البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الإمساك : للشيء حبسه، ومنه اسمان : مسك ومساك، يقال : إنه لذو مسك وميساك إذا كان بخيلاً، وفيه مسكة من خير أي : قوة، وتماسك ومسيك بيَّن المساكة.
التسريح : الإرسال، وسرح الشعر خلص بعضه من بعض، والماشية أرسلها لترعى، والسرح الماشية، وناقة مسرح سهلة المسير لانطلاقها فيه.
﴿الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان﴾ سبب نزول هذه الآية ما روى هشام بن عروة، عن أبيه : أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثم راجعها قبل انقضاء عدتها، كان له ذلك، ولو طلق ألف ألف مرة، فطلق رجل امرأته، ثم راجعها قبل انقضاء عدتها رجل استبرأ، فحين طلق شارفت انقضاء العدة راجعها، ثم طلقها، ثم قال : والله لا أقربك إلىّ ولا تخلين مني، فشكت ذلك إلى النبي ﷺ، فنزلت.
ومناسبتها لما قبلها ظاهرة، وهو أنه لما تضمنت الآية قبلها الطلاق الرجعي، وكانوا يطلقون ويراجعون من غير حد ولا عدّ، بيَّن في هذه الآية، أنه : مرتان، فحصر الطلاق الرجعي في أنه مرتان، أي يملك المراجعة إذا طلقها، ثم يملكها إذا طلق، ثم إذا طلق ثالثة لا يملكها.
وهو على حذف مضاف أي : عدد الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان، والثالثة لا يملك فيها الرجعة.
فعلى هذا الألف واللام في الطلاق للعهد في الطلاق السابق، وهو الذي تثبت معه الرجعة، وبه قال عروة، وقتادة، وقيل : طلاق السنة المندوب بينه بقوله : الطلاق مرتان، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقيل : المعنى بذلك تفريق الطلاق إذا أراد أن يطلق ثلاثاً، وهو يقتضيه اللفظ، لأنه لو طلق مرتين معاً في لفظ واحد لما جاز أن يقال : طلقها مرتين، وكذلك لو دفع إلى رجل درهمين لم يجز أن يقال : أعطاه مرتين، حتى يفرق الدفع، فحينئذ يصدق عليه.
هكذا بحثوه في هذا الموضع، وهو بحث صحيح.
وما زال يختلج في خاطري انه لو قال : أنتِ طالق مرتين أو ثلاثاً، أنه لا يقع إلاَّ واحدة، لأنه مصدر للطلاق، ويقتضي العدد، فلا بد أن يكون الفعل الذي هو عامل فيه يتكرر وجوداً، كما تقول : ضربت ضربتين، أو ثلاث ضربات، لأن المصدر هو مبين لعدد الفعل، فمتى لم يتكرر وجوداً استحال أن يكرر مصدره وان يبين رتب العدد، فإذا قال : أنت طالق ثلاثاً، فهذه لفظ واحد، ومدلوله واحد، والواحد يستحيل أن يكون ثلاثاً أو اثنين، ونظير هذا أن ينشىء الإنسان بيعاً بينه وبين رجل في شيء ثم يقول عند التخاطب : بعتك هذا ثلاثاً، فقوله ثلاثاً لغو وغير مطابق لما قبله، والإنشاءات أيضاً يستحيل التكرار فيها حتى يصير المجمل قابلاً لذلك الإنشاء، وهذا يعسر إدراكه على من اعتاد أنه يفهم من قول من قال : طلقتك مرتين أو ثلاثاً، أنه يقع الطلاق مرتين أو ثلاثاً على ما نذكره.
قالوا : وتشتمل هذه الآية على أحكام.
منها أن مسنون الطلاق التفريق بين أعداد الثلاث إذا أراد أن يطلق ثلاثاً، وأن من طلق ثلاثاً أو اثنتين في دفعة واحدة كان مطلقاً لغير السنة.
ومنها أن ما دون الثلاث ثبت مع الرجعة، وأنه إذا طلق اثنتين في الحيض وقعتا، وإن نسخ الزيادة على الثلاث.
ولم تتعرض الآية للوقت المسنون فيه إيقاع الطلاق، وسنتكلم على ذلك في مكان ذكره إن شاء الله تعالى، وقسموا هذا الطلاق إلى : واجب، ومحظور، ومسنون، ومكروه، ومباح، وهذا من علم الفقه، فنتكلم عليه في كتبه.
