الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ ) [ ٢٢٧ ] أي : فعليكم إمساك، هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه ؛ وذلك أن الرجل كان يطلق امرأته ما شاء من الطلاق، فإذا كادت تحل راجعها، فنسخ الله ذلك بأنه إذا طلق ثلاثاً(١)، لم تحل له إلا بعد نكاح وزوج آخر(٢).
وقيل : إنها منسوخة بقوله :( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ )(٣)(٤) وقيل : هي محكمة، وقوله :( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) تبيين(٥) لقوله :( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ )(٦).
ومن قال : إنما محكمة منهم، قال(٧) : " لا ينبغي أن يطلق إلا اثنتين(٨)، ثم إن شاء طلق الثالثة أو أمسك(٩) لقوله :( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ ). قاله عكرمة(١٠).
وقال الشافعي : " يطلقها في كل طهر لم يجامعها فيه ما شاء(١١) ".
وقال أكثر الناس : " يطلقها في كل طهر طلقة(١٢) واحدة(١٣) ".
ومعنى ( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ ) : أي : الطلاق الذي يجوز معه الرجعة وتملك المرأة بعده مرتان، فهو تبيين(١٤) للعدد.
[ وقوله(١٥) ] :( اَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) [ ٢٢٧ ].
هي الثالثة(١٦) التي لا ملك للرجل على المرأة بعدها، روي ذلك عن النبي [ عليه السلام ](١٧).
وقيل :/معنى ( اَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) : يتركها فلا يراجعها حتى توفي عدتها.
وعن ابن عباس :( تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) : " لا يظلمها من حقها شيئا(١٨) " (١٩).
قال ابن عباس : " ( وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثاقاً غَلِيظاً )(٢٠) هو ( فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ )(٢١)، أي صحبة حسنة، أو ( تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ )، لا يظلمها من(٢٢) حقها شيئاً " (٢٣).
قوله :( وَلاَ يَحِلُّ لَكُمُ أَن تَاخُذُوا مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ) [ ٢٢٧ ].
أي مما أعطيتموهن إذا أردتم/فراقهن.
قوله :( اِلاَّ أَنْ يَّخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ) [ ٢٢٧ ].
اختار أبو عبيد الضم في ( يَّخَافَا(٢٤) ) على قراءة حمزة(٢٥)، واحتج بقوله :( فَإِن خِفْتُمُ ) [البقرة: ٢٢٩] فجعل الخوف لغيرهما، ولم يقل " فإن خافا(٢٦) ". وفيه حجة لمن جعل الخلع إلى السلطان(٢٧) ".
والخوف هنا عند أبي عبيدة بمعنى اليقين(٢٨). وهذا النص إنما هو في الخلع الذي يكون بين الزوجين، فيأخذ(٢٩) منهما ما اتفقا عليه، ويتركها لقوله :( فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ).
ولا يحل للزوج أن يأخذ من المرأة شيئاً على طلاقها إذا كانت المضارة من قبله(٣٠)، وإنما يأخذ منها على الطلاق إذا(٣١) كانت هي(٣٢) التي كرهته، وأحبت فراقه من غير مضارة منه لها.
وهذه الآية عند بعضهم منسوخة، ولا يجوز أن يأخذ منها شيئاً نسخها قوله :( وَإِنَ اَرَدتُّمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمُ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً )(٣٣)(٣٤).
وأكثر الناس على أنها محكمة، وأن له أن يأخذ منها ما اتفقا عليه، وتلك الآية في النساء إنما هي لمن أراد الاستبدال، وهذه لمن خيف منهما ألا يقيما حدود الله، فهما محكمتان(٣٥).
