روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿الطلاق مَرَّتَانِ﴾ إشارة إلى الطلاق المفهوم من قوله تعالى :﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ﴾ [ البقرة : ٨ ٢٢ ] وهو الرجعي وهو بمعنى التطليق الذي هو فعل الرجل كالسلام بمعنى التسليم لأنه الموصوف بالوحدة والتعدّد دون ما هو وصف المرأة، ويؤيد ذلك ذكر ما هو من فعل الرجل أيضاً بقوله تعالى :﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي بالرجعة وحسن المعاشرة ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان﴾ أي إطلاق مصاحب له من جبر الخاطر وأداء الحقوق، وذلك إما بأن لا يراجعها حتى تبين، أو يطلقها الثالثة وهو المأثور فقد أخرج أبو داود وجماعة عن أبي رزين الأسدي أنّ رجلاً قال : يا رسول الله ﷺ إني أسمع الله تعالى يقول :﴿الطلاق مَرَّتَانِ﴾ فأين الثالث ؟ فقال :«التسريح بإحسان هو الثالثة » وهذا يدل على أن معنى ( مرتان ) اثنتان، ويؤيد العهد كالفاء في الشق الأول فإنّ ظاهرها التعقيب بلا مهلة، وحكم الشيء يعقبه بلا فصل، وهذا هو الذي حمل عليه الشافعية الآية، ولعله أليق بالنظم حيث قد انجرّ ذكر اليمين إلى ذكر الإيلاء الذي هو طلاق، ثم انجرّ ذلك إلى ذكر حكم المطلقات من العدّة والرجعة، ثم انجر ذلك إلى ذكر أحكام الطلاق المعقب للرجعة، ثم انجرّ ذلك إلى بيان الخلع والطلاق الثلاثة وأوفق بسبب النزول فقد أخرج مالك، والشافعي، والترمذي رضي الله تعالى عنهما وغيرهم عن عروة قال : كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدّتها كان ذلك له وإن طلقها/ ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى إذا ما شارفت انقضاء عدّتها ارتجعها ثم طلقها، ثم قال : والله لا آويك إليّ ولا تخلين أبداً، فأنزل الله تعالى الآية، والذي دعاهم إلى ذلك قولهم إن جمع الطلقات الثلاث غير محرّم وأنه لا سنة في التغريق كما في «تحفتهم »، واستدلوا عليه بأن عويمراً العجلاني لما لاعن امرأته طلقها ثلاثاً قبل أن يخبره ﷺ بحرمتها عليه رواه الشيخان فلو حرم لنهاه عنه ؛ لأنه أوقعه معتقداً بقاء الزوجية، ومع اعتقادها يحرم الجمع عند المخالف، ومع الحرمة يجب الإنكار على العالم وتعليم الجاهل، ولم يوجدا فدل على أنه لا حرمة وبأنه قد فعله جمع من الصحابة وأفتى به آخرون، وقال ساداتنا الحنفية : إن الجمع بين التطليقتين والثلاث بدعة، وإنما السنة التفريق لما روي في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال له :" إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً فتطلقها لكل قرء تطليقة " فإنه لم يرد ﷺ من السنة أنه يستعقب الثواب لكونه أمراً مباحاً في نفسه لا مندوباً بل كونه من الطريقة المسلوكة في الدين أعني ما لا يستوجب عقاباً وقد حصره عليه الصلاة والسلام على التفريق فعلم أن ما عداه من الجمع والطلاق في الحيض بدعة أي موجب لاستحقاق العقاب وبهذا يندفع ما قيل : إن الحديث إنما يدل على أن جمع الطلقتين أو الطلقات في طهر واحد ليس سنة، وأمّا إنه بدعة فلا لثبوت الواسطة عند المخالف، ووجه الدفع ظاهر كما لا يخفى وفي «الهداية » «وقال الشافعي : كل الطلاق مباح لأنه تصرف مشروع حتى يستفاد به الحكم ( و ) المشروعية لا تجامع الحظر بخلاف الطلاق في ( حالة ) ( ٢ ) الحيض لأن المحرّم تطويل العدّة عليها لا الطلاق ولنا أن الأصل في الطلاق هو الحظر لما فيه من قطع النكاح الذي تعلقت به المصالح الدينية والدنيوية والإباحة للحاجة إلى الخلاص، ولا حاجة إلى الجمع بين الثلاث، وهي في المفرّق على الأطهار ثابتة نظراً إلى دليلها، والحاجة في نفسها باقية فأمكن تصوير الدليل عليها، والمشروعية في ذاته من حيث إنه إزالة الرق لا تنافي الحظر لمعنى في غيره وهو ما ذكرناه » انتهى.
