اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ : مبتدأٌ وخبرٌ، و " الطَّلاَقُ " يجوز أن يكون مصدر " طَلَقَتِ المَرْأَةُ طَلاَقاً "، وأن يكون اسم مصدر، وهو التطليقُ ؛ كالسَّلام بمعنى التَّسليم، ولا بد من حذف مضافٍ قبل المبتدأ ؛ ليكون المبتدأُ عين الخبر، والتقدير : عددُ الطَّلاق المشروع فيه الرَّجعة مرَّتان.
والتثنية في " مَرَّتَانِ " حقيقةٌ يراد بها شفعُ الواحد، وقال الزمخشريُّ :" إنها من باب التثنية الَّتي يراد بها التكرير " وجعلَهَا مثْلَ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَهَذَاذَيْكَ. وردَّ عليه أبو حيَّان(١) بأنَّ ذلك مناقضٌ في الظاهر لما قاله أولاً، وبأنه مخالفٌ للحكم في نفس الأمر، أمَّا المناقضة، فإنه قال : الطَّلاق مَرَّتَان، أي : الطلاقُ الشرعيُّ تطليقةٌ بعد تطليقةٍ على التفريق دون الإرسال دفعةً واحدةً، فقوله هذا ظاهرٌ في التثنية الحقيقيّة، وأمَّا المخالفة، فلأنه لا يراد أن الطلاق المشروع بقع ثلاثَ مراتٍ فأكثر، بل مرتين فقط ؛ ويدلُّ عليه قوله بعد ذلك :﴿فَإِمْسَاكٌ﴾، أي : بالرَّجْعَةِ من الطَّلْقَةِ الثانية، " أَو تَسْرِيحٌ " أي : بالطلقة الثالثة ؛ ولذلك جاء بعده " فَإِنْ طَلَّقَهَا ". انتهى ما ردَّ به عليه، قال شهاب الدين : والزَّمخشريُّ إنما قال ذلك لأجل معنًى ذكره، فينظر كلامه في " الكَشَّاف " ؛ فإنه صحيحٌ.
والألف واللام في " الطَّلاَق " قيل : هي للعهد المدلول عليه بقوله :﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقيل : هي للاستغراق، وهذا على قولنا : إن هذه الجملة متقطعةٌ ممَّا قبلها، ولا تعلُّق لها بها.
قوله :" فَإِمْسَاكٌ " في الفاء وجهان :
أحدهما : أنها للتعقيب، أي : بعد أن عرَّف حكم الطلاق الشرعيِّ ؛ أنه مرَّتان، فيترتَّب عليه أحد هذين الشيئين.
والثاني : أن تكون جواب شرطٍ مقدَّرٍ، تقديره : فإن أوقع الطَّلقتين، وردَّ الزَّوجة فإمساكٌ.
وارتفاعُ " إِمْسَاكٌ " على أحد ثلاثة أوجهٍ : إمَّا مبتدأ وخبره محذوفٌ متقدِّماً، تقديره عند بعضهم : فَعَلَيْكُمْ إِمْسَاكٌ، وقَدَّرهُ ابن عطية متأخِّراً، تقديره : فإِمْسَاكٌ أَمْثَلُ أَوْ أَحْسَنُ.
والثاني : أن يكون خبر مبتدأ محذوفٍ، أي : فالواجب إمساكٌ.
والثالث : أن يكون فاعل فعلٍ محذوفٍ، أي : فليكن إمساك بمعروفٍ
قوله :" بِمَعْرُوفٍ " و " بِإِحْسَانٍ " في هذه الباء قولان :
أحدهما : أنها متعلِّقة بنفس المصدر الذي يليه، ويكون معناها الإلصاق.
والثاني : أن تتعلَّق بمحذوفٍ على أنها صفة لما قبلها، فتكون في محلِّ رفعٍ، أي : فإسماك كائنٌ بمعروفٍ، أو تسريح كائنٌ بإحسان.
قالوا : ويجوز في العربيَّة نصب " فَإِمْسَاكٌ "، و " تَسْرِيحٌ " على المصدر، أي : فأمسكوهنَّ إمساكاً بمعروف، أو سرِّحُوهُنَّ تسريحاً بإحسان، إلاَّ أنَّه لم يقرأ به أحدٌ.
والتَّسريح : الإرسال والإطلاق، ومنه قيل للماشية : سَرْحٌ، وناقَةٌ سُرُحٌ، أي : سهلة السَّير ؛ لاسترسالها فيه.
وتسريح الشَّعر : تخليص بعضه من بعض، والإمساك خلاف الإطلاق، والمساك والمسكة اسمان منه ؛ يقال : إِنَّه لذو مُسكةٍ ومساكة إذا كان بخيلاً.
قال الفرَّاء(٢) : يقال : إنه ليس بمساك غلمانه، وفيه مساكة من جبر، أي : قُوَّة.
قال القرطبي(٣) : وصريح الطَّلاق ثلاثة ألفاظٍ ورد القرآن بها : وهي الطَّلاق والسَّراح والفِراق(٤)، وهو قول الشَّافعي.
روى عُروة بن الزُّبير، قال : كان النَّاسُ في الابتداء يُطلِّقون من غير حصرٍ ولا عددٍ، وكان الرَّجُل يُطلق امرأَته، فإذا قاربت انقضاء عدَّتها، راجعها ثم طلَّقها كذلك، ثم راجعها يقصد مضارَّتها، فنزلت هذه الآية :﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾(٥).
ورُوِي : أن الرَّجُل كان في الجاهليَّة يُطَلِّق امرأَتهُ، ثم يُراجعها قبل أن تنقضي عِدَّتها، ولو طَلَّقها ألف مَرَّة، كانت القُدرة على المُراجعة ثابتةٌ، فجاءت امرأةٌ إلى عائشة - رضي الله عنها -، فشكت أَنَّ زَوْجهها يُطَلِّقُها ويُراجِعها، يُضارّها بذلك، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله - ﷺ - فنزل قوله تعالى(٦) :﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ يعني : الطلاق الَّذِي يملك الرَّجعة عقيبهُ مرتان، فإذا طَلَّق ثَلاَثاً، فلا تحلُّ له إلاَّ بعد نكاح زوجٍ آخر.
اختلف المُفَسِّرون في هذه الآية :
فقال بعضهم : هذا حُكم مُبتدأ، ومعناه : أن التَّطليق الشَّرعيّ يجب أن يكون تطليقةً بعد أُخرى، على التَّفريق دون الجمع والإِرسال دفعةً واحدة، وهذا قول من قال : الجمع بين الثَّلاث حرامٌ.