وروي أن هذه الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي [ بن ](٣٦) سلول وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس(٣٧)، وكانت تبغضه ويحبها، فأتت أباها فردها ولم يشكها، فصارت إلى النبي ﷺ وقالت : " إن ثابتاً(٣٨) [ يظلمني ويضربني ](٣٩). فأحضر رسول الله ﷺ ثابتاً فقال : " والله يا رسول الله ما على وجه الأرض أحد أحب إلي منها سواك ". فقال للمرأة : " مَا تَقُولِينَ ؟. فقالت : " يا رسول الله(٤٠)، ما كنت لأخبرك بخبر ينزل عليه الوحي بإبطاله، هو كما وصف، وفرق بيني وبينه ". فقال ثابت : " فترد إلي الحديقة التي جعلتها لها ". فأمرها النبي ﷺ بردها، ثم طلقها، وكان ذلك أول خلع كان في الإسلام(٤١). والخلع جائز بغير سلطان(٤٢)، وإنما يكون الخلع والافتداء إذا كان النشوز(٤٣) من قبل المرأة(٤٤).
قال ابن عباس : " هو أن يظهر من المرأة سوء الخلق والعشرة للرجل، فله أن يأخذ ما أعطته ويفارقها، فإن كانت راضية به، فلا يحل له(٤٥) أن يضارر بها حتى تفتدي منه، فإن فعل كان ما أخذ حراماً " (٤٦).
وإنما الخلع إذا كان الشيء المنكر من قبلها ؛ /فتقول : " لا أغتسل لك من جنابة، ولا أَبَرُّ لَكَ قسماً " (٤٧) ثم افتدت منه وخالعها، فذلك جائز حسن.
وقال القاسم بن(٤٨) محمد : " لا يحل الخلع حتى يخافا جميعاً ألا يقيما حدود الله في العشرة الواجبة بينهما ".
وقال زيد بن أسلم : " إذا خافت المرأة ألا تؤدي حق زوجها/وخاف الرجل ألا يؤدي حق زوجته(٤٩)، فلا جناح(٥٠) في الفدية ".
قال مالك : " الأمر عندنا أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة، ولم تُؤتَ من قبله وأحبت فراقه فحلال ما افتدت به(٥١) ".
قال : " ولم أرَ أحداً ممن/يُقتدى(٥٢) به، يكره أن يفتدي(٥٣) بأكثر من صداقها(٥٤) ".
وقال أبو حنيفة : " لا يكون بأكثر مما ساق إليها(٥٥) ".
والخلع طلقة بائنة عند جماعة من الصحابة والتابعين، وهي قول مالك والشافعي وغيرهما من الفقهاء(٥٦).
وعدتها عدة المطلقة عند مالك والشافعي وغيرهما(٥٧).
وهو مروي عند جماعة من الصحابة والتابعين(٥٨).
ولا سبيل لزوج المختلعة إليها إلا بخطبة ونكاح جديد عند مالك والأوزاعي. وهو قول عطاء وطاوس(٥٩) والحسن(٦٠) والنخعي والثوري.
وقال ابن المسيب : " يَرُدُّ عليها ما أخذ منها، وليشهد على رجعتها ". وكذلك قال الزهري.
قال مالك : " عليها أن تكمل بقية عدتها ". وكذلك قال الحسن وعطاء، ثم بعد ذلك يراجعها بنكاح جديد إن شاء.
وقوله :( فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ). [ ٢٢٧ ].
أي لا جناح عليها(٦١) فيما أعطت إذا كان النشوز من قبلها. ولا جناح عليه فيما أخذ إذا كان الضرر من قبلها.
وقيل :( فَلاَ جُنَاحَ/عَلَيْهِمَا ) : هو مخاطبة للزوج وحده فيما أخذ(٦٢) منها ليتركها، وهذا كما قال :( يُخْرَجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ )(٦٣)، وإنما يخرج من الملح لا من العذب. وكما قال :( فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا )(٦٤)، وإنما الناسي صاحب موسى. وتقول : " عندي(٦٥) دابتان أركبهما وأسفي عليهما "، وإنما تركب إحداهما(٦٦).
وقوله :( فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ). [ ٢٢٧ ].
قيل : من صداقها الذي كان أعطاها، لقوله :( مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ). والذي أعطاها هو الصداق فرجع آخر الآية على(٦٧) أولها وكان ذلك أبين وأليق بالكلام. قال ذلك الأوزاعي(٦٨).