ومنه يعلم أن المخالف معمم لا مقسم وإذا قلنا إنه مقسم بناءاً على ما فيه كتب بعض مذهبه فغاية ما أثبت أن الجمع خلاف الأولى من التفريق على الأقراء أو الأشهر، وقد علمت أن تقسيم أبي القاسم ﷺ غير تقسيمه، وأجيب عما في خبر عويمر بأنها واقعة حال فلعلها من المستثنيات لما أن مقام اللعان ضيق فيغتفر فيه مثل ذلك ويعذر فيه الغيور ؛ وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما وحملوا الآية على أن المراد التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق لما أن وظيفة الشارع بيان الأمور الشرعية واللام ليست نصاً في العهد بل الظاهر منها الجنس وأيضاً تقييد الطلاق بالرجعي يدع ذكر الرجعة بقوله سبحانه :﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ كراراً إلا أن يقال المطلوب ههنا الحكم المردد بين الإمساك والتسريح، وأيضاً لا يعلم على ذلك الوجه حكم الطلاق الواحد إلا بدلالة النص، وهذا الوجه مع كونه أبعد عن توهم التكرار ودلالته على حكم الطلاق الواحد بالعبارة يفيد حكماً زائداً وهو التفريق، ودلالة الآية حينئذ على ما ذهبوا إليه ظاهرة إذا كان معنى مرتين مجرد التكرير دون التثنية على حد ﴿ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] أي كرة بعد كرة لا كرتين ثنتين إلا أنه يلزم عله إخراج التثنية عن معناها الظاهر، وكذا إخراج الفاء أيضاً وجعل ما بعدها حكماً مبتدأ وتخييراً مطلقاً عقيب تعليمهم كيفية التطليق وليس مرتباً على الأول ضرورة أن التفريق المطلق لا يترتب عليه أحد الأمرين لأنه إذا كان بالثلاث لا يجوز بعده الإمساك ولا التسريح وتحمل الفاء حينئذ على التركيب الذكري أي إذا علمتم كيفية الطلاق فاعلموا أن حكمه الإمساك أو التسريح فالإمساك في الرجعي والتسريح في غيره، وإذا كان معنى مرتين التفريق مع التثنية كما قال به المحققون بناءاً على أنه حقيقة في الثاني ظاهر في الأول ؛ إذ لا يقال لمن دفع إلى آخر درهمين مرة واحدة أنه أعطاه مرتين حتى يفرق بينهما، وكذا لمن طلق زوجته ثنتين دفعة أنه طلق مرتين اندفع حديث ارتكاب خلاف الظاهر في التثنية كما هو ظاهر، وفيما بعدها أيضاً لصحة الترتب ويكون عدم جواز الجمع بين التطليقتين مستفاداً من ﴿مَرَّتَانِ﴾ الدالة على التفريق والتثنية.
وعدم الجمع بين الثالثة مستفاداً من قوله سبحانه :﴿أَوْ تَسْرِيحٌ﴾ حيث رتب على ما قبله بالفاء قيل : إنه مستفاد من دلالة النص هذا، ثم من أوجب التفريق ذهب إلى أنه لو طلق غير مفرق وقع طلاقه وكان عاصياً، وخالف في ذلك الإمامية وبعض من أهل السنة كالشيخ أحمد بن تيمية ومن اتبعه قالوا : لو طلق ثلاثاً بلفظ واحد لا يقع إلا واحدة احتجاجاً بهذه الآية وقياساً على شهادات اللعان ورمي الجمرات فإنه لو أتى بالأربع بلفظ واحد لا تعد له أربعاً بالإجماع وكذا لو رمى بسبع حصيات دفعة واحدة لم يجزه إجماعاً، ومثل ذلك ما لو حلف ليصلين على النبي ﷺ ألف مرة فقال صلى الله تعالى على النبي ﷺ ألف مرة فإنه لا يكون باراً ما لم يأت بآحاد الألف، وتمسكاً بما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وسنيتين من خلافة عمر واحدة فقال عمر : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه.
