، ولو، طلقت في الحيض انقضت عدتها بالشروع في الحيضة الرابعة.
وقال أبو حنيفة : لا تنقضي عدتها ما لم تطهر من الحيضة الرابعة، وقال : إذا طهرت لأكثر الحيض انقضت عدتها قبل الغسل أو لأوّله، فلا تنقضي حتى تغتسل، أو تتيمم عند عدم الماء، أو يمضي عليها وقت الصلاة.
وظاهر عموم المطلقات دخول الزوجة الأمة في الاعتداد بثلاثة قروء، وبه قال داود، وجماعة أهل الظاهر، وعبد الرحمن بن كيسان الأصم ؛ وروي عن ابن سيرين أنه قال : ما أرى عدة الأمة إلاَّ كعدة الحرة، إلاَّ أن مضت سنة في ذلك، فالسنة أحق أن تتبع وقال الجمهور : عدتها قُرءان.
وقرأ الجمهور : وقروء، على وزن فعول ؛ وقرأ الزهري : قروّ، بالتشديد من غير همز، وروي ذلك عن نافع ؛ وقرأ الحسن : قرو بفتح القاف و

تفسير هذه الآية من كتب أخرى