اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :" مَا لَمْ " في " مَا " ثلاثة أقوالٍ :
أظهرها : أن تكون مصدريةً ظرفيةً، تقديره : مدَّة عدم المسيس، كقوله تعالى :﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧] وقوله :﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧].
وقول الآخر :[ الكامل ]
والثاني : أن تكون شرطيةً، بمعنى " إِنْ " نقله أبو البقاء(٢). وليس بظاهرٍ ؛ لأنه يكون حينئذٍ من باب اعتراض الشرط على الشرط، فيكون الثاني قيداً في الأول ؛ نحو :" إِنْ تَأْتِ إِنْ تُحْسِنْ إِلَيَّ أُكْرِمْكَ " أي : إن أتيت محسناً، وكذا في الآية الكريمة : إن طلَّقتموهنَّ غير ماسِّين لهنَّ، بل الظاهر : أنَّ هذا القائل إنما أراد تفسير المعنى ؛ لأنَّ " مَا " الظرفية مشبَّهة بالشرطيَّة، ولذلك تقتضي التعميم.
والثالث : أن تكون موصولة بمعنى " الَّذِي "، وتكون للنساء ؛ كأنه قيل : إن طلَّقتم النِّساء اللاَّئي لم تمسُّوهنَّ، وهو ضعيفٌ، لأنَّ " مَا " الموصولة لا يوصف بها، وإن كان يوصف ب " الَّذِي "، و " الَّتي "، وفروعهما.
وقرأ الجمهور :" تَمَسُّوهُنَّ " ثلاثيّاً وهى واضحةٌ ؛ لأن الغشيان من فعل الرجل ؛ قال تعالى حكاية عن مريم ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم: ٢٠]. وقرأ حمزة(٣) والكسائيُّ في الأحزاب " تُمَاسُّوهُنَّ " من المفاعلة، فيحتمل أن يكون " فَاعَلَ " بمعنى " فَعَلَ " ك " سَافَرَ "، فتوافق الأولى، ويحتمل أن تكون على بابها من المشاركة ؛ كما قال تعالى :﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، وأيضاً : فإنَّ الفعل من الرجل والتمكين من المرأة، ولذلك قيل لها زانيةٌ، ورجَّح الفارسيّ قراءة الجمهور ؛ بأنَّ أفعال هذا الباب كلَّها ثلاثيّةٌ ؛ نحو : نَكَحَ، فَرَعَ، سَفَدَ، وضَرَبَ الفَحْلُ.
قال تعالى :﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ [الرحمن: ٧٤]، وقال :﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وأمّا قوله في الظّهار :﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] فالمراد به المماسَّة التي هي غير الجماع، وهي حرام في الظهار.
قوله :" أَوْ تَفْرِضُواْ " فيه أربعة أوجهٍ :
أحدها : أنه مجزوم عطفاً على " تَمَسُّوهُنَّ "، و " أَوْ " على بابها من كونها لأحد الشيئين، قاله ابن عطيَّة.
والثاني : أنه منصوب بإضمار " أَنْ " عطفاً على مصدر متوهَّم، و " أَوْ " بمعنى " إِلاَّ "، التقدير : ما لم تَمَسُّوهُنَّ إلا أن تفرضوا ؛ كقولهم :" لأَلْزَمَنَّكَ أَوْ تَقْضِيَني حَقِّي " قاله الزمخشريُّ.
والثالث : أنه معطوف على جملةٍ محذوفةٍ، تقديره :" فَرَضْتُمْ أَوْ لَم تَفْرِضُوا "، فيكون هذا من باب حذف الجزم وإبقاء عمله، وهو ضعيفٌ جدًّا، وكأنَّ الذي حسَّن هذا كون لفظ " لَمْ " موجوداً قبل ذلك.
والرابع : أن تكون " أَوْ " بمعنى الواو.
قال تعالى :﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] أي : وهم قائلون ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] أي : ويزيدون، وقوله :﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] وقوله :﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى﴾ [النساء: ٤٣] معناه وجاء أحدٌ منكم من الغائط، وأنتم مرضى أو مسافرون.
قال ابن الخطيب(٤) : فإذا تأمَّلت هذا القول، علمت أنّه متكلفٌ، بل خطأٌ قطعاً، والفرض في اللغة : التقدير، أي : تقدِّروا لهن شيئاً.