وذهب بعضهم إلى أن مثل ذلك ما لو طلق في مجلس واحد ثلاث مرات فإنه لا يقع إلا واحدة أيضاً لما أخرج البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال :«طلق ركانة امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً فسأله رسول الله ﷺ كيف طلقتها ؟ قال : طلقتها ثلاثاً قال : في مجلس واحد ؟ قال : نعم قال : فإنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت فراجعها » والذي عليه أهل الحق اليوم خلاف ذلك كله.
والجواب عن الاحتجاج بالآية أنها كما علمت ليست نصاً في المقصود، وأما الحديث فقد أجاب عنه جماعة قال السبكي : وأحسن الأجوبة أنه فيمن يعرف اللفظ فكانوا أولاً يصدقون في إرادة التأكيد لديانتهم فلما كثرت الأخلاط فيهم اقتضت المصلحة عدم تصديقهم وإيقاع الثلاث، واعترضه العلامة ابن حجر قائلاً : إنه عجيب فإن صريح مذهبنا تصديق مريد التأكيد بشرطه وإن بلغ في الفسق ما بلغ، ثم نقل عن بعض المحققين أن أحسنها أنهم كانوا يعتادونه طلقة ثم في زمن عمر رضي الله تعالى عنه استعجلوا وصاروا يوقعونه ثلاثاً فعاملهم بقضيته وأوقع الثلاث عليهم، فهو إخبار عن اختلاف عادة الناس لا عن تغيير حكم في مسألة، واعترض عليه بعدم مطابقته للظاهر المتبادر من كلام عمر لا سيما مع قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الثلاث الخ، فهو تأويل بعيد لا جواب حسن فضلاً عن كونه أحسن، ثم قال : والأحسن عندي أن يجاب بأن عمر رضي الله تعالى عنه لما استشار الناس علم فيه ناسخاً لما وقع قبل فعمل بقضيته وذلك الناسخ إما خبر بلغه أو إجماع وهو لا يكون إلا عن نص، ومن ثَمّ أطبق علماء الأمة عليه، وأخبار ابن عباس لبيان أن الناسخ إنما عرف بعد مضي مدة من وفاته ﷺ انتهى، وأنا أقول الطلاق الثلاث في كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يحتمل أن يكون بلفظ واحد، وحينئذ يكون الاستدلال به على المدعي ظاهراً، ويؤيد هذا الاحتمال ظاهراً ما أخرجه أبو داود عنه إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق ثلاثاً بفم واحدة فهي واحدة وحينئذ يجاب بالنسخ، ويحتمل أن يكون بألفاظ ثلاثة في مجلس واحد مثل أنت طالق أنت طالق أنت طالق، ويحمل ما أخرجه أبو داود على هذا بأن/ يكون ثلاثاً متعلقاً بقال لا صفة لمصدر محذوف أي طلاقاً ثلاثاً ولا تمييز للإبهام الذي في الجملة قبله ؛ وبفم واحدة معناه متتابعاً وحينئذ يوافق الخبر بظاهره أهل القول الأخير، ويجاب عنه بأن هذا في الطلاق قبل الدخول فإنه كذلك لا يقع إلا واحدة كما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ؛ لأن البينونة وقعت بالتطليقة الأولى فصادفتها الثانية وهي مبانة، ويدل على ذلك ما أخرجه أبو داود، والبيهقي عن طاوس أن رجلاً يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال : أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وصدراً من إمارة عمر ؟ قال ابن عباس : بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وصدراً من إمارة عمر فلما رأى الناس قد تتايعوا(١) فيها قال : أجيزوهن عليهم، وهذه مسألة اجتهادية كانت على عهد رسول الله ﷺ ولم يرو في الصحيح أنها رفعت إليه فقال فيها شيئاً، ولعلها كانت تقع في المواضع النائية في آخر أمره ﷺ فيجتهد فيها من أوتي علماً فيجعلها واحدة ؛ وليس في كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تصريح بأن الجاعل رسول الله ﷺ، بل في قوله جعلوها واحدة إشارة إلى ما قلنا، وعمر رضي الله تعالى عنه بعد مضي أيام من خلافته ظهر له بالاجتهاد أن الأولى القول بوقوع الثلاث لكنه خلاف مذهبنا، وهو مذهب كثير من الصحابة حتى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقد أخرج مالك، والشافعي، وأبو داود، والبيهقي عن معاوية بن أبي عياش أنه كان جالساً مع عبد الله بن الزبير، وعاصم بن عم