وظاهر الآية العموم فيدخل في الطلاق : الحر والعبد، فيكون حكمهما سواء، ونقل أبو بكر الرازي اتفاق السلف وفقهاء الأمصار على أن الزوجين المملوكين ينفصلان بالثنتين، ولا يحل له بعدهما إلاَّ بعد زوج، وروي عن ابن عباس ما يخالف شيئاً من هذا، وهو أن أمر العبد في الطلاق إلى المولى.
واختلفوا إذا كان أحدهما حراً والآخر رقيقاً، فقيل : الطلاق بالنساء، فلو كانت حرة تحت عبد أو حر فطلاقها ثلاث، أو أمة تحت حر أو عبد فطلاقهما تنتان، وبه قال أبو علي، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، والثوري، والحسن بن صالح.
وقيل : الطلاق بالرجال، فلو كانت أمة تحت حر فطلاقها ثلاث، أو حرة تحت عبد فطلاقها ثنتان، وبه قال عمر، وعثمان البتي.
والطلاق مصدر طلقت المرأة طلاقاً، ويكون بمعنى التطليق.
كالسلام بمعنى التسليم، وهو مبتدأ، ومرتان خبره، وهو على حذف مضاف، أي : عدد الطلاق المشروع فيه الرجعة، أو الطلاق الشرعي المسنون مرتان، واحتيج إلى تقدير هذا المضاف حتى يكون الخبر هو المبتدأ، و : مرتان، تثنية حقيقة، لأن الطلاق الرجعي أو المسنون، على اختلاف القولين، عدده هو مرتان على التفريق، وقد بينا كونه يكون على التفريق.
وقال الزمخشري : ولم يرد بالمرتين التثنية والتكرار كقوله تعالى :﴿ثُمَّ ارجع البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أي : كرة بعد كرة، لا كرتين اثنتين، ونحو ذلك من التتالي التي يراد بها التكريرة، قولهم : لبيك، وسعديك، وحنانيك، وهذا ذيك، ودواليك.
انتهى كلامه.
وهو في الظاهر مناقض لما قال قبل ذلك، ومخالف لما في نفس الأمر.
أما مناقضته فإنه قال في تفسير : الطلاق مرتان، أي : التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق.
دون الجمع، والإرسال دفعة واحدة، فقوله : تطليقة بعد تطليقة مناقض في الظاهر لقول : ولم يرد بالمرتين التثنية، لأنك إذا قلت ضربتك ضربة بعد ضربة، إنما يفهم من ذلك الاقتصار على ضربتين، وهو مساوٍ في الدلالة لقولك : ضربتك ضربتين، ولأن قولك : ضربتين، لا يمكن وقوعهما إلاَّ ضربة بعد ضربة.
وأما مخالفته لما في نفس الأمر، فليس هذا من التثنية التي تكون للتكرير، لأن التثنية التي يراد بها التكرير لا يقتضي بتكريرها ثنتين ولا ثلاث، بل يدل على التكرير مراراً، فقولهم : لبيك، معناه إجابة بعد إجابة فما زاد، وكذلك أخواتها، وكذلك قوله : كرتين، معناه ثم أرجع البصر مراراً كثيرة والتثنية في قوله :﴿الطلاق مَرَّتَانِ﴾ إنما يراد بها شفع الواحد، وهو الأصل في التثنية، ألا ترى أنه لا يراد هنا بقوله : مرتان، ما يزيد على الثنتين لقوله بعد :﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان﴾ هي الطلقة الثالثة ؟ ولذلك جاء بعد :﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ أي : فإن سرحها الثالثة، وإذا تقرر هذا، فليس قوله : مرتان دالاً على التكرار الذي لا يشفع، بل هو مراد به شفع الواحد، وإنما غر الزمخشري في ذلك صلاحية التقدير بقوله : الطلاق الشرعي تطليقة بعد تطليقة، فجعل ذلك من باب التثنية التي لا يشفع الواحد، ومراد بها التكثير.
إلاَّ أنه يعكر عليه أن الأصل شفع الواحد، وأن التثنية التي لا تشفع الواحد ويراد بها التكرار لا يقتصر بها على الثلاث في التكرار، ولما حمل الزمخشري قوله تعالى : مرتين، على أنه من باب التثنية التي يراد بها التكرير، احتاج أن يتأول قوله تعالى :﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان﴾ على أنه تخيير لهم، بعد أن علمهم كيف يطلقون، بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة والقيام بواجبهنّ، وبين أن يسرحوهنّ السراح الجميل الذي علمهم.
وتحصل من هذا الكلام أن قوله تعالى :﴿الطلاق مَرَّتَانِ﴾ فيه قولان للسلف.
أحدهما : أنه بيان لعدد الطلاق الذي للزوج أن يرتجع منه دون تجديد مهر وولي، وإليه ذهب عروة، وقتادة، وابن زيد.