قوله :" فَرِيضَةً " فيه وجهان :
أظهرهما : أنه مفعولٌ به، وهو بمعنى مفعولة، أي : إلاَّ أن تفرضوا لهنَّ شيئاً مفروضاً.
والثاني : أن تكون منصوبةٌ على المصدر بمعنى فرضاً، واستجود أبو البقاء(٥) الوجه الأول ؛ قال :" وأَنْ يكونَ مفعولاً به، وهو الجَيِّدُ " والموصوف محذوفٌ، تقديره : متعةً مفروضةً.
هذه الآية نزلت في رجلٍ من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسمِّ لها مهراً، ثم طلَّقها قبل أن يمسَّها ؛ فنزلت هذه الآية ؛ فقال رسول الله ﷺ :" مَتِّعْهَا وَلَوْ بِقَلَنْسُوَتِك " (٦).
قوله :" وَمَتِّعُوهُنَّ " : قال أبو البقاء(٧) :" وَمَتِّعُوهِنَّ " معطوف على فعل محذوفٍ، تقديره :" فَطلِّقوهنَّ ومتِّعوهنَّ "، وهذا لا حاجة إليه ؛ فإنَّ الضمير المنصوب في " مَتِّعُوهُنَّ " عائدٌ على المطلَّقات قبل المسيس، وقبل الفرض، المذكورين في قوله :﴿إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ. . .﴾ إلى آخرها.
فإن قيل : ظاهر الآية مشعرٌ بأن نفي الجناح عن المطلق مشروطٌ بعدم المسيس، وليس كذلك، فإنّه لا جناح عليه أيضاً بعد المسيس.
فالجواب من وجوه :
الأول : أنّ الآية دالةٌ على إباحة الطلاق قبل المسيس مطلقاً في زمان الحيض، وغيره ؛ فكان عدم المسيس شرطاً في إباحة الطلاق مطلقاً.
الثاني : ما قدمناه من أنَّ " مَا " بمعنى " الذي "، والتقدير : إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسُّوهنَّ ؛ إلاَّ أنَّ " ما " اسمٌ جامدٌ لا ينصرف، ولا يبين فيه الإعراب، وعلى هذا فلا تكون " مَا " شرطاً فزال السؤال.
الثالث : قال القفال(٨) : إن المراد من الجناح في هذه الآية لزوم المهر، وتقديره : لا مهر عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسُّوهنَّ أو تفرضوا لهنَّ فريضة، يعني : لا يجب المهر إلاّ بأحد هذين الأمرين، فإذا فقدا جميعاً لم يجب المهر.
قال ابن الخطيب(٩) : وهذا ظاهر، وبيان أنَّ قوله :" لاَ جُنَاحَ " معناه : لاَ مَهْرَ ؛ لأنَّ إطلاق لفظ " الجنَاحِ " على المهر محتملٌ ؛ لأن أصل الجناح في اللغة : الثقل، يقال : جَنَحتِ السفينة، إذا مالت بثقلها، والذنب يسمَّى جناحاً ؛ لما فيه من الثِّقل، قال تعالى :﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وإذا ثبت أن الجناح هو الثقل، ولزوم أداء المال ثقل، فكان جُنَاحاً، ويدلُّ على أنَّ هذا هو المراد وجهان :
الأول : أنه تعالى قال :﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ نفى الجناح محدوداً إلى غاية، وهي إمَّا المسيس، أو الفرض والتقدير، فوجب أن يثبت ذلك الجناح عند حصول أحد هذين الأمرين، ثم إنَّ الجناح الذي يثبت عند أحد هذين الأمرين، هو لزوم المهر.
الوجه الثاني : أنَّ تطليق النساء قبل المسيس، وبعد تقدير المهر، وهو المذكور في الآية التي بعدها، هو تقدير المهر، وقد أوجب فيه نصف المهر وهذا كالمقابل له، فوجب أن يكون الجناح المنفي عنه هناك، هو المثبت هاهنا، فلما كان المثبت في الآية التي بعدها، هو لزوم المهر، وجب أن يقال : الجناح المنفي في هذه الآية هو لزوم المهر.
قوله :﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ جملةٌ من مبتدأ وخبر، وفيها قولان :
أحدهما : أنها لا محلَّ لها من الإعراب، بل هي استئنافيَّةٌ بيَّنت حال المطلِّق بالنسبة إلى إيساره وإقتاره.