قال أبو زيد الدَّبوسيّ(٧) : هذا قول عمر وعثمان وعبد الله بن عبَّاس، وعبد الله بن عمر، وعمران بن حصين، وأبي موسى الأشعري وأَبي الدَّرداء، وحذيفة.
وقال آخرون : ليس بابتداء كلام، وإنَّما هو متعلِّق بما قبله والمعنى : أن الطَّلاقَ الرَّجعيَّ مَرَّتان، ولا رجعة بعد الثَّلاث، وهو قول من جوَّز الجمع بين الثَّلاث، وهو مذهب الشَّافعي.
حُجَّة القول الأَوَّل : أن الأَلف واللام في " الطَّلاَقِ " إذا لم يكونا للمعهود، أفادا الاستغراق، فصار تقدير الآية : كُلُّ الطَّلاق مرَّتان ومَرَّة ثالثة، ولو قال هكذا، لأفاد أن الطَّلاق المشروع مُتَفَرِّق ؛ لأن المرَّات(٨) لا تكُون إلاَّ بعد تفريق الاجتماع.
فإن قيل : هذه الآية وردت لبيان الطَّلاق المَسْنُون.
فالجواب : ليس في الآية بيان صفة السُّنَّة، بل مُفسَّرة لأَصل الطَّلاق، وهذا الكلام - وإن كان لفظه الخبر - إلاَّ أن معناهُ الأمر، أي : طَلِّقُوا مَرَّتَين، يعني : دَفْعتين، وإنما عدل عن لفظ الخبر ؛ لما تَقَدَّم من أن التَّعبير عن الأَمر بلفظ الخبر يُفيد تأكيد معنى الأَمر، فثبت أن هذه الآية دالَّة على الأَمر بتفريق الطَّلقاتِ، وعلى التَّشديد في ذلك الأَمر والمُبالغة فيه. واختلف القائِلُون بهذا على قولين :
الأول وهو اختيار كثيرٍ من علماء أهل البيت : أنَّه لو طَلَّقها اثنتين أو ثلاثاً، لا يقع إلاَّ واحدة.
قال ابن الخطيب(٩) : وهذا القولُ هو الأَقيس، لأن النَّهْيَ يدلُّ على اشتمالِ المنهيِّ عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعيٌ في إدخال تلك المفسدة في الوجود، وهو غير جائزٍ، فوجب أن يكون الحُكم بعدم الوقوع.
والثاني : قول أبي حنيفة رضي الله عنه : إن الجمع - وإن كان مُحرَّماً - إلا أَنَّه يقعُ، وهذا منه بناءً على أَنَّ النَّهيَ لا يَدُلُّ على الفَسَادِ(١٠).
حجَّة القول الثَّاني : هو أنَّ الآية مُتعلِّقَة بما قبلها ؛ لأنه - تعالى - بيَّن في الآية الأُولى أن حقَّ المُراجعة ثابتٌ للزَّوج، ولم يُبيِّن أنَّ ذلك الحَقَّ ثابِتٌ دائماً، أو إلى غاية مُعيَّنة، فكان كالمجمل المُفتقر إلى المُبيِّن، أو العامِّ المفتقرِ إلى المُخصص، فبيَّن في هذه الآيةِ أن ذلك الطَّلاق الَّذِي ثبت فيه للزَّوج حَقّ الرَّجْعَة، هو أن يُوجد طلقتانِ، فأمّا بعد الطَّلْقَتين، فلا يثبِتُ اَلْبَتَّةَ حق الرَّجعة فالألف واللام في " الطَّلاقِ " المعهُود السَّابق، فهذا تفسيرٌ مطابِقٌ لنظم الآية، فيكُون أولى لوجوهٍ :
الأول : أن قوله :﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إن كان عَامّاً في كُلِّ الأَحوال ؛ فهو مُفْتَقِرٌ إلى المُخَصّص، وإن لم يكُن عامّاً فهو مُجملٌ ؛ لأنه ليس فيه بيان الشَّرط الَّذِي عنده يثبت حقُّ الرَّجعة، فافتقر إلى البيان، فإذا جعلنا الآية مُتَعَلِّقة بما قبلها، كان المُخَصص حاصلاً مع العامِّ المخصوص، أو كان البيانُ حاصِلاً مع المُجْمَلِ، وذلك أَولى من ألاَّ يكون كذلك ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الخِطابِ - وإذا كان جَائِزاً -، إلا أن الأَرجح ألاَّ يَتَأَخَّر.
الثاني : أنَّا إذا جعلنا هذا الكلام مُبتدأ، كان قوله :﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ يقتضي ذكر الطَّلقة الثَّانية، وهي قوله :﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فصار تقدير الآية : الطَّلاق مَرَّتان ومَرَّة ؛ لأنا نقول : إن قوله :﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ متعلِّق بقوله :﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ لا بقوله :﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾، ولأن لفظ التَّسريح بالإِحسانِ لا إِشعار فيه بالطَّلاق، ولأنَّا لو جعلنا التَّسريح هو الطَّلقة الثَّالثة، لكان قوله :" فَإِنْ طَلَّقَهَا " طلقة رابعة، وهو غير جائِزٍ.
الثالث : ما روينا في سبب النُّزول : من شكوى المرأة إلى عائشة كثرة تطليقها ومراجعتها قصداً للمضارَّة، وقد أَجْمَعُوا على أَنَّ سبب النُّزول لا يجوز أن يكون خارجاً عن عُمُوم الآيةِ، فكان تنزيل الآيةِ على هذا المعنى، أولى من تنزيلها على حُكْمٍ أَجنبيٍّ عنها.
اعلم أن معنى الآية : أن الطَّلاق التي يَثْبُت فيه الرَّجعة(١١) هو أَنْ يوجد مرَّتان، ثم الواجب بعد ذلك : إمَّا إمساكٌ بمعروفٍ، وهو أن يُراجعها لا على قصد المضارَّة، بل على قصدِ الإصلاح، وإما تسريحٌ بإِحسانٍ، وفيه وجهان :
أحدهما : أن يُوقِعَ عليها الطَّلقة الثَّالثة، " روي أَنَّه لمَّا نَزلَ قوله تعالى :﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾، قيل له - عليه الصلاة والسلام - : فأَين الثَّالثة ؟ قال عليه الصَّلاة والسَّلام- :" هُو قَوْلُه تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانٍ " (١٢).