والثاني : أنه تعريف سنة الطلاق، أي : من طلق اثنتين فليتق الله في الثالثة، فإما تركها غير مظلومة شيئاً من حقها، وإما امساكها محسناً عشرتها، وبه قال ابن مسعود، وابن عباس وغيرهما.
قال ابن عطية : والآية تتضمن هذين المعنيين، والإمساك بالمعروف هو الارتجاع بعد الثانية إلى حسن العشرة، والتزام حقوق الزوجية.
انتهى كلامه.
وحكى الزمخشري القول الأول، فقال : وقيل معناه : الطلاق الرجعي مرتان، لأنه لا رجعة بعد الثلاث، فإمساك بمعروف، أي برجعة، أو تسريح بإحسان أي بأن لا يراجعها حتى تبين بالعدة، أو بأن لا يراجعها مراجعة، يريد بها تطويل العدة عليها وضرارها، وقيل : بأن يطلقها الثالثة.
وروي أن سائلاً سأل رسول الله ﷺ أين الثالثة ؟ فقال عليه السلام « أو تسريح بإحسان » انتهى كلامه.
وتفسير : التسريح بإحسان، أن لا يراجعها حتى تبين بالعدة، هو قول الضحاك، والسدي.
وقوله : أو بأن لا يراجعها مراجعة يريد بها تطويل العدة عليها وضرارها، كلام لا يتضح تركيبه على تفسير قوله : أو تسريح بإحسان، لأنه يقتضي أن يراجعها مراجعة حسنة مقصوداً بها الإحسان والتآلف والزوجية، فيصير هذا قسيم قوله :﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ فيكون المعنى : فامساك بمعروف أو مراجعة مراجعة حسنة.
وهذا كلام لا يلتئم أن يفسر به ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان﴾ ولو فسر به فإمساك بمعروف لكان صواباً.
وأما قوله : وقيل بأن يطلقها الثالثة، فهو قول مجاهد وعطاء وجمهور السلف، وعلماء الأمصار.
قال ابن عطية : ويقوى هذا القول عندي من ثلاثة وجوه.
أولها : أنه روي أن رجلاً قال للنبي ﷺ : يا رسول الله هذا ذكر الطلقتين، فأين الثالثة ؟ فقال عليه السلام :« هي قوله :﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان﴾ »
والوجه الثاني : أن التسريح من ألفاظ الطلاق، ألا ترى أنه قد قرئ : وان عزموا السراح ؟.
والوجه الثالث : أن فعل تفعيلاً، هذا التضعيف يعطي أنه أحدث فعلاً مكرراً على الطلقة الثانية، وليس في الترك إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل.
انتهى كلامه.
وهو كلام حسن.
والذي يدل عليه ظاهر اللفظ : أن : الطلاق، الألف واللام فيه للعهد، وهو الطلاق الذي تقدم قبل قوله :﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذلك﴾ وهو ما كان الطلاق رجعياً، وأن قوله :﴿مَرَّتَانِ﴾ بيان لعدد هذا الطلاق، وأن قوله :﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ بالفاء التي هي للتعقيب بعد صدور الطلقتين، ووقوعها كناية عن الرد بعد الطلقة الثانية، وفاء التعقيب تقتضي التعدية، وأن قوله :﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان﴾ صريح في الطلقة الثالثة، لأنه معطوف على ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ وما عطف على المتعقب بعد شيء لزم فيه أن يكون متعقباً لذلك الشيء، فجعل له حالتان بعد الطلقتين، إما أن يمسك بمعروف، وإما أن يطلق بإحسان.
إلاَّ أن العطف بأو ينبو عنه الدلالة على هذا المعنى، لأنه يدل على أحد الشيئين، ويقوي إذ ذاك أن يكون التسريح كناية عن التخلية والترك، لأن المعنى يكون : الطلاق مرتين فبعدهما أحد أمرين : إما الامساك، وهو كناية عن الردّ، وإما التسريح، فيكون كناية عن التخلية.
واستمرار التسريح لا إنشاء التسريح، وإما أن تدل على إيقاع التسريح بعد الإمساك المعبر به عن الردّ، فإن قدر شرط محذوف، وجعل : فإمساك، جواباً لذلك الشرط، وجعل الإمساك كناية عن استمرار الزوجية، أمكن أن يراد بالتسريح إنشاء الطلاق، فيكون التقدير : فإن أوقع التطليقتين وردّ الزوجة ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان﴾، لأن الرد يعتقبه أحد هذين، إما الاستمرار على الزوجية، فيكون بمعروف، وإما

تفسير هذه الآية من كتب أخرى