والثاني : أنها في موضع نصب على الحال، وذو الحال فاعل " مَتِّعُوهُنَّ ".
قال أبو البقاء(١٠) :" تقديره : بقَدر الوُسْعِ "، وهذا تفسير معنًى، وعلى جعلها حاليةً : فلا بدَّ من رابطٍ بينها وبين صاحبها، وهو محذوفٌ، تقديره : على المُوسِع مِنْكُمْ، ويجوز على مذهب الكوفيين ومن تابعهم : أن تكون الألف واللام قامت مقام الضمير المضاف إليه، تقديره :" عَلَى مُوسِعِكُمْ قَدَرُهُ ".
وقرأ الجمهور :" المُوسِعِ " بسكون الواو وكسر السين، اسم فاعل من أوسَعَ يُوسِعُ، وقرأ(١١) أبو حيوة بفتح الواو وتشديد السين، اسم مفعولٍ من " وَسَّعَ ". وقرأ حمزة(١٢) والكسائيُّ وابن ذكوان وحفصً :" قَدَرهُ " بفتح الدال في الموضعين، والباقون بسكونها.
واختلفوا : هل هما بمعنًى واحدٍ، أو مختلفان ؟ فذهب أبو زيد والأخفش(١٣)، وأكثر أئمة العربية إلى أنهما بمعنًى واحدٍ، حكى أبو زيدٍ :" خُذْ قَدَرَ [ كَذَا ] وقَدْرَ كَذَا "، بمعنًى واحدٍ، قال :" ويُقْرَأُ في كتاب الله :﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧]، و " قَدْرِهَا "، وقال :﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] ولو حركت الدال، لكان جائزاً. وذهب جماعةٌ إلى أنهما مختلفان، فالساكن مصدرٌ والمتحرك اسمٌ ؛ كالعدِّ والعدد، والمدِّ والمدد، وكأنَّ القدر بالتسكين الوسع، يقال :" هُوَ يُنْفِقُ عَلَى قَدْرِهِ " أي وسعه، وقيل : بالتَّسكين الطاقة، وبالتحريك المقدار، قال أبو جعفر :" وَأَكثرُ ما يُسْتَعْمَل بالتحْرِيكِ، إذا كان مساوياً للشيء، يقال : هَذَا عَلَى قَدَرِ هَذَا ".
وقرأ بعضهم بفتح الراء، وفي نصبه وجهان :
أحدهما : أن يكون منصوباً على المعنى.
قال أبو البقاء(١٤) : وهو مفعولٌ على المعنى ؛ لأنَّ معنى " مَتِّعُوهُنَّ " [ لِيُؤَدِّ كُلٌّ مِنْكُمْ قَدَرَ وُسْعِهِ " وشرح ما قاله : أن يكون من باب التضمين، ضمَّن " مَتِّعُوهُنَّ " ] معنى " أَدُّوا ".
والثاني : أن يكون منصوباً بإضمار فعلٍ، تقديره : فأوجبوا على الموسع قدره، وجعله أبو البقاء(١٥) أجود من الأول، وفي السَّجاونديِّ :" وقال ابن أبي عبلة : قَدَرَهُ، أي : قَدَرَهُ اللهُ " انتهى.
وظاهر هذا : أنه قرأ بفتح الدال والراء، فيكون " قَدَرَهُ " فعلاً ماضياً، وجعل فيه ضميراً فاعلاً يعود على الله تعالى، والضمير المنصوب يعود على المصدر المفهوم من " مَتِّعُوهُنَّ "، والمعنى : أنَّ الله قدر وكتب الإمتاع على الموسع وعلى المقتر.
قوله :" مَتَاعاً " في نصبه وجهان :
أحدهما : أنه منصوبٌ على المصدر، وتحريره أنه اسم مصدرٍ ؛ لأنَّ المصدر الجاري على صدره إنَّما هو التمتيع، فهو من باب :﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧]. وقال أبو حيَّان : قالوا : انتصَبَ على المصدرِ ؛ وتحريرُهُ : أن المتاع هو ما يمتع به، فهو اسمٌ له، ثم أطلق على المصدر ؛ على سبيل المجاز، والعامل فيه :" وَمَتِّعُوهُنَّ " قال شهاب الدين : وفيه نظرٌ ؛ لأنَّ المعهود أن يطلق المصدر على أسماء الأعيان ؛ كضربٍ بمعنى مضروبٍ، وأمَّا إطلاق الأعيان على المصدر، فلا يجوز، وإن كان بعضهم جوَّزه على قلَّةٍ ؛ نحو قولهم :" تِرْباً وَجَنْدَلاً " و " أَقَائِماً، وَقَدْ قَعَدَ النَّاسُ "، والصحيح أن " تِرْباً " ونحوه مفعولٌ به، و " قائماً " نصبٌ على الحال.
[ والثاني من وجهي " مَتَاعاً " أن ينتصب على الحال ]، والعامل فيه ما تضمَّنه الجارُّ والمجرور من معنى الفعل، وصاحب الحال ذلك الضمير المستكنُّ في ذلك العامل، والتقدير : قدر الموسع يستقرُّ عليه في حال كونه متاعاً.
قوله :" بِالْمَعْرُوفِ " فيه وجهان :
أحدهما : أن يتعلَّق ب " مَتِّعُوهُنَّ "، فتكون الباء للتعدية.
والثاني : أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل " مَ
أظهرها : أن تكون مصدريةً ظرفيةً، تقديره : مدَّة عدم المسيس، كقوله تعالى :﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧] وقوله :﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧].
وقول الآخر :[ الكامل ]
| إِنِّي بِحَبْلِكَ وَاصِلٌ حَبْلِي | وَبِرِيشِ نَبْلِكَ رَائِشٌ نَبْلِي |
| مَا لَمْ أَجِدْكَ عَلَى هُدَى أَثَرٍ | يَقْرُو مَقَصَّكَ قَائِفٌ قَبْلِي(١) |
والثالث : أن تكون موصولة بمعنى " الَّذِي "، وتكون للنساء ؛ كأنه قيل : إن طلَّقتم النِّساء اللاَّئي لم تمسُّوهنَّ، وهو ضعيفٌ، لأنَّ " مَا " الموصولة لا يوصف بها، وإن كان يوصف ب " الَّذِي "، و " الَّتي "، وفروعهما.
وقرأ الجمهور :" تَمَسُّوهُنَّ " ثلاثيّاً وهى واضحةٌ ؛ لأن الغشيان من فعل الرجل ؛ قال تعالى حكاية عن مريم ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم: ٢٠]. وقرأ حمزة(٣) والكسائيُّ في الأحزاب " تُمَاسُّوهُنَّ " من المفاعلة، فيحتمل أن يكون " فَاعَلَ " بمعنى " فَعَلَ " ك " سَافَرَ "، فتوافق الأولى، ويحتمل أن تكون على بابها من المشاركة ؛ كما قال تعالى :﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، وأيضاً : فإنَّ الفعل من الرجل والتمكين من المرأة، ولذلك قيل لها زانيةٌ، ورجَّح الفارسيّ قراءة الجمهور ؛ بأنَّ أفعال هذا الباب كلَّها ثلاثيّةٌ ؛ نحو : نَكَحَ، فَرَعَ، سَفَدَ، وضَرَبَ الفَحْلُ.
قال تعالى :﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ [الرحمن: ٧٤]، وقال :﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وأمّا قوله في الظّهار :﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] فالمراد به المماسَّة التي هي غير الجماع، وهي حرام في الظهار.
قوله :" أَوْ تَفْرِضُواْ " فيه أربعة أوجهٍ :
أحدها : أنه مجزوم عطفاً على " تَمَسُّوهُنَّ "، و " أَوْ " على بابها من كونها لأحد الشيئين، قاله ابن عطيَّة.
والثاني : أنه منصوب بإضمار " أَنْ " عطفاً على مصدر متوهَّم، و " أَوْ " بمعنى " إِلاَّ "، التقدير : ما لم تَمَسُّوهُنَّ إلا أن تفرضوا ؛ كقولهم :" لأَلْزَمَنَّكَ أَوْ تَقْضِيَني حَقِّي " قاله الزمخشريُّ.
والثالث : أنه معطوف على جملةٍ محذوفةٍ، تقديره :" فَرَضْتُمْ أَوْ لَم تَفْرِضُوا "، فيكون هذا من باب حذف الجزم وإبقاء عمله، وهو ضعيفٌ جدًّا، وكأنَّ الذي حسَّن هذا كون لفظ " لَمْ " موجوداً قبل ذلك.
والرابع : أن تكون " أَوْ " بمعنى الواو.
قال تعالى :﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] أي : وهم قائلون ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] أي : ويزيدون، وقوله :﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] وقوله :﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى﴾ [النساء: ٤٣] معناه وجاء أحدٌ منكم من الغائط، وأنتم مرضى أو مسافرون.
قال ابن الخطيب(٤) : فإذا تأمَّلت هذا القول، علمت أنّه متكلفٌ، بل خطأٌ قطعاً، والفرض في اللغة : التقدير، أي : تقدِّروا لهن شيئاً.
قوله :" فَرِيضَةً " فيه وجهان :
أظهرهما : أنه مفعولٌ به، وهو بمعنى مفعولة، أي : إلاَّ أن تفرضوا لهنَّ شيئاً مفروضاً.
والثاني : أن تكون منصوبةٌ على المصدر بمعنى فرضاً، واستجود أبو البقاء(٥) الوجه الأول ؛ قال :" وأَنْ يكونَ مفعولاً به، وهو الجَيِّدُ " والموصوف محذوفٌ، تقديره : متعةً مفروضةً.
فصل في سبب النزول
هذه الآية نزلت في رجلٍ من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسمِّ لها مهراً، ثم طلَّقها قبل أن يمسَّها ؛ فنزلت هذه الآية ؛ فقال رسول الله ﷺ :" مَتِّعْهَا وَلَوْ بِقَلَنْسُوَتِك " (٦).
قوله :" وَمَتِّعُوهُنَّ " : قال أبو البقاء(٧) :" وَمَتِّعُوهِنَّ " معطوف على فعل محذوفٍ، تقديره :" فَطلِّقوهنَّ ومتِّعوهنَّ "، وهذا لا حاجة إليه ؛ فإنَّ الضمير المنصوب في " مَتِّعُوهُنَّ " عائدٌ على المطلَّقات قبل المسيس، وقبل الفرض، المذكورين في قوله :﴿إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ. . .﴾ إلى آخرها.
فإن قيل : ظاهر الآية مشعرٌ بأن نفي الجناح عن المطلق مشروطٌ بعدم المسيس، وليس كذلك، فإنّه لا جناح عليه أيضاً بعد المسيس.
فالجواب من وجوه :
الأول : أنّ الآية دالةٌ على إباحة الطلاق قبل المسيس مطلقاً في زمان الحيض، وغيره ؛ فكان عدم المسيس شرطاً في إباحة الطلاق مطلقاً.
الثاني : ما قدمناه من أنَّ " مَا " بمعنى " الذي "، والتقدير : إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسُّوهنَّ ؛ إلاَّ أنَّ " ما " اسمٌ جامدٌ لا ينصرف، ولا يبين فيه الإعراب، وعلى هذا فلا تكون " مَا " شرطاً فزال السؤال.
الثالث : قال القفال(٨) : إن المراد من الجناح في هذه الآية لزوم المهر، وتقديره : لا مهر عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسُّوهنَّ أو تفرضوا لهنَّ فريضة، يعني : لا يجب المهر إلاّ بأحد هذين الأمرين، فإذا فقدا جميعاً لم يجب المهر.
قال ابن الخطيب(٩) : وهذا ظاهر، وبيان أنَّ قوله :" لاَ جُنَاحَ " معناه : لاَ مَهْرَ ؛ لأنَّ إطلاق لفظ " الجنَاحِ " على المهر محتملٌ ؛ لأن أصل الجناح في اللغة : الثقل، يقال : جَنَحتِ السفينة، إذا مالت بثقلها، والذنب يسمَّى جناحاً ؛ لما فيه من الثِّقل، قال تعالى :﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وإذا ثبت أن الجناح هو الثقل، ولزوم أداء المال ثقل، فكان جُنَاحاً، ويدلُّ على أنَّ هذا هو المراد وجهان :
الأول : أنه تعالى قال :﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ نفى الجناح محدوداً إلى غاية، وهي إمَّا المسيس، أو الفرض والتقدير، فوجب أن يثبت ذلك الجناح عند حصول أحد هذين الأمرين، ثم إنَّ الجناح الذي يثبت عند أحد هذين الأمرين، هو لزوم المهر.