الثاني : أن التَّسريح بالإحسان : أن يَتْرُكَ مُراجَعَتها حتى تَبين بانقضاءِ العِدَّة، وهو مَروِيٌّ عن الضَّحَّاك والسُّدِّيّ(١٣).
قال ابن الخطيب(١٤) : وهو أَقْرَبُ لوجوه :
أحدها : أن " الفَاء " في قوله :" فَإِنْ طَلَّقَها " تَقْتَضِي وقوع هذه الطَّلقة مُتَأَخِّرة عن ذلك التَّسريح، فلو كان المُرادُ بالتَّسريح هو الطَّلقَة الثَّالثة، لكان قوله : فإن طَلَّقها طَلْقَةً رَابِعَة ؛ وهو لا يجُوزُ.
وثانيها : أنَّا إذا حَمَلْنَا التَّسريح على تَرْكِ المُراجعة، كانت الآيةُ مُتَنَاولة لجميع الأَحوالِ ؛ لأَنَّه بعد الطَّلْقَة الثَّانية إمَّا أن يُراجعها وهو المراد بقوله :﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ أو لا يُراجعها، بل يتركها حتى تنقضي عِدَّتُها وتبين، وهو المرادُ بقوله :﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أو يُطَلِّقها وهو المراد بقوله " فَإِنْ طَلَّقَها "، فكانت الآيَةُ مُشْتَمِلَةً على بَيَانِ كُلِّ الأقسام، وإذا جعلنا التَّسريح بالإِحسان طَلاَقاً آخر لزم تركُ أحد الأقسامِ الثَّلاثة، ولزِم التكرير في ذكر الطَّلاقِ، وهو غيرُ جَائِزٍ.
وثالثها : أنَّ ظاهر التَّسرِيح هو الإرسالُ والإِهمالُ، فحمله على تركِ المُراجعة أَوْلَى من حملِهِ على التَّطليق.
ورابعها : أنَّه قال بعد ذلك التَّسريح :﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ والمُراد به الخُلع، ومعلومٌ أنه لا يصحُّ الخلعُ بعد التَّطليقة الثَّالثة، فهذه الوجوه ظاهرة، لو لم يثبت الخبر الَّذِي رويناه، فإن صحَّ ذلك الخبر، فلا مزيد عليه.
فصل في الحكمة في الرَّج
والتثنية في " مَرَّتَانِ " حقيقةٌ يراد بها شفعُ الواحد، وقال الزمخشريُّ :" إنها من باب التثنية الَّتي يراد بها التكرير " وجعلَهَا مثْلَ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَهَذَاذَيْكَ. وردَّ عليه أبو حيَّان(١) بأنَّ ذلك مناقضٌ في الظاهر لما قاله أولاً، وبأنه مخالفٌ للحكم في نفس الأمر، أمَّا المناقضة، فإنه قال : الطَّلاق مَرَّتَان، أي : الطلاقُ الشرعيُّ تطليقةٌ بعد تطليقةٍ على التفريق دون الإرسال دفعةً واحدةً، فقوله هذا ظاهرٌ في التثنية الحقيقيّة، وأمَّا المخالفة، فلأنه لا يراد أن الطلاق المشروع بقع ثلاثَ مراتٍ فأكثر، بل مرتين فقط ؛ ويدلُّ عليه قوله بعد ذلك :﴿فَإِمْسَاكٌ﴾، أي : بالرَّجْعَةِ من الطَّلْقَةِ الثانية، " أَو تَسْرِيحٌ " أي : بالطلقة الثالثة ؛ ولذلك جاء بعده " فَإِنْ طَلَّقَهَا ". انتهى ما ردَّ به عليه، قال شهاب الدين : والزَّمخشريُّ إنما قال ذلك لأجل معنًى ذكره، فينظر كلامه في " الكَشَّاف " ؛ فإنه صحيحٌ.
والألف واللام في " الطَّلاَق " قيل : هي للعهد المدلول عليه بقوله :﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقيل : هي للاستغراق، وهذا على قولنا : إن هذه الجملة متقطعةٌ ممَّا قبلها، ولا تعلُّق لها بها.
قوله :" فَإِمْسَاكٌ " في الفاء وجهان :
أحدهما : أنها للتعقيب، أي : بعد أن عرَّف حكم الطلاق الشرعيِّ ؛ أنه مرَّتان، فيترتَّب عليه أحد هذين الشيئين.
والثاني : أن تكون جواب شرطٍ مقدَّرٍ، تقديره : فإن أوقع الطَّلقتين، وردَّ الزَّوجة فإمساكٌ.
وارتفاعُ " إِمْسَاكٌ " على أحد ثلاثة أوجهٍ : إمَّا مبتدأ وخبره محذوفٌ متقدِّماً، تقديره عند بعضهم : فَعَلَيْكُمْ إِمْسَاكٌ، وقَدَّرهُ ابن عطية متأخِّراً، تقديره : فإِمْسَاكٌ أَمْثَلُ أَوْ أَحْسَنُ.
والثاني : أن يكون خبر مبتدأ محذوفٍ، أي : فالواجب إمساكٌ.
والثالث : أن يكون فاعل فعلٍ محذوفٍ، أي : فليكن إمساك بمعروفٍ
قوله :" بِمَعْرُوفٍ " و " بِإِحْسَانٍ " في هذه الباء قولان :
أحدهما : أنها متعلِّقة بنفس المصدر الذي يليه، ويكون معناها الإلصاق.
والثاني : أن تتعلَّق بمحذوفٍ على أنها صفة لما قبلها، فتكون في محلِّ رفعٍ، أي : فإسماك كائنٌ بمعروفٍ، أو تسريح كائنٌ بإحسان.
قالوا : ويجوز في العربيَّة نصب " فَإِمْسَاكٌ "، و " تَسْرِيحٌ " على المصدر، أي : فأمسكوهنَّ إمساكاً بمعروف، أو سرِّحُوهُنَّ تسريحاً بإحسان، إلاَّ أنَّه لم يقرأ به أحدٌ.
والتَّسريح : الإرسال والإطلاق، ومنه قيل للماشية : سَرْحٌ، وناقَةٌ سُرُحٌ، أي : سهلة السَّير ؛ لاسترسالها فيه.
