تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي
عن الكتاب
الآية ٢٣٦ وقوله تعالى :﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تسموهن﴾(١) فيه دليل رخصة طلاق غير مدخولات بهن في الأوقات كلها، إذ لا يتكلم بنفي الجناح إلا في موضع الرخصة، ولم يخص وقتا دون وقت.
وأما المدخولات بهن فإنه جل وعلا ذكر لطلاقهن وقتا بقوله ﴿فطلقهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] ؛ لذلك قال أصحابنا، رحمهم الله تعالى :( إنه(٢) لا بأس للرجل أن بطلق امرأته في حال الحيض إذا كان [ لم يدخل ](٣) بها ؛ ووجهه(٤) أنه إذا كان دخل بها يعرف(٥) وقت طهرها مما(٦) سبق من الدخول بها، فأمر(٧) بالطلاق في ذلك الوقت ليكون أدعى إلى المراجعة إذا تدم على طلاقها ).
وأما التي لم يدخل بها، لا يعرف طهرها لما لم يسبق منه ما به يعرف ذلك الوقت، فلم يؤمر بحفظ ذلك الوقت، ولأنه إذا لم يدخل بها فإن الطلاق بينهما منه، فجعل كل الأوقات له وقتا للطلاق لما لم يجعل له الحق المراجعة قبلها لتكون(٨) بعض الأوقات له أدعى إلى ذلك، والله أعلم.
ولأن(٩) المدخول بها يتوهم علوقها منه، جعل(١٠) لطلاقها وقتا ليستبين حالها : أحامل ؟ أم لا ؛ لئلا يندم على طلاقها، لذلك كان الجواب ما ذكرنا، والله أعلم.
وفيه دليل رخصة طلاق المبين منه إذا لم يمسك إمساكها عند الندامة لأن الطلاق قبل الدخول يبين المرأة من زوجها.
والأصل في الأمرين جعل الطلاق في وقت حلها للأزواج وكل الأوقات في غير المدخول بها وقت الحل.
وقوله تعالى :﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾ معناه، ولم تفرضوا لهن فريضة كأنه عطف على قوله :﴿لا جناح عليكم﴾ إلى قوله عز وجلا ﴿ما لم تمسوهن﴾ ؛ دليله قوله تعالى :﴿ومتعوهن﴾ ؛ دل الأمر بالمتعة أن قوله تعالى :﴿أو تفرضوا لهن﴾ معناه : ولم تفرضوا لهن، ودل قوله عز وجلا :﴿فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧] أن ذاك في غر المدخول(١١) بها ؛ حين أوجب فيه(١٢) نصف المفروض أوجب المتعة، ثم مجيء في القياس أن يوجب في غير [ المدخول بها ](١٣) نصف مهر المثل إلا المتعة لأنه إذا دخل بها أوجب كل المفروض عند الدخول بها ونصف المفروض عند الدخول بها. لكن أوجب المتعة لوجهين :
أحدهما : أن مهر المثل إنما يقدر بها إذا دخل بها، فإن لم يدخل بها لم يعرف الزوج ما قدر مهر مثلها، فإذا لم يعرف ما قدر مهر مثلها لم يعرف النصف من ذلك.
والثاني : أنهم أوجبوا المتعة تخفيفا وتيسيرا لأن الحاكم يلحقه فضل كلفة وعناء في تعرف حالها وحال نسائها، إذ مهر المثل إنما يعتبر بنسائها، وليس ذلك في المتعة، والله أعلم.
ثم قدر المتعة يعتبر شأنه اعتبارا بقدرها لأنه لو اعتبر شأنه قدر ما أوجب لها غناها وعنى أهلها، ومهر المثل لا يبلغ ذلك، فكان في ذلك تفصيل المتعة على مهر المثل. وقد ذكرنا أن المتعة أوجب تخفيفا، ولو نظر إلى قدرها دون قدره لكلف الزوج ما لا طاقة له به ولا وسع ؛ ولذلك وجب النظر إلى قدره اعتبارا بقدرها، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾ لو نسق على قوله :﴿ما لم تمسوهن﴾(١٤) فهو على ما لم تفرضوا لهن فريضة. وعلى ذلك قوله :﴿إذ نكحتم المؤمنات [ ثم طلقتموهن قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدوها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ]﴾(١٥) [الأحزاب: ٤٩]. وعلى هذا إجماع القوم(١٦) في جواز النكاح بغير تسمية. وفي ذلك دليل أن قوله تعالى :[ ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾(١٧) أن تبتغوا بأموالكم تحصين } [النساء: ٢٤] الآية(١٨) وهو ما يبتغي(١٩) من النكاح بالمال لا بتسمية المال، فيكون النكاح موجبا له، به يوصل إلى الحق [ الاستمتاع لا بالتسمية. ولهذا كان لها حق ](٢٠) حبس نفسها عنه حتى يسلم إليها ما متع عن الملك إلا مهرا به مسمى أو غير مسمى كقوله تعالى :﴿والمحصنات من المؤمنات [ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ](٢١) إذا آتيتموهن أجورهن﴾ [المائدة: ٥] وقوله تعالى :﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك [ والتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك﴾ ](٢٢) الآية [الأحزاب: ٥٠].
وإذا جاز النكاح بلا تسمية لم يفسده فساد التسمية، بل الذي أفسد في أعلى أحواله، كأنه لم يكن. وعلى ذلك اتفاق في ما يزوج المرأة على ما لا يحل من خمر أو ميتة أو نحو ذلك. فيكون في ذلك أمران :
أحدهما : أن ما لا يتعلق جوازه بالشرط، ففساد(٢٣) الشرط لا يفسد.
والثاني : أن تبين موضع النهي عن الشغار أنه غير مفيد الفعل(٢٤) لأنه في جعل ذلك بدلا للبضع، والله تعالى، لم يجعل التسمية شرطا لجوازه ليفسد لفسادها، والله أعلم.
ثم جعل الطلاق قبل المماسة سببا لإسقاط بعض ما أوجب العقد ؛ فهو، والله أعلم، لما يوصل إليه كمال(٢٥) ماله بقصد النكاح ؛ وإذ هو مجعول للتعفف، وحقيقته في إمكان الاستمتاع لا بالعقد، ولولا(٢٦) ذلك لما جعل النكاح، ولم يبطل كل المهر لما تقلب في الملك الذي له البدل ؛ إذ هو في الحقيقة للملك لا للاستمتاع ؛ دليل ذلك ما لا يزداد لكثرة الاستمتاع، فثبت أنه بدل الملك في التقلب فيه، إذ ليس هو سببا(٢٧) لنسخ السبب الموجب للملك الذي له وجب [ البدل، بل هو تقلب فيه، لم يدفع عنه البدل ](٢٨) كله، والله أعلم، فأوجب جل وعلا نصف المهر، وأسقط نصفه بما فقد(٢٩) أحد القصدين، ووجد الآٍخر، والله أعلم.
ثم إذا لم تكن التسمية جعل الله، تبارك، وتعالى، المتعة مقابلة نصف المسمى عند التسمية، وإن كان، لو تركنا والتدبير بعد بيان الواجب في ما [ لم يسم لهن ](٣٠) مهر المثل نحو وجوب المسمى في ما يسمى لكان الذي يغلب على الوهم أنا لا ندرك إلى(٣١) تدبيرنا غير نصف المهر المثل، فتولى(٣٢) الله سبحانه وتعالى ذك ليعلم الناس، والله أعلم، أن الله بين كل ما بالخلق إليه حاجة على قدر ما يحتمله وسعهم، وتبلغه عقولهم، وأن الذي لا يحيط به تدبرهم بين لهم بالإشارة إليه تفضلا منه على عباده ليؤلف به بينهم، ويمنعهم عن التنازع، والله أعلم.
ثم بين لهم ماهية(٣٣) المتعة بالإشارة إليها(٣٤) /٤٢-أ/. ومعلوم أن قدر الذي يتبين في ما علم قصور التدبير عن الإحاطة يدرك ذلكم النوع من الحكمة في ما لم يتبين ؛ فهو، والله أعلم، بما علم أن العقول تبلغه، وأنه بالتدبير في ما يتبين وجه الوصول إليه، ولا قوة إلا بالله. ثم بين أن الحق أوكد عنه التسمية منه في ما لم يكن بوجهين :
أحدهما : بقوله تعالى :﴿على الموسع قدره﴾ في ما كان الطلاق قبل المماسة، وعند التسمية أوجب نصف المسمى، احتمله وسعه أو لا، ومعلوم أن الاحتمال على قدر الوسع أخف مما كان يجب احتماله عند الخروج من الوسع، والله أعلم.
والثاني : بما علم من وقوع الاختلاف بين الأئمة(٣٥) فيما لا تسمية إذا مات أحد الزوجين في حق إكمال المهر وارتفاع ذلك بما كان ثم تسمية، فهو الدليل على أن الحق في أحد الوجهين أوكد منه في الآخر. على أن العقود والفسوخ تثبت(٣٦) لها عند التسمية البدل، ولا يوجب(٣٧) شيء في بعض على كل حال، فثبت به ما ذكرت، فأوجب ما ذكرت ألا يراد بالمتعة نصف مهر المثل ؛ إذ [ قد ](٣٨) ثبت بالبيان الأول أن التدبير لا يوجب الزيادة عليه، وبالبيان الثاني أن الأمر فيه محمول على التيسير والتخفيف، ومن البعيد المجاوزة بالأمر المؤنس بالتغليظ [ في التغليظ ](٣٩).
ولم بين لنا ماهية(٤٠) المتعة [ ما هي ؟ ](٤١) ؛ ومعروف أن المتعة هي التي يتمتع بها، وأن مهر المثل مما يتمتع به، فجعلنا نصف مهر المثل نهاية المتعة(٤٢) بما هو النهاية في ما كان مبينا، فلا يجاوز بها ذلك مع ما فيه وجهان :
أحدهما : إحالة وجبها أكثر من مهر مثلها، فيكون الدخول بها مسببا لإسقاط الحق ؛ وقد جعله الله تعالى سببا لمنع السقوط، مثبت أن مهر المثل معتبر في المتعة.
والثاني : أنها بحكم البدل عن ذلك ؛ دليله وجهان :
أحدهما : أن المطابقة كانت بمهر المثل، والطلاق سبب إسقاط حقوق النكاح لإيجابها، فثبت أن المتعة كانت مكان ما فيه المطالبة، لا أن حدث الوجوب بالطلاق.
والثاني : أنه متى وجب مهر المثل لم يوجب بها نحو أن يدخل بها، ثبت أنها كانت بدلا، فلا يزداد البدل مع إمكان التحويل إلى غير نوع مهر المثل. إنما هو، والله أعلم، لما قد يتعذر تعرفه أو أن لم يعرف ذلك بالاجتهاد والتفحص عن أحوالها ومحلها ومحل قومها، وفي ذلك مؤن وتكلف. ثم بعد العلم بذلك لا بد من الاجتهاد في الوسط من ذلك ثم في أمرها منهم، فجعل الله تفضله من [ الوجه الذي للمرء ](٤٣) سبيل العلم [ به ](٤٤) عن ذلك التكلف، أو [ لو رفع ](٤٥) هو إلى الحاكم أمنكة الوصول إلى العلم به بدون ما ذكرت من النظر، فكان ذلك، والله أعلم، ونحو ما فرض الله تعالى من زكاة الإبل لا فيها إذا صار بحيث لو كانت فيها لكانت جزءا يتعذر أخذ مثله ثم التسليم إلى الشراء، فجعل في ذلك بدلا على أن الذي عليه لو خرج بتسليم العين جاز، فمثله ما نحن فيه. وهذا هو وجه جعل الله تعالى متعة على أنها كانت واجبة نحو الإمساك، ول رام ذلك، إذ عليه النفقة والكسوة ؛