وكره الشعبي أن يأخذ منها إلا ما ساق أو دونه(٦٩) " ( وروي )(٧٠) ذلك عن علي رضي الله عنه(٧١). وأكثر الناس على أن له(٧٢) أن يأخذ ما رضيت به من قليل كان أو كثير لعموم الآية. وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وعكرمة(٧٣).
قوله :( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ) [ ٢٢٧ ]. أي هذه حدوده.
" وتلك " إشارة إلى الآيات التي تقدمت/من قوله :( وَلاَ تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُومِنّ ) إلى :( فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ )(٧٤).
فمعنى :( فَلاَ تَعْتَدُوهَا ) أي لا [ ﴿تجاوزوها إلى ما لم يأمركم به، ومن تجاوزها﴾ ](٧٥) فهو ظالم.
وقد قال الضحاك : " معناه : من طلق لغير العدة فقد اعتدى وظلم " (٧٦)، وأنكر ذلك غيره(٧٧).
١ - في ع٣: ثلاث..
٢ - انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ١٤٩-١٥٠، ونواسخ القرآن ٨٧-٨٨..
٣ - الطلاق آية ١..
٤ - انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ١٤٩..
٥ - في ق: تبين..
٦ - انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ١٤٩-١٥٠، ونواسخ القرآن ٨٧-٨٨..
٧ - في ع١، ح، ق: من قال..
٨ - في ع٣: اثنين..
٩ - في ق: إمساك. وهو تحريف..
١٠ - انظر: جامع البيان ٤/٥٤٢. وهو أيضاً قول ابن مسعود. انظر تفسيره ٢/١٢٠..
١١ - انظر: الرسالة ٥٦٧، وأحكام الشافعي ١/٢٤٤..
١٢ - في ع٣: مرة..
١٣ - انظر: سنن ابن ماجه ١/٦٥١..
١٤ - في ق: تبين..
١٥ - "وقوله" ساقط من ق. وفي ع٣: قوله..
١٦ - في ع٢، ع٣: الثلاثة..
١٧ - في ع٣: صلى الله عليه وسلم. وانظر الحديث في سنن البيهقي ٧/٣٤٠..
١٨ - في ح: شيئاً ومطلقها..
١٩ - انظر: جامع البيان ٤/٥٤٢-٥٤٣..
٢٠ - النساء آية ٢١..
٢١ - البقرة آية ٢٢٩..
٢٢ - سقط من ع٣..
٢٣ - انظر: جامع البيان ٤/٥٤٨..
٢٤ - في ع٢: يخاف..
٢٥ - انظر: كتاب السبعة ١٨٢، والتبصرة ١٦٠، والكشف ١/٢٩٤-٢٩٥، والتيسير ٨٠، وكتاب العنوان ٧٤، والحجة ١٣٥.
وقد عزا ابن الجوزي هذه القراءة في النشر ٢/٢٢٧، وتحبير التيسير ٩١ إلى أبي جعفر ويعقوب. وقرأ باقي السبعة بفتح الياء. انظر المصادر السابقة..

٢٦ - في ع٢: يخاف..
٢٧ - قارن بكتابه الكشف ١/٢٩٥..
٢٨ - انظر: مجاز القرآن ١/٧٤، وراجع الكشف ١/٢٩٥..
٢٩ - تصوب لازم. وفي جميع النسخ: فأخذ..
٣٠ - في ع٢: قبلها..
٣١ - في ع٣: إذ..
٣٢ - في ق: هي من جهته..
٣٣ - النساء آية ٢٠..
٣٤ - انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ١٥٠، ونواسخ القرآن ٨٨-٨٩..
٣٥ - انظر: المصدر السابق..
٣٦ - تكملة لازمة من الإصابة ٢/١٧٩-١٨٠ (ط. بيروت)..
٣٧ - هو ثابت بن قيس بن شماس الخزرجي، خطيب الأنصار ومن كبار الصحابة، بشره النبي ﷺ بالجنة. استشهد باليمامة سنة ١١هـ. انظر: طبقات ابن خياط ٩٤، وتقريب التهذيب ١/١١٦-١١٧، والخلاصة ١/١٥٠..