وتسريح الشَّعر : تخليص بعضه من بعض، والإمساك خلاف الإطلاق، والمساك والمسكة اسمان منه ؛ يقال : إِنَّه لذو مُسكةٍ ومساكة إذا كان بخيلاً.
قال الفرَّاء(٢) : يقال : إنه ليس بمساك غلمانه، وفيه مساكة من جبر، أي : قُوَّة.
قال القرطبي(٣) : وصريح الطَّلاق ثلاثة ألفاظٍ ورد القرآن بها : وهي الطَّلاق والسَّراح والفِراق(٤)، وهو قول الشَّافعي.
فصل
روى عُروة بن الزُّبير، قال : كان النَّاسُ في الابتداء يُطلِّقون من غير حصرٍ ولا عددٍ، وكان الرَّجُل يُطلق امرأَته، فإذا قاربت انقضاء عدَّتها، راجعها ثم طلَّقها كذلك، ثم راجعها يقصد مضارَّتها، فنزلت هذه الآية :﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾(٥).
ورُوِي : أن الرَّجُل كان في الجاهليَّة يُطَلِّق امرأَتهُ، ثم يُراجعها قبل أن تنقضي عِدَّتها، ولو طَلَّقها ألف مَرَّة، كانت القُدرة على المُراجعة ثابتةٌ، فجاءت امرأةٌ إلى عائشة - رضي الله عنها -، فشكت أَنَّ زَوْجهها يُطَلِّقُها ويُراجِعها، يُضارّها بذلك، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله - ﷺ - فنزل قوله تعالى(٦) :﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ يعني : الطلاق الَّذِي يملك الرَّجعة عقيبهُ مرتان، فإذا طَلَّق ثَلاَثاً، فلا تحلُّ له إلاَّ بعد نكاح زوجٍ آخر.
فصل
اختلف المُفَسِّرون في هذه الآية :
فقال بعضهم : هذا حُكم مُبتدأ، ومعناه : أن التَّطليق الشَّرعيّ يجب أن يكون تطليقةً بعد أُخرى، على التَّفريق دون الجمع والإِرسال دفعةً واحدة، وهذا قول من قال : الجمع بين الثَّلاث حرامٌ.
قال أبو زيد الدَّبوسيّ(٧) : هذا قول عمر وعثمان وعبد الله بن عبَّاس، وعبد الله بن عمر، وعمران بن حصين، وأبي موسى الأشعري وأَبي الدَّرداء، وحذيفة.
وقال آخرون : ليس بابتداء كلام، وإنَّما هو متعلِّق بما قبله والمعنى : أن الطَّلاقَ الرَّجعيَّ مَرَّتان، ولا رجعة بعد الثَّلاث، وهو قول من جوَّز الجمع بين الثَّلاث، وهو مذهب الشَّافعي.
حُجَّة القول الأَوَّل : أن الأَلف واللام في " الطَّلاَقِ " إذا لم يكونا للمعهود، أفادا الاستغراق، فصار تقدير الآية : كُلُّ الطَّلاق مرَّتان ومَرَّة ثالثة، ولو قال هكذا، لأفاد أن الطَّلاق المشروع مُتَفَرِّق ؛ لأن المرَّات(٨) لا تكُون إلاَّ بعد تفريق الاجتماع.
فإن قيل : هذه الآية وردت لبيان الطَّلاق المَسْنُون.
فالجواب : ليس في الآية بيان صفة السُّنَّة، بل مُفسَّرة لأَصل الطَّلاق، وهذا الكلام - وإن كان لفظه الخبر - إلاَّ أن معناهُ الأمر، أي : طَلِّقُوا مَرَّتَين، يعني : دَفْعتين، وإنما عدل عن لفظ الخبر ؛ لما تَقَدَّم من أن التَّعبير عن الأَمر بلفظ الخبر يُفيد تأكيد معنى الأَمر، فثبت أن هذه الآية دالَّة على الأَمر بتفريق الطَّلقاتِ، وعلى التَّشديد في ذلك الأَمر والمُبالغة فيه. واختلف القائِلُون بهذا على قولين :
الأول وهو اختيار كثيرٍ من علماء أهل البيت : أنَّه لو طَلَّقها اثنتين أو ثلاثاً، لا يقع إلاَّ واحدة.
قال ابن الخطيب(٩) : وهذا القولُ هو الأَقيس، لأن النَّهْيَ يدلُّ على اشتمالِ المنهيِّ عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعيٌ في إدخال تلك المفسدة في الوجود، وهو غير جائزٍ، فوجب أن يكون الحُكم بعدم الوقوع.
والثاني : قول أبي حنيفة رضي الله عنه : إن الجمع - وإن كان مُحرَّماً - إلا أَنَّه يقعُ، وهذا منه بناءً على أَنَّ النَّهيَ لا يَدُلُّ على الفَسَادِ(١٠).
حجَّة القول الثَّاني : هو أنَّ الآية مُتعلِّقَة بما قبلها ؛ لأنه - تعالى - بيَّن في الآية الأُولى أن حقَّ المُراجعة ثابتٌ للزَّوج، ولم يُبيِّن أنَّ ذلك الحَقَّ ثابِتٌ دائماً، أو إلى غاية مُعيَّنة، فكان كالمجمل المُفتقر إلى المُبيِّن، أو العامِّ المفتقرِ إلى المُخصص، فبيَّن في هذه الآيةِ أن ذلك الطَّلاق الَّذِي ثبت فيه للزَّوج حَقّ الرَّجْعَة، هو أن يُوجد طلقتانِ، فأمّا بعد الطَّلْقَتين، فلا يثبِتُ اَلْبَتَّةَ حق الرَّجعة فالألف واللام في " الطَّلاقِ " المعهُود السَّابق، فهذا تفسيرٌ مطابِقٌ لنظم الآية، فيكُون أولى لوجوهٍ :
الأول : أن قوله :﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إن كان عَامّاً في كُلِّ الأَحوال ؛ فهو مُفْتَقِرٌ إلى المُخَصّص، وإن لم يكُن عامّاً فهو مُجملٌ ؛ لأنه ليس فيه بيان الشَّرط الَّذِي عنده يثبت حقُّ الرَّجعة، فافتقر إلى البيان، فإذا جعلنا الآية مُتَعَلِّقة بما قبلها، كان المُخَصص حاصلاً مع العامِّ المخصوص، أو كان البيانُ حاصِلاً مع المُجْمَلِ، وذلك أَولى من ألاَّ يكون كذلك ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الخِطابِ - وإذا كان جَائِزاً -، إلا أن الأَرجح ألاَّ يَتَأَخَّر.
الثاني : أنَّا إذا جعلنا هذا الكلام مُبتدأ، كان قوله :﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ يقتضي ذكر الطَّلقة الثَّانية، وهي قوله :﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فصار تقدير الآية : الطَّلاق مَرَّتان ومَرَّة ؛ لأنا نقول : إن قوله :﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ متعلِّق بقوله :﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ لا بقوله :﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾، ولأن لفظ التَّسريح بالإِحسانِ لا إِشعار فيه بالطَّلاق، ولأنَّا لو جعلنا التَّسريح هو الطَّلقة الثَّالثة، لكان قوله :" فَإِنْ طَلَّقَهَا " طلقة رابعة، وهو غير جائِزٍ.
الثالث : ما روينا في سبب النُّزول : من شكوى المرأة إلى عائشة كثرة تطليقها ومراجعتها قصداً للمضارَّة، وقد أَجْمَعُوا على أَنَّ سبب النُّزول لا يجوز أن يكون خارجاً عن عُمُوم الآيةِ، فكان تنزيل الآيةِ على هذا المعنى، أولى من تنزيلها على حُكْمٍ أَجنبيٍّ عنها.
فصل
اعلم أن معنى الآية : أن الطَّلاق التي يَثْبُت فيه الرَّجعة(١١) هو أَنْ يوجد مرَّتان، ثم الواجب بعد ذلك : إمَّا إمساكٌ بمعروفٍ، وهو أن يُراجعها لا على قصد المضارَّة، بل على قصدِ الإصلاح، وإما تسريحٌ بإِحسانٍ، وفيه وجهان :
أحدهما : أن يُوقِعَ عليها الطَّلقة الثَّالثة، " روي أَنَّه لمَّا نَزلَ قوله تعالى :﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾، قيل له - عليه الصلاة والسلام - : فأَين الثَّالثة ؟ قال عليه الصَّلاة والسَّلام- :" هُو قَوْلُه تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانٍ " (١٢).
الثاني : أن التَّسريح بالإحسان : أن يَتْرُكَ مُراجَعَتها حتى تَبين بانقضاءِ العِدَّة، وهو مَروِيٌّ عن الضَّحَّاك والسُّدِّيّ(١٣).
قال ابن الخطيب(١٤) : وهو أَقْرَبُ لوجوه :
أحدها : أن " الفَاء " في قوله :" فَإِنْ طَلَّقَها " تَقْتَضِي وقوع هذه الطَّلقة مُتَأَخِّرة عن ذلك التَّسريح، فلو كان المُرادُ بالتَّسريح هو الطَّلقَة الثَّالثة، لكان قوله : فإن طَلَّقها طَلْقَةً رَابِعَة ؛ وهو لا يجُوزُ.
وثانيها : أنَّا إذا حَمَلْنَا التَّسريح على تَرْكِ المُراجعة، كانت الآيةُ مُتَنَاولة لجميع الأَحوالِ ؛ لأَنَّه بعد الطَّلْقَة الثَّانية إمَّا أن يُراجعها وهو المراد بقوله :﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ أو لا يُراجعها، بل يتركها حتى تنقضي عِدَّتُها وتبين، وهو المرادُ بقوله :﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أو يُطَلِّقها وهو المراد بقوله " فَإِنْ طَلَّقَها "، فكانت الآيَةُ مُشْتَمِلَةً على بَيَانِ كُلِّ الأقسام، وإذا جعلنا التَّسريح بالإِحسان طَلاَقاً آخر لزم تركُ أحد الأقسامِ الثَّلاثة، ولزِم التكرير في ذكر الطَّلاقِ، وهو غيرُ جَائِزٍ.
وثالثها : أنَّ ظاهر التَّسرِيح هو الإرسالُ والإِهمالُ، فحمله على تركِ المُراجعة أَوْلَى من حملِهِ على التَّطليق.
ورابعها : أنَّه قال بعد ذلك التَّسريح :﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ والمُراد به الخُلع، ومعلومٌ أنه لا يصحُّ الخلعُ بعد التَّطليقة الثَّالثة، فهذه الوجوه ظاهرة، لو لم يثبت الخبر الَّذِي رويناه، فإن صحَّ ذلك الخبر، فلا مزيد عليه.
فصل في الحكمة في الرَّج
١ - ينظر: البحر المحيط ٢/٢٠٣..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/ ٨٤..
٣ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٨٨..
٤ - إذا صح أن الطلاق لا يقع إلا بلفظ يشعر به وما قام مقامه عند العجز كإشارة الأخرس، فاعلم أن الألفاظ التي يخاطب بها الرجل زوجته في الطلاق تنقسم إلى قسمين؛ لأنها إما أن تحتمل الفراق بوجه، أو لا تحتمله أصلا، الثاني: كقومي أو اقعدي لا يقع به الطلاق وإن نواه؛ لعدم احتمال اللفظ للفراق بوجه، وأما ما يحتمل الفراق فعلى ضربين: صريح، وهو ما لا يحتمل ظاهره غير حل عصمة النكاح وتقع به الفرقة من غير نية، وكناية؛ وهي في الأصل الخفاء والإيماء إلى الشيء من غير تصريح؛ ولما كانت ألفاظ الكناية فيها خفاء وإيماء إلى الطلاق سميت كناية، والمراد بها هنا: كل لفظ احتمل الطلاق وغيره، وتقع بها الفرقة مع النية، ولا تقع بها من غير نية، ولكل منها ألفاظ وللصريح ألفاظ تنقسم إلى قسمين: صريح بنفسه، وصريح بغيره.
الصريح بنفسه: هو ثلاثة: الطلاق، والفراق، والسراح، فيقع الطلاق بما اشتق منه إجماعا؛ ولاشتهاره فيه لغة وشرعا، كطلقتك، وكذا أنت طالب، ويكون صريحا في واحدة فقط، وكناية في الثنتين والثلاثة.
والصريح بغيره: أما الصريح بغيره، فهو مشتق كالخلع، وكذا لفظ المفاداة على التحقيق، إذا وجد أحدهما مع واحد من ثلاث، ذكر المال، أو نيته أو إضمار قبول الزوجة، ويقع في الكل بائنا إن قبلت، ويلزمه في الأول المسمى، وفي الثاني ما نواه إن اتفقت نيتهما، وإلا فما توافقا عليه، فإن اختلفا في النية رجع إلى مهر المثل، ويجب في الثالثة مهر المثل قطعا، فإن لم تقبل لم يقع شيء إن نوى التماس قبولها، وإلا فكناية.