الوجه الثاني : أنَّ تطليق النساء قبل المسيس، وبعد تقدير المهر، وهو المذكور في الآية التي بعدها، هو تقدير المهر، وقد أوجب فيه نصف المهر وهذا كالمقابل له، فوجب أن يكون الجناح المنفي عنه هناك، هو المثبت هاهنا، فلما كان المثبت في الآية التي بعدها، هو لزوم المهر، وجب أن يقال : الجناح المنفي في هذه الآية هو لزوم المهر.
قوله :﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ جملةٌ من مبتدأ وخبر، وفيها قولان :
أحدهما : أنها لا محلَّ لها من الإعراب، بل هي استئنافيَّةٌ بيَّنت حال المطلِّق بالنسبة إلى إيساره وإقتاره.
والثاني : أنها في موضع نصب على الحال، وذو الحال فاعل " مَتِّعُوهُنَّ ".
قال أبو البقاء(١٠) :" تقديره : بقَدر الوُسْعِ "، وهذا تفسير معنًى، وعلى جعلها حاليةً : فلا بدَّ من رابطٍ بينها وبين صاحبها، وهو محذوفٌ، تقديره : على المُوسِع مِنْكُمْ، ويجوز على مذهب الكوفيين ومن تابعهم : أن تكون الألف واللام قامت مقام الضمير المضاف إليه، تقديره :" عَلَى مُوسِعِكُمْ قَدَرُهُ ".
وقرأ الجمهور :" المُوسِعِ " بسكون الواو وكسر السين، اسم فاعل من أوسَعَ يُوسِعُ، وقرأ(١١) أبو حيوة بفتح الواو وتشديد السين، اسم مفعولٍ من " وَسَّعَ ". وقرأ حمزة(١٢) والكسائيُّ وابن ذكوان وحفصً :" قَدَرهُ " بفتح الدال في الموضعين، والباقون بسكونها.
واختلفوا : هل هما بمعنًى واحدٍ، أو مختلفان ؟ فذهب أبو زيد والأخفش(١٣)، وأكثر أئمة العربية إلى أنهما بمعنًى واحدٍ، حكى أبو زيدٍ :" خُذْ قَدَرَ [ كَذَا ] وقَدْرَ كَذَا "، بمعنًى واحدٍ، قال :" ويُقْرَأُ في كتاب الله :﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧]، و " قَدْرِهَا "، وقال :﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] ولو حركت الدال، لكان جائزاً. وذهب جماعةٌ إلى أنهما مختلفان، فالساكن مصدرٌ والمتحرك اسمٌ ؛ كالعدِّ والعدد، والمدِّ والمدد، وكأنَّ القدر بالتسكين الوسع، يقال :" هُوَ يُنْفِقُ عَلَى قَدْرِهِ " أي وسعه، وقيل : بالتَّسكين الطاقة، وبالتحريك المقدار، قال أبو جعفر :" وَأَكثرُ ما يُسْتَعْمَل بالتحْرِيكِ، إذا كان مساوياً للشيء، يقال : هَذَا عَلَى قَدَرِ هَذَا ".
وقرأ بعضهم بفتح الراء، وفي نصبه وجهان :
أحدهما : أن يكون منصوباً على المعنى.
قال أبو البقاء(١٤) : وهو مفعولٌ على المعنى ؛ لأنَّ معنى " مَتِّعُوهُنَّ " [ لِيُؤَدِّ كُلٌّ مِنْكُمْ قَدَرَ وُسْعِهِ " وشرح ما قاله : أن يكون من باب التضمين، ضمَّن " مَتِّعُوهُنَّ " ] معنى " أَدُّوا ".
والثاني : أن يكون منصوباً بإضمار فعلٍ، تقديره : فأوجبوا على الموسع قدره، وجعله أبو البقاء(١٥) أجود من الأول، وفي السَّجاونديِّ :" وقال ابن أبي عبلة : قَدَرَهُ، أي : قَدَرَهُ اللهُ " انتهى.
وظاهر هذا : أنه قرأ بفتح الدال والراء، فيكون " قَدَرَهُ " فعلاً ماضياً، وجعل فيه ضميراً فاعلاً يعود على الله تعالى، والضمير المنصوب يعود على المصدر المفهوم من " مَتِّعُوهُنَّ "، والمعنى : أنَّ الله قدر وكتب الإمتاع على الموسع وعلى المقتر.
