تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ). قال عروة بن الزبير : كان الناس في الابتداء يطلقون من غير حصر ولا عدد، فيطلق الرجل امرأته فلما قاربت انقضاء العدة راجعها، ثم طلقها كذلك، ثم راجعها، وقال : لا أخليك تتزوجين أبدا، فنزلت الآية ( الطلاق مرتان ) » ويعني : الطلاق الذي يملك عقيبه الرجعة مرتان.
( فإمساك بمعروف ) هو الرجعة، وقيل : هو الإمساك بعد الرجعة للصحبة. وقوله :( بمعروف ) هو كل ما يعرف في الشرع من أداء حقوق النكاح، وحسن الصحبة. ( أو تسريح بإحسان ) هو أن يتركها بعد الطلاق حتى تنقضي عدتها.
«وسئل رسول الله ﷺ أين الطلقة الثالثة ؟ فقال : أو تسريح بإحسان »(١).
ولفظ السراح والفراق صريحان مثل الطلاق عند الشافعي. وقال أبو حنيفة : الصريح لفظ واحد وهو الطلاق.
وقوله تعالى :( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ) يعني : غصبا وظلما، وذلك مثل قوله في سورة النساء :( وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ) (٢).
وقوله تعالى :( إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) يعني : إنما يحل الأخذ عند إرادة الخلع، ووجود الخوف.
وقوله :( إلا أن يخافا ) يقرأ بفتح الياء وهو المعروف. وقرأ الأعمش وحمزة :" إلا أن يُخافا " بضم الياء(٣). وقرأ ابن مسعود :" إلا أن تخافوا ".
أما الأول : راجع إلى الزوجين. وأما قراءة ابن مسعود : فهي خطاب للولاة والقضاة.
وأما قراءة حمزة : قيل : إنه قصد اعتبار معنى قراءة ابن مسعود، ومعناه : إلا أن يخاف الزوجان ؛ [ فيعلم ] (٤) الولاة والقضاة. وقالوا : إنه لم يصب.
واختلفوا في معنى هذا الخوف، قال أبو عبيدة إمام اللغة : الخوف بمعنى العلم.
قال أبو إسحاق الزجاج : هو على حقيقة الخوف، معناه إلا أن يغلب على الظن خوف أن لا يقيما حدود الله.
وفيه قول ثالث : أن الخوف بمعنى الظن، قال الشاعر :
أتاني كلام من نصيب ( يقوله ) (٥) وما خفت يا سلاَّم أنك [ عائبي ] (٦)
أي : ما ظننت.
وقوله تعالى :( فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) أي : فيما اختلعت به. واختلفوا في الخلع، قال طاوس، والربيع بن أنس : يختص جواز الخلع بحال خوف النشوز ؛ تمسكا بظاهر الآية.
وقال الزهري : يختص جواز الخلع بقدر ما ساق إليها من المهر، حتى لا يجوز بالزيادة. وقال الحسن : الخلع إنما يجوز للولاة والقضاة ؛ تمسكا بظاهر الآية.
والأكثرون على أن الخلع يجوز بكل حال، وبكل قدر تراضيا عليه من الزوجين وغيرهما. وإنما الآية خرجت على وفق العادة في أن الخلع إنما يكون في حال خوف النشوز، وهو الأولى أن يؤتى بالخلع في حال النشوز، وبقدر المهر.
وقوله تعالى :( تلك حدود الله فلا تعتدوها ) أي : فلا تجاوزوها، وحدود الله : كل ما منع الشرع من المجاوزة عنه.
وقوله تعالى :( ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ). ظاهر المعنى.
١ - رواه الدارقطني (٤/٣، ٤)، والبيهقي في سننه (٧/٣٤٠) من حديث أنس وأنكراه، وصححاه من حديث أبي رزين مرسلا. وقال البيهقي: وروى عن قتادة عن أنس وليس بشيء.
ورواية أبي رزين أخرجها أحمد، وأبو داود في المراسيل، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد وابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي وغيرهم. وانظر التعليق المغنى على الدارقطني..

٢ - النساء: ٢٠..
٣ - قرأ بالياء المضمومة: أبو جعفر، ويعقوب، وحمزة.
وقرأ الباقون بفتحها. انظر النشر (٢/٢٢٧)، وتفسير البغوي (١/٢٠٧)..

٤ - في "الأصل وك": ومن الخائف، وما أثبتناه هو الصواب، انظر تفسير البغوي (١/٢٠٧)..
٥ - في "ك": يقول..
٦ - في "الأصل وك": عاصى..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى