فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
المراد بالجناح هنا : التبعة من المهر، ونحوه، فرفعه رفع لذلك، أي : لا تبعة عليكم بالمهر، ونحوه إن طلقتم النساء على الصفة المذكورة، و«ما » في قوله :﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ هي مصدرية ظرفية بتقدير المضاف، أي : مدّة عدم مسيسكم. ونقل أبو البقاء أنها شرطية من باب اعتراض الشرط على الشرط ليكون الثاني قيداً للأوّل كما في قولك : إن تأتني إن تحسن إليّ أكرمك. أي : إن تأتني محسناً إليّ، والمعنى : إن طلقتموهن غير ماسين لهنّ. وقيل : إنها موصولة، أي : إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهنّ، وهكذا اختلفوا في قوله :﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ فقيل :" أو " بمعنى " إلا " أي : إلا أن تفرضوا. وقيل : بمعنى حتى، أي : حتى تفرضوا. وقيل : بمعنى الواو، أي : وتفرضوا. ولست أرى لهذا التطويل وجهاً. ومعنى الآية أوضح من أن يلتبس، فإن الله سبحانه رفع الجناح عن المطلقين ما لم يقع أحد الأمرين. أي : مدّة انتفاء ذلك الأحد، ولا ينتفي الأحد المبهم إلا بإنتفاء الأمرين معاً، فإن وجد المسيس، وجب المسمى، أو مهر المثل، وإن وجد الفرض وجب نصفه مع عدم المسيس، وكل واحد منها جناح. أي : المسمى، أو نصفه، أو مهر المثل.
واعلم أن المطلقات أربع : مطلقة مدخول بها مفروض لها، وهي التي تقدّم ذكرها قبل هذه الآية، وفيها نهى الأزواج عن أن يأخذوا مما آتوهنّ شيئاً، وأن عدّتهنّ ثلاثة قروء. ومطلقة غير مفروض لها، ولا مدخول بها، وهي المذكورة هنا، فلا مهر لها، بل المتعة، وبين في سورة الأحزاب أن غير المدخول بها إذا طلقت، فلا عدّة عليها. ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها، وهي المذكورة بقوله سبحانه هنا :﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها، وهي المذكورة في قوله تعالى :﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] والمراد بقوله :﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ما لم تجامعوهنّ ؛ وقرأ ابن مسعود :«من قبل أن تجامعوهنّ » أخرجه عنه ابن جرير، وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم :«ما لم تمسوهنّ » وقرأ حمزة، والكسائي :«تماسوهنّ » من المفاعلة، والمراد بالفريضة هنا تسمية المهر.
قوله :﴿وَمَتّعُوهُنَّ﴾ أي : أعطوهن شيئاً يكون متاعاً لهنّ، وظاهر الأمر الوجوب، وبه قال علي، وابن عمر، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وأبو قلابة، والزهري، وقتادة، والضحاك، ومن أدلة الوجوب قوله تعالى :﴿يا أيها الذين ءامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتّعُوهُنَّ وَسَرّحُوهُنَّ سراحاً جميلاً﴾ [الأحزاب: ٤٩] وقال مالك، وأبو عبيد، والقاضي شريح، وغيرهم : إن المتعة للمطلقة المذكورة مندوبة لا واجبة لقوله تعالى :﴿حَقّا عَلَى المحسنين﴾ ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين، ويجاب عنه بأن ذلك لا ينافي الوجوب بل هو تأكيد له، كما في قوله في الآية الأخرى :﴿حَقّا عَلَى المتقين﴾ [البقرة: ٢٤١] أي : أن الوفاء بذلك، والقيام به شأن أهل التقوى، وكل مسلم يجب عليه أن يتقي الله سبحانه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله :﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ قال : المس : النكاح، والفريضة : الصداق ﴿ومتعوهنّ﴾ قال : هو على الرجل يتزوج المرأة، ولم يسم لها صداقاً، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها. فأمره الله أن يمتعها على قدر عسره، ويسره، فإن كان موسراً متعها بخادم، وإن كان معسراً متعها بثلاثة أثواب، أو نحو ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه ؛ أنه قال : متعة الطلاق : أعلاها الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عن ابن عمر قال : أدنى ما يكون من المتعة ثلاثون درهماً. وروى القرطبي في تفسيره عن الحسن بن علي أنه متع بعشرين ألفاً، ورقاق من عسل. وعن شريح أنه متع بخمسمائة درهم. وأخرج الدارقطني عن الحسن بن علي أنه متع بعشرة آلاف. وأخرج عبد الرزاق، عن ابن سيرين أنه كان يمتع بالخادم، والنفقة أو بالكسوة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله :﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ قال المسّ : الجماع، فلها نصف صداقها، وليس لها أكثر من ذلك إلا أن يعفون. وهي المرأة الثيب، والبكر يزوجها غير أبيها، فجعل الله العفو لهنّ إن شئن عفون بتركهن، وإن شئن أخذن نصف الصداق ﴿أَوْ يَعْفُوا الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح﴾ وهو أبو الجارية البكر جعل العفو إليه ليس لها معه أمر إذا طلقت ما كانت في حجره.
وأخرج الشافعي، وسعيد بن منصور، والبيهقي عن ابن عباس قال في الرجل يتزوج المرأة، فيخلو بها ولا يمسها، ثم يطلقها : ليس لها إلا نصف الصداق ؛ لأن الله يقول :﴿فَإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ الآية. وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال : لها نصف الصداق، وإن جلس بين رجليها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والبيهقي بسند حسن، عن ابن عمرو، عن النبي ﷺ قال :«الذي بيده عقدة النكاح الزوج» وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والدارقطني، والبيهقي، عن عليّ مثله من قوله. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي عنه قال : هو أبوها، وأخوها، ومن لا تنكح إلا بإذنه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد في قوله :﴿وَلاَ تَنسَوا الفضل بَيْنَكُمْ﴾ قال : في هذا، أو غيره.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، وصححه البيهقي ؛ أن قوماً أتوا ابن مسعود، فقالوا : إن رجلاً تزوج منا امرأة، ولم يفرض لها صداقاً، ولم يجمعها إليه حتى مات، فقال : أرى أن أجعل لها صداقاً كصداق نسائها، لا وَكَسَ، ولا شطط، ولها الميراث، وعليها العدة أربعة أشهر وعشر، فسمع بذلك ناس من أشجع منهم : مَعقِل بن سنان، فقالوا : نشهد أنك قضيت مثل الذي قضى به رسول الله ﷺ في امرأة منا يقال لها : بِروَع بنت واشق.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن عليّ ؛ أنه قال في المتوفي عنها زوجها، ولم يفرض لها صداقاً : لها الميراث، وعليها العدّة، ولا صداق لها. وقال : لا يقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله.
وأخرج الشافعي، والبيهقي، عن ابن عباس قال في المرأة التي يموت عنها زوجها، وقد فرض لها صداقاً : لها الصداق، والميراث.
وأخرج مالك، والشافعي، وابن أبي شيبة، والبيهقي، عن عمر بن الخطاب أنه قضى في المرأة يتزوجها الرجل : أنه إذا أرخيت الستور، فقد وجب الصداق. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي، عن عُمَر، وَعلي قال : إذا أرخى ستراً، وأغلق باباً، فلها الصداق كاملاً، وعليها العدّة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي، عن زرارة بن أوْفى قال : قضى الخلفاء الراشدون أنه مَنْ أغلق باباً، أو أرخى ستراً، فقد وجب الصداق، والعدّة. وأخرج مالك، والبيهقي عن زيد بن ثابت نحوه. وأخرج البيهقي، عن محمد بن ثوبان أن رسول الله ﷺ قال :«من كشف امرأة، فنظر إلى عورتها، فقد وجب الصداق».
واعلم أن المطلقات أربع : مطلقة مدخول بها مفروض لها، وهي التي تقدّم ذكرها قبل هذه الآية، وفيها نهى الأزواج عن أن يأخذوا مما آتوهنّ شيئاً، وأن عدّتهنّ ثلاثة قروء. ومطلقة غير مفروض لها، ولا مدخول بها، وهي المذكورة هنا، فلا مهر لها، بل المتعة، وبين في سورة الأحزاب أن غير المدخول بها إذا طلقت، فلا عدّة عليها. ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها، وهي المذكورة بقوله سبحانه هنا :﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها، وهي المذكورة في قوله تعالى :﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] والمراد بقوله :﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ما لم تجامعوهنّ ؛ وقرأ ابن مسعود :«من قبل أن تجامعوهنّ » أخرجه عنه ابن جرير، وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم :«ما لم تمسوهنّ » وقرأ حمزة، والكسائي :«تماسوهنّ » من المفاعلة، والمراد بالفريضة هنا تسمية المهر.
قوله :﴿وَمَتّعُوهُنَّ﴾ أي : أعطوهن شيئاً يكون متاعاً لهنّ، وظاهر الأمر الوجوب، وبه قال علي، وابن عمر، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وأبو قلابة، والزهري، وقتادة، والضحاك، ومن أدلة الوجوب قوله تعالى :﴿يا أيها الذين ءامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتّعُوهُنَّ وَسَرّحُوهُنَّ سراحاً جميلاً﴾ [الأحزاب: ٤٩] وقال مالك، وأبو عبيد، والقاضي شريح، وغيرهم : إن المتعة للمطلقة المذكورة مندوبة لا واجبة لقوله تعالى :﴿حَقّا عَلَى المحسنين﴾ ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين، ويجاب عنه بأن ذلك لا ينافي الوجوب بل هو تأكيد له، كما في قوله في الآية الأخرى :﴿حَقّا عَلَى المتقين﴾ [البقرة: ٢٤١] أي : أن الوفاء بذلك، والقيام به شأن أهل التقوى، وكل مسلم يجب عليه أن يتقي الله سبحانه.
وأخرج الشافعي، وسعيد بن منصور، والبيهقي عن ابن عباس قال في الرجل يتزوج المرأة، فيخلو بها ولا يمسها، ثم يطلقها : ليس لها إلا نصف الصداق ؛ لأن الله يقول :﴿فَإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ الآية. وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال : لها نصف الصداق، وإن جلس بين رجليها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والبيهقي بسند حسن، عن ابن عمرو، عن النبي ﷺ قال :«الذي بيده عقدة النكاح الزوج» وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والدارقطني، والبيهقي، عن عليّ مثله من قوله. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي عنه قال : هو أبوها، وأخوها، ومن لا تنكح إلا بإذنه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد في قوله :﴿وَلاَ تَنسَوا الفضل بَيْنَكُمْ﴾ قال : في هذا، أو غيره.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، وصححه البيهقي ؛ أن قوماً أتوا ابن مسعود، فقالوا : إن رجلاً تزوج منا امرأة، ولم يفرض لها صداقاً، ولم يجمعها إليه حتى مات، فقال : أرى أن أجعل لها صداقاً كصداق نسائها، لا وَكَسَ، ولا شطط، ولها الميراث، وعليها العدة أربعة أشهر وعشر، فسمع بذلك ناس من أشجع منهم : مَعقِل بن سنان، فقالوا : نشهد أنك قضيت مثل الذي قضى به رسول الله ﷺ في امرأة منا يقال لها : بِروَع بنت واشق.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن عليّ ؛ أنه قال في المتوفي عنها زوجها، ولم يفرض لها صداقاً : لها الميراث، وعليها العدّة، ولا صداق لها. وقال : لا يقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله.
وأخرج الشافعي، والبيهقي، عن ابن عباس قال في المرأة التي يموت عنها زوجها، وقد فرض لها صداقاً : لها الصداق، والميراث.
وأخرج مالك، والشافعي، وابن أبي شيبة، والبيهقي، عن عمر بن الخطاب أنه قضى في المرأة يتزوجها الرجل : أنه إذا أرخيت الستور، فقد وجب الصداق. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي، عن عُمَر، وَعلي قال : إذا أرخى ستراً، وأغلق باباً، فلها الصداق كاملاً، وعليها العدّة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي، عن زرارة بن أوْفى قال : قضى الخلفاء الراشدون أنه مَنْ أغلق باباً، أو أرخى ستراً، فقد وجب الصداق، والعدّة. وأخرج مالك، والبيهقي عن زيد بن ثابت نحوه. وأخرج البيهقي، عن محمد بن ثوبان أن رسول الله ﷺ قال :«من كشف امرأة، فنظر إلى عورتها، فقد وجب الصداق».