قوله :" مَتَاعاً " في نصبه وجهان :
أحدهما : أنه منصوبٌ على المصدر، وتحريره أنه اسم مصدرٍ ؛ لأنَّ المصدر الجاري على صدره إنَّما هو التمتيع، فهو من باب :﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧]. وقال أبو حيَّان : قالوا : انتصَبَ على المصدرِ ؛ وتحريرُهُ : أن المتاع هو ما يمتع به، فهو اسمٌ له، ثم أطلق على المصدر ؛ على سبيل المجاز، والعامل فيه :" وَمَتِّعُوهُنَّ " قال شهاب الدين : وفيه نظرٌ ؛ لأنَّ المعهود أن يطلق المصدر على أسماء الأعيان ؛ كضربٍ بمعنى مضروبٍ، وأمَّا إطلاق الأعيان على المصدر، فلا يجوز، وإن كان بعضهم جوَّزه على قلَّةٍ ؛ نحو قولهم :" تِرْباً وَجَنْدَلاً " و " أَقَائِماً، وَقَدْ قَعَدَ النَّاسُ "، والصحيح أن " تِرْباً " ونحوه مفعولٌ به، و " قائماً " نصبٌ على الحال.
[ والثاني من وجهي " مَتَاعاً " أن ينتصب على الحال ]، والعامل فيه ما تضمَّنه الجارُّ والمجرور من معنى الفعل، وصاحب الحال ذلك الضمير المستكنُّ في ذلك العامل، والتقدير : قدر الموسع يستقرُّ عليه في حال كونه متاعاً.
قوله :" بِالْمَعْرُوفِ " فيه وجهان :
أحدهما : أن يتعلَّق ب " مَتِّعُوهُنَّ "، فتكون الباء للتعدية.
والثاني : أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل " مَ
١ - البيت لامرئ القيس ينظر ديوانه ص ٢٣٩، وشرح أبيات سيبويه ١/٤٠٦، ولسان العرب (حبل)، وللنمر بن تولب ينظر ملحق ديوانه ص ٤٠٥، ورصف المباني ص ٤٤٧، والكتاب ١/١٦٤، والبحر ٢/٢٤٠، والجمل (٩٨)، والدر المصون ١/٥٨١..
٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٩..
٣ - انظر: السبعة ١٨٣-١٨٤، والحجة ٢/٣٣٦، والعنوان ٧٤، وحجة القراءات ١٣٧-١٣٨، وشرح الطيبة ١٠٤-١٠٥، وشرح شعلة ٢٩١، وإتحاف ١/٤٤١..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١١٨..
٥ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٩..
٦ - انظر: تفسير القرطبي "الجامع لأحكام القرآن" (٣/٢٠٢)..
٧ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٩..
٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١١٧..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١١٧..
١٠ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٩..
١١ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣١٩، والبحر المحيط ٢/٢٤٣، والدر المصون ١/٥٨٢..
١٢ - انظر: السبعة ١٨٤، والحجة ٢/ ٣٣٨، وحجة القراءات ١٣٧، والعنوان ٧٤، وشرح الطيبة ١٠٣-١٠٥، وشرح شعلة ٢٩١، وإتحاف ١/ ٤٤١-٤٤٢..
١٣ - ينظر: معاني القرآن للأخفش ٣٧٢..
١٤ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٩..
١٥ - ينظر: المصدر السابق..
٢ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٩..
٣ - انظر: السبعة ١٨٣-١٨٤، والحجة ٢/٣٣٦، والعنوان ٧٤، وحجة القراءات ١٣٧-١٣٨، وشرح الطيبة ١٠٤-١٠٥، وشرح شعلة ٢٩١، وإتحاف ١/٤٤١..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١١٨..
٥ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٩..
٦ - انظر: تفسير القرطبي "الجامع لأحكام القرآن" (٣/٢٠٢)..
٧ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٩..
٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١١٧..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١١٧..
١٠ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٩..
١١ - انظر: المحرر الوجيز ١/٣١٩، والبحر المحيط ٢/٢٤٣، والدر المصون ١/٥٨٢..
١٢ - انظر: السبعة ١٨٤، والحجة ٢/ ٣٣٨، وحجة القراءات ١٣٧، والعنوان ٧٤، وشرح الطيبة ١٠٣-١٠٥، وشرح شعلة ٢٩١، وإتحاف ١/ ٤٤١-٤٤٢..
١٣ - ينظر: معاني القرآن للأخفش ٣٧٢..
١٤ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٩..
١٥ - ينظر: المصدر السابق..