ومنه يعلم أن المخالف معمم لا مقسم وإذا قلنا إنه مقسم بناءاً على ما فيه كتب بعض مذهبه فغاية ما أثبت أن الجمع خلاف الأولى من التفريق على الأقراء أو الأشهر، وقد علمت أن تقسيم أبي القاسم ﷺ غير تقسيمه، وأجيب عما في خبر عويمر بأنها واقعة حال فلعلها من المستثنيات لما أن مقام اللعان ضيق فيغتفر فيه مثل ذلك ويعذر فيه الغيور ؛ وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما وحملوا الآية على أن المراد التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق لما أن وظيفة الشارع بيان الأمور الشرعية واللام ليست نصاً في العهد بل الظاهر منها الجنس وأيضاً تقييد الطلاق بالرجعي يدع ذكر الرجعة بقوله سبحانه :﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ كراراً إلا أن يقال المطلوب ههنا الحكم المردد بين الإمساك والتسريح، وأيضاً لا يعلم على ذلك الوجه حكم الطلاق الواحد إلا بدلالة النص، وهذا الوجه مع كونه أبعد عن توهم التكرار ودلالته على حكم الطلاق الواحد بالعبارة يفيد حكماً زائداً وهو التفريق، ودلالة الآية حينئذ على ما ذهبوا إليه ظاهرة إذا كان معنى مرتين مجرد التكرير دون التثنية على حد ﴿ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] أي كرة بعد كرة لا كرتين ثنتين إلا أنه يلزم عله إخراج التثنية عن معناها الظاهر، وكذا إخراج الفاء أيضاً وجعل ما بعدها حكماً مبتدأ وتخييراً مطلقاً عقيب تعليمهم كيفية التطليق وليس مرتباً على الأول ضرورة أن التفريق المطلق لا يترتب عليه أحد الأمرين لأنه إذا كان بالثلاث لا يجوز بعده الإمساك ولا التسريح وتحمل الفاء حينئذ على التركيب الذكري أي إذا علمتم كيفية الطلاق فاعلموا أن حكمه الإمساك أو التسريح فالإمساك في الرجعي والتسريح في غيره، وإذا كان معنى مرتين التفريق مع التثنية كما قال به المحققون بناءاً على أنه حقيقة في الثاني ظاهر في الأول ؛ إذ لا يقال لمن دفع إلى آخر درهمين مرة واحدة أنه أعطاه مرتين حتى يفرق بينهما، وكذا لمن طلق زوجته ثنتين دفعة أنه طلق مرتين اندفع حديث ارتكاب خلاف الظاهر في التثنية كما هو ظاهر، وفيما بعدها أيضاً لصحة الترتب ويكون عدم جواز الجمع بين التطليقتين مستفاداً من ﴿مَرَّتَانِ﴾ الدالة على التفريق والتثنية.
وعدم الجمع بين الثالثة مستفاداً من قوله سبحانه :﴿أَوْ تَسْرِيحٌ﴾ حيث رتب على ما قبله بالفاء قيل : إنه مستفاد من دلالة النص هذا، ثم من أوجب التفريق ذهب إلى أنه لو طلق غير مفرق وقع طلاقه وكان عاصياً، وخالف في ذلك الإمامية وبعض من أهل السنة كالشيخ أحمد بن تيمية ومن اتبعه قالوا : لو طلق ثلاثاً بلفظ واحد لا يقع إلا واحدة احتجاجاً بهذه الآية وقياساً على شهادات اللعان ورمي الجمرات فإنه لو أتى بالأربع بلفظ واحد لا تعد له أربعاً بالإجماع وكذا لو رمى بسبع حصيات دفعة واحدة لم يجزه إجماعاً، ومثل ذلك ما لو حلف ليصلين على النبي ﷺ ألف مرة فقال صلى الله تعالى على النبي ﷺ ألف مرة فإنه لا يكون باراً ما لم يأت بآحاد الألف، وتمسكاً بما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وسنيتين من خلافة عمر واحدة فقال عمر : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه.
وذهب بعضهم إلى أن مثل ذلك ما لو طلق في مجلس واحد ثلاث مرات فإنه لا يقع إلا واحدة أيضاً لما أخرج البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال :«طلق ركانة امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً فسأله رسول الله ﷺ كيف طلقتها ؟ قال : طلقتها ثلاثاً قال : في مجلس واحد ؟ قال : نعم قال : فإنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت فراجعها » والذي عليه أهل الحق اليوم خلاف ذلك كله.
والجواب عن الاحتجاج بالآية أنها كما علمت ليست نصاً في المقصود، وأما الحديث فقد أجاب عنه جماعة قال السبكي : وأحسن الأجوبة أنه فيمن يعرف اللفظ فكانوا أولاً يصدقون في إرادة التأكيد لديانتهم فلما كثرت الأخلاط فيهم اقتضت المصلحة عدم تصديقهم وإيقاع الثلاث، واعترضه العلامة ابن حجر قائلاً : إنه عجيب فإن صريح مذهبنا تصديق مريد التأكيد بشرطه وإن بلغ في الفسق ما بلغ، ثم نقل عن بعض المحققين أن أحسنها أنهم كانوا يعتادونه طلقة ثم في زمن عمر رضي الله تعالى عنه استعجلوا وصاروا يوقعونه ثلاثاً فعاملهم بقضيته وأوقع الثلاث عليهم، فهو إخبار عن اختلاف عادة الناس لا عن تغيير حكم في مسألة، واعترض عليه بعدم مطابقته للظاهر المتبادر من كلام عمر لا سيما مع قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الثلاث الخ، فهو تأويل بعيد لا جواب حسن فضلاً عن كونه أحسن، ثم قال : والأحسن عندي أن يجاب بأن عمر رضي الله تعالى عنه لما استشار الناس علم فيه ناسخاً لما وقع قبل فعمل بقضيته وذلك الناسخ إما خبر بلغه أو إجماع وهو لا يكون إلا عن نص، ومن ثَمّ أطبق علماء الأمة عليه، وأخبار ابن عباس لبيان أن الناسخ إنما عرف بعد مضي مدة من وفاته ﷺ انتهى، وأنا أقول الطلاق الثلاث في كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يحتمل أن يكون بلفظ واحد، وحينئذ يكون الاستدلال به على المدعي ظاهراً، ويؤيد هذا الاحتمال ظاهراً ما أخرجه أبو داود عنه إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق ثلاثاً بفم واحدة فهي واحدة وحينئذ يجاب بالنسخ، ويحتمل أن يكون بألفاظ ثلاثة في مجلس واحد مثل أنت طالق أنت طالق أنت طالق، ويحمل ما أخرجه أبو داود على هذا بأن/ يكون ثلاثاً متعلقاً بقال لا صفة لمصدر محذوف أي طلاقاً ثلاثاً ولا تمييز للإبهام الذي في الجملة قبله ؛ وبفم واحدة معناه متتابعاً وحينئذ يوافق الخبر بظاهره أهل القول الأخير، ويجاب عنه بأن هذا في الطلاق قبل الدخول فإنه كذلك لا يقع إلا واحدة كما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ؛ لأن البينونة وقعت بالتطليقة الأولى فصادفتها الثانية وهي مبانة، ويدل على ذلك ما أخرجه أبو داود، والبيهقي عن طاوس أن رجلاً يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال : أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وصدراً من إمارة عمر ؟ قال ابن عباس : بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وصدراً من إمارة عمر فلما رأى الناس قد تتايعوا(١) فيها قال : أجيزوهن عليهم، وهذه مسألة اجتهادية كانت على عهد رسول الله ﷺ ولم يرو في الصحيح أنها رفعت إليه فقال فيها شيئاً، ولعلها كانت تقع في المواضع النائية في آخر أمره ﷺ فيجتهد فيها من أوتي علماً فيجعلها واحدة ؛ وليس في كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تصريح بأن الجاعل رسول الله ﷺ، بل في قوله جعلوها واحدة إشارة إلى ما قلنا، وعمر رضي الله تعالى عنه بعد مضي أيام من خلافته ظهر له بالاجتهاد أن الأولى القول بوقوع الثلاث لكنه خلاف مذهبنا، وهو مذهب كثير من الصحابة حتى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقد أخرج مالك، والشافعي، وأبو داود، والبيهقي عن معاوية بن أبي عياش أنه كان جالساً مع عبد الله بن الزبير، وعاصم بن عم
١ _ قوله: تتايع الناس هو بتاءين فوقيتين بعدهما ألف ومثناة تحتية بعدها عين مهملة وهو الوقوع في الشر من غير تماسك ولا توقف. وفي أصل المؤلف بتاء بعدها باء وهو تصحيف تدبر اهـ إدارة الطباعة المنيرية..