ومن الصريح بغيره ما لو قيل له استخبارا: أطلقت زوجتك؟ فقال نعم، أو ما يرادفها كجير وأجل، ويكون مقرا بالطلاق، فإن كان صادقا طلقت ظاهرا وباطنا، وتكون في الباطن له زوجة إن كان كاذبا، ويصدق بيمينه إن قال: أردت طلاقا ماضي وراجعت، وإن لم يعرف له طلاق سابق-لاحتمال ما يدعيه فإن قال كان بائنا وجددت لم يصدق إلا أن عرف له طلاق سابق..
٥ - أخرجه الترمذي (٢/٢١٩) ومالك في "الموطأ" ص (٢٨٨) والشافعي في "مسنده" (٢/٣٤) والبيهقي (٧/٣٣٣) والطبري في "تفسيره" (٤/٥٤٠).
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٩٤) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير..
٦ - أخرجه الترمذي (٢/٢١٨-٢١٩) والحاكم (٢/٢٧٩-٢٨٠) والبيهقي (٧/٣٣٣) وابن مردويه كما في "تفسير ابن كثير" (١/٥٣٨).
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يتكلم أحد في يعقوب بن حميد بحجة وتعقبه الذهبي فقال: قد ضعفه غير واحد..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٨٣..
٨ - في ب: الثلاثة..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٨٣..
١٠ - اختلفوا في أن النهي عن التصرفات والعقود المفيدة لأحكامها كالبيع والنكاح ونحوهما، هل يقتضي فسادها أو لا؟.
فذهب جماهير الفقهاء من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والحنابلة وجميع أهل الظاهر وجماعة من المتكلمين إلى إفسادها، لكن اختلفوا في جهة الفساد: فمنهم من قال إن ذلك من جهة اللغة؛ ومنهم من قال إنه من جهة الشرع دون اللغة؛ ومنهم من لم يقل بالفساد، وهو اختيار المحققين من أصحابنا كالقفال وإمام الحرمين والغزالي وكثير من الحنفية؛ وبه قال جماعة من المعتزلة كأبي عبد الله البصري وأبي الحسين الكرخي والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري وكثير من مشايخهم، ولا نعرف خلافا في أن ما ني عنه لغيره أنه لا يفسد كالنهي عن البيع في وقت النداء يوم الجمعة، إلا ما نقل عن مذهب مالك وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه.
ينظر المستصفى ٢/٢٤ المنخول ١٢٦ التبصرة ١٠٠ الإحكام للآمدي ٢/١٧٤-١٧٥ شرح الكوكب ٣/٨٣ جمع الجوامع ٢/٣٩٣ شرح العضد ٢/٨٥، كشف الأسرار ١/٢٥٨ تيسير التحرير ١/٣٧٦ القواعد والفوائد لابن اللحام (١١٠) العدة لأبي يعلى ٢/٤٣٢-٤٤٧ اللمع ص ١٤ روضة الناظر ١١٣ المسودة (٨٢) شرح تنقيح الفصول ١٧٣..
١١ - الرجعة قال في "المصباح" بالفتح بمعنى: الرجوع، وفلان يؤمن بالرجعة أي: بالعود إلى الدنيا. وأما الرجعة بعد الطلاق ورجعة الكتاب فبالفتح والكسر، وهو أفصح. قال ابن فارس: والرجعة: مراجعة الرجل أهله، وقد تكسر وهو يملك الرجعة على زوجته، وطلاق رجعي بالوجهين أيضا.
وفيه: رجعت المرأة إلى أهلها؛ بموت زوجها أو طلاق، فهي راجع، ومنهم من يفرق فيقول: المطلقة مردودة والمتوفى عنها راجع.
قال صاحب "المختار": رجع الشيء بنفسه من باب "جلس" ورجعه غيره من باب "قطع"، وقوله تعالى: ﴿يرجع بعضهم إلى بعض القول﴾: أي يتلاومون.
والرجعئ الرجوع، وكذا المرجع؛ ومنه قوله تعالى: ﴿إلى ربكم مرجعكم﴾ وهو شاذ؛ لأن المصادر من "فعَل" إنما تكون بالفتح.
وَرَجَعَه بفتح الراء وكسرها، والفتح أفصح، والراجع: المرأة يموت زوجها، فترجع إلى أهليها، وأما المُطلّقة: فهي المردودة، والرجع: المطر؛ قال تعالى: ﴿والسماء ذات الرجع﴾.
وقيل: معناه النفع.
والمراجعة المعادة، يقال: راجعه الكلام وراجع امرأته.
فهي لغة: المرة من الرجوع، وفي الشرع: رد المرأة إلى النكاح من طلاق غير بائن في العدة على وجه مخصوص.
وحكمة التشريع التي يمكن أن تتعرفها العقول، وتصل إليها المدارك في شرع الله للرجعة بعد وقوع الطلاق: هي أن الزوج الذي أقدم على ذلك الحلال المبغوض، ربما يكون قد استوثقت بينه وبين مطلقته آصرة من المودة والإيلاف، فقد أفضى بعضهم إلى بعض، وكانت لباسا له؛ كما كان لباسا لها، وربما احتمل العلوق، أو يكون قد خرج من بينهم ذرية ضعاف يخاف عليهم الضياع والشتات.
ولا يغيب عن البال أن الأبناء والذرية الذين يتربون في غير أحضان الآباء والأمهات معا، تكلأ لهم أعينهم، ويحوطهم الحفظ من السقوط في حمأة التشرد، لا شك يكونون شرا مستطيرا، ونواة سيئة في المجتمع الذي يعيشون فيه، وإننا لا ننكر أن الأم من الضعف، وعدم القدرة على صيانة الولد خارج المنزل، ما الله عالم به، وربما دفعها فرط الشفقة عليه، وشدة الحنان والحدب عليه إلى التغاضي عن سيئه، وقد لا تدري ما العاقبة الوخيمة وما نتيجة هذا التفريط.
وكثيرا ما يكنّ جاهلات لا يعرفن من أمور الحياة وشئون تربية الأبناء إلا كونهم آلة تقوم بتنظيف المسكن وإنضاج الطعام وغسل الملابس؛ ولا تعرف لابنها إلا أن تلقمه ثديها رضيعا، وتقدم إليه كسر الخبز والطعام بعد فطامه وفي يفاعه.
وأيضا قد يتزوج كل من الأبوين بعد انفصام عقدة النكاح، وهنا الطامة تَطُمُّ على الأبناء، فالأم منصرفة عن ابنها إلى الزوج الجديد، والأب لاهِ بزوجته، وربما كانت الزوجة عامل إفساد تربية هؤلاء الصغار؛ من أجل ذلك كله شاء ربك الحكيم ألا يهمل أمر هؤلاء الصغار، وألا تتوتر آصرة المحبة والإيلاف بين الزوجين، وشاء ألا يندم الزوج على ما فرط فيه، فشرع الرجعة وملكها الزوج؛ حتى لا يطول ندمه، ولا تطول محنة الأبناء، وأيضا قد تكون الزوجة لا عائل لها، وليس ثمت من يرغب في نكاحها، فكان بالرجعة مجال لدرء ما عساه أن يقع؛ ولدفع الفاقة عن البائسات.
واصطلاحا:
عرفها الحنفية بأنها: استدامة الملك القائم في العدة برد الزوجة إلى زوجها، وإعادتها إلى حالتها الأولى.
عرفها الشافعية بأنها: رد المرأة إلى النكاح من طلاق غير بائن في العدة، على وجه مخصوص.
عرفها المالكية بأنها: عود الزوجة المطلقة للعصمة من غير تجديد عقد.
عرفها الحنابلة بأنها: إعادة المطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد. ينظر: القاموس المحيط ٢/٢٨.
وانظر الاختيار١٠٠، اللباب ٥٦، الإقناع ٢/١٧٥، حاشية الدسوقي ٢/٤١٥، كشاف القناع ٥/ ٣٤١..
١٢ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٥٤٥) والبيهقي (٧/٣٤٠) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٩٥) وزاد نسبته لوكيع وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبي داود في "ناسخه" وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي رزين الأسدي.
وللحديث شاهد عن أنس بن مالك:
أخرجه البيهقي (٧/٣٤٠) وابن مردويه كما في "الدر المنثور" (١/٤٩٥)..
١٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٥٤١-٥٤٢)..
١٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٨٤..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/ ٨٤..
٣ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٨٨..
٤ - إذا صح أن الطلاق لا يقع إلا بلفظ يشعر به وما قام مقامه عند العجز كإشارة الأخرس، فاعلم أن الألفاظ التي يخاطب بها الرجل زوجته في الطلاق تنقسم إلى قسمين؛ لأنها إما أن تحتمل الفراق بوجه، أو لا تحتمله أصلا، الثاني: كقومي أو اقعدي لا يقع به الطلاق وإن نواه؛ لعدم احتمال اللفظ للفراق بوجه، وأما ما يحتمل الفراق فعلى ضربين: صريح، وهو ما لا يحتمل ظاهره غير حل عصمة النكاح وتقع به الفرقة من غير نية، وكناية؛ وهي في الأصل الخفاء والإيماء إلى الشيء من غير تصريح؛ ولما كانت ألفاظ الكناية فيها خفاء وإيماء إلى الطلاق سميت كناية، والمراد بها هنا: كل لفظ احتمل الطلاق وغيره، وتقع بها الفرقة مع النية، ولا تقع بها من غير نية، ولكل منها ألفاظ وللصريح ألفاظ تنقسم إلى قسمين: صريح بنفسه، وصريح بغيره.
الصريح بنفسه: هو ثلاثة: الطلاق، والفراق، والسراح، فيقع الطلاق بما اشتق منه إجماعا؛ ولاشتهاره فيه لغة وشرعا، كطلقتك، وكذا أنت طالب، ويكون صريحا في واحدة فقط، وكناية في الثنتين والثلاثة.
والصريح بغيره: أما الصريح بغيره، فهو مشتق كالخلع، وكذا لفظ المفاداة على التحقيق، إذا وجد أحدهما مع واحد من ثلاث، ذكر المال، أو نيته أو إضمار قبول الزوجة، ويقع في الكل بائنا إن قبلت، ويلزمه في الأول المسمى، وفي الثاني ما نواه إن اتفقت نيتهما، وإلا فما توافقا عليه، فإن اختلفا في النية رجع إلى مهر المثل، ويجب في الثالثة مهر المثل قطعا، فإن لم تقبل لم يقع شيء إن نوى التماس قبولها، وإلا فكناية.
ومن الصريح بغيره ما لو قيل له استخبارا: أطلقت زوجتك؟ فقال نعم، أو ما يرادفها كجير وأجل، ويكون مقرا بالطلاق، فإن كان صادقا طلقت ظاهرا وباطنا، وتكون في الباطن له زوجة إن كان كاذبا، ويصدق بيمينه إن قال: أردت طلاقا ماضي وراجعت، وإن لم يعرف له طلاق سابق-لاحتمال ما يدعيه فإن قال كان بائنا وجددت لم يصدق إلا أن عرف له طلاق سابق..
٥ - أخرجه الترمذي (٢/٢١٩) ومالك في "الموطأ" ص (٢٨٨) والشافعي في "مسنده" (٢/٣٤) والبيهقي (٧/٣٣٣) والطبري في "تفسيره" (٤/٥٤٠).
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٩٤) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير..
٦ - أخرجه الترمذي (٢/٢١٨-٢١٩) والحاكم (٢/٢٧٩-٢٨٠) والبيهقي (٧/٣٣٣) وابن مردويه كما في "تفسير ابن كثير" (١/٥٣٨).
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يتكلم أحد في يعقوب بن حميد بحجة وتعقبه الذهبي فقال: قد ضعفه غير واحد..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٨٣..
٨ - في ب: الثلاثة..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٨٣..
١٠ - اختلفوا في أن النهي عن التصرفات والعقود المفيدة لأحكامها كالبيع والنكاح ونحوهما، هل يقتضي فسادها أو لا؟.
فذهب جماهير الفقهاء من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والحنابلة وجميع أهل الظاهر وجماعة من المتكلمين إلى إفسادها، لكن اختلفوا في جهة الفساد: فمنهم من قال إن ذلك من جهة اللغة؛ ومنهم من قال إنه من جهة الشرع دون اللغة؛ ومنهم من لم يقل بالفساد، وهو اختيار المحققين من أصحابنا كالقفال وإمام الحرمين والغزالي وكثير من الحنفية؛ وبه قال جماعة من المعتزلة كأبي عبد الله البصري وأبي الحسين الكرخي والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري وكثير من مشايخهم، ولا نعرف خلافا في أن ما ني عنه لغيره أنه لا يفسد كالنهي عن البيع في وقت النداء يوم الجمعة، إلا ما نقل عن مذهب مالك وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه.
ينظر المستصفى ٢/٢٤ المنخول ١٢٦ التبصرة ١٠٠ الإحكام للآمدي ٢/١٧٤-١٧٥ شرح الكوكب ٣/٨٣ جمع الجوامع ٢/٣٩٣ شرح العضد ٢/٨٥، كشف الأسرار ١/٢٥٨ تيسير التحرير ١/٣٧٦ القواعد والفوائد لابن اللحام (١١٠) العدة لأبي يعلى ٢/٤٣٢-٤٤٧ اللمع ص ١٤ روضة الناظر ١١٣ المسودة (٨٢) شرح تنقيح الفصول ١٧٣..
١١ - الرجعة قال في "المصباح" بالفتح بمعنى: الرجوع، وفلان يؤمن بالرجعة أي: بالعود إلى الدنيا. وأما الرجعة بعد الطلاق ورجعة الكتاب فبالفتح والكسر، وهو أفصح. قال ابن فارس: والرجعة: مراجعة الرجل أهله، وقد تكسر وهو يملك الرجعة على زوجته، وطلاق رجعي بالوجهين أيضا.
وفيه: رجعت المرأة إلى أهلها؛ بموت زوجها أو طلاق، فهي راجع، ومنهم من يفرق فيقول: المطلقة مردودة والمتوفى عنها راجع.
قال صاحب "المختار": رجع الشيء بنفسه من باب "جلس" ورجعه غيره من باب "قطع"، وقوله تعالى: ﴿يرجع بعضهم إلى بعض القول﴾: أي يتلاومون.
والرجعئ الرجوع، وكذا المرجع؛ ومنه قوله تعالى: ﴿إلى ربكم مرجعكم﴾ وهو شاذ؛ لأن المصادر من "فعَل" إنما تكون بالفتح.
وَرَجَعَه بفتح الراء وكسرها، والفتح أفصح، والراجع: المرأة يموت زوجها، فترجع إلى أهليها، وأما المُطلّقة: فهي المردودة، والرجع: المطر؛ قال تعالى: ﴿والسماء ذات الرجع﴾.
وقيل: معناه النفع.
والمراجعة المعادة، يقال: راجعه الكلام وراجع امرأته.
فهي لغة: المرة من الرجوع، وفي الشرع: رد المرأة إلى النكاح من طلاق غير بائن في العدة على وجه مخصوص.
وحكمة التشريع التي يمكن أن تتعرفها العقول، وتصل إليها المدارك في شرع الله للرجعة بعد وقوع الطلاق: هي أن الزوج الذي أقدم على ذلك الحلال المبغوض، ربما يكون قد استوثقت بينه وبين مطلقته آصرة من المودة والإيلاف، فقد أفضى بعضهم إلى بعض، وكانت لباسا له؛ كما كان لباسا لها، وربما احتمل العلوق، أو يكون قد خرج من بينهم ذرية ضعاف يخاف عليهم الضياع والشتات.
ولا يغيب عن البال أن الأبناء والذرية الذين يتربون في غير أحضان الآباء والأمهات معا، تكلأ لهم أعينهم، ويحوطهم الحفظ من السقوط في حمأة التشرد، لا شك يكونون شرا مستطيرا، ونواة سيئة في المجتمع الذي يعيشون فيه، وإننا لا ننكر أن الأم من الضعف، وعدم القدرة على صيانة الولد خارج المنزل، ما الله عالم به، وربما دفعها فرط الشفقة عليه، وشدة الحنان والحدب عليه إلى التغاضي عن سيئه، وقد لا تدري ما العاقبة الوخيمة وما نتيجة هذا التفريط.
وكثيرا ما يكنّ جاهلات لا يعرفن من أمور الحياة وشئون تربية الأبناء إلا كونهم آلة تقوم بتنظيف المسكن وإنضاج الطعام وغسل الملابس؛ ولا تعرف لابنها إلا أن تلقمه ثديها رضيعا، وتقدم إليه كسر الخبز والطعام بعد فطامه وفي يفاعه.
وأيضا قد يتزوج كل من الأبوين بعد انفصام عقدة النكاح، وهنا الطامة تَطُمُّ على الأبناء، فالأم منصرفة عن ابنها إلى الزوج الجديد، والأب لاهِ بزوجته، وربما كانت الزوجة عامل إفساد تربية هؤلاء الصغار؛ من أجل ذلك كله شاء ربك الحكيم ألا يهمل أمر هؤلاء الصغار، وألا تتوتر آصرة المحبة والإيلاف بين الزوجين، وشاء ألا يندم الزوج على ما فرط فيه، فشرع الرجعة وملكها الزوج؛ حتى لا يطول ندمه، ولا تطول محنة الأبناء، وأيضا قد تكون الزوجة لا عائل لها، وليس ثمت من يرغب في نكاحها، فكان بالرجعة مجال لدرء ما عساه أن يقع؛ ولدفع الفاقة عن البائسات.
واصطلاحا:
عرفها الحنفية بأنها: استدامة الملك القائم في العدة برد الزوجة إلى زوجها، وإعادتها إلى حالتها الأولى.
عرفها الشافعية بأنها: رد المرأة إلى النكاح من طلاق غير بائن في العدة، على وجه مخصوص.
عرفها المالكية بأنها: عود الزوجة المطلقة للعصمة من غير تجديد عقد.
عرفها الحنابلة بأنها: إعادة المطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد. ينظر: القاموس المحيط ٢/٢٨.
وانظر الاختيار١٠٠، اللباب ٥٦، الإقناع ٢/١٧٥، حاشية الدسوقي ٢/٤١٥، كشاف القناع ٥/ ٣٤١..
١٢ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٥٤٥) والبيهقي (٧/٣٤٠) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٩٥) وزاد نسبته لوكيع وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبي داود في "ناسخه" وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي رزين الأسدي.
وللحديث شاهد عن أنس بن مالك:
أخرجه البيهقي (٧/٣٤٠) وابن مردويه كما في "الدر المنثور" (١/٤٩٥)..
١٣ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٥٤١-٥٤٢)..
١٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٨٤..