٣٨ - في ع٣: ثابت..
٣٩ - في ع٢، ع٣: يضربني ويظلمني..
٤٠ - قوله: "ما على وجه الأرض.. رسول الله" ساقط من ع٢..
٤١ - انظر: صحيح البخاري ٦/١٧٠، وسنن النسائي ٦/١٦٩، وسنن الدارمي ٢/١٦٣..
٤٢ - وهو قول الجمهور. انظر: تفسير القرطبي ٣/١٣٨..
٤٣ - في ع٢: النشور. وهو تصحيف..
٤٤ - وهو قول الضحاك في جامع البيان ٤/٥٥٩..
٤٥ - سقط من ع٣..
٤٦ - انظر: جامع البيان ٤/٥٥٧، والمحرر الوجيز ٢/٢٠١، والدر المنثور ١/٦٧٠..
٤٧ - وهو قول ابن عباس والحسن والشعبي ومالك وجمهور الفقهاء. انظر جامع البيان ٤/٥٥٨، وتفسير القرطبي ٣/١٣٨..
٤٨ - في ع١، ق: ابن..
٤٩ - في ع٢: زوجتها. وهو خطأ..
٥٠ - في ح: جناح عليهما..
٥١ - انظر: تفسير القرطبي ٣/١٣٩..
٥٢ - في ع٣: يفتدى. وهو تصحيف..
٥٣ - في ع٣: تفدى. وفي ع٣: يفتدى..
٥٤ - انظر: الموطأ ٢/٥٦٥، وتفسير القرطبي ٣/١٤١..
٥٥ - انظر: أحكام الجصاص ١/٣٩٣..
٥٦ - انظر: الموطأ ٢/٥٦٥، والأم ٨/١٨٧-١٨٨، وتفسير ابن كثير ١/٢٥٧. وقوله: "من الفقهاء" ساقط من ق..
٥٧ - انظر: الموطأ ٢/٥٦٥، والأم ٨/١٨٧-١٨٨، وتفسير القرطبي ٣/١٤٤-١٤٥، وتفسير ابن كثير ١/٢٧٦. وقوله: "من الفقهاء.. وغيرهما" ساقط من ع٢، ع٣..
٥٨ - انظر: تفسير القرطبي ٣/١٤٤-١٤٥، وتفسير ابن كثير ١/٢٧٥..
٥٩ - في ع٢: الطاووس. وهو تحريف..
٦٠ - سقط من ع٢، ع٣..
٦١ - في ع٢، ق: عليهما..
٦٢ - قوله: "إذا ان الضرر... فيما أخذ" ساقط من ع٢..
٦٣ - الرحمن آية ١٢٠..
٦٤ - الكهف آية ٦٠..
٦٥ - في ع٢: عني. وهو تحريف..
٦٦ - انظر: معاني الفراء ١/١٤٧، وجامع البيان ٤/٥٧٢-٥٧٣..
٦٧ - سقط من ع٣..
٦٨ - في ع٣: الأوزعي. وهو تحريف..
٦٩ - انظر: جامع البيان ٤/٥٧٤، والمحرر الوجيز ٢/٢٠٢..
٧٠ - في ق: روي..
٧١ - انظر: جامع البيان ٤/٥٧٤..
٧٢ - سقط من ع٢، ع٣..
٧٣ - انظر: جامع البيان ٤/٥٧٨-٥٧٩، وتفسير القرطبي ٣/١٤٠-١٤١..
٧٤ - انظر: هذا التوجيه في جامع البيان ٤/٥٨٤-٥٨٥..
٧٥ - في ع٢: تجاوزها إلى ما لم يأمركم به ومن يتجاوزها..
٧٦ - انظر: المصدر السابق..
٧٧ - رد الطبري هذا المعنى لأنه لا يتفق والسياق القرآني فلم "يجر للطلاق في العدة ذكر، فيقال: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) وإنما جرى ذكر العدد الذي يكون للمطلق فيه الرَّجعة، والذي لا يكون له فيه الرَّجعة دون ذكر البيان عن الطلاق للعدة" جامع البيان ٤/٥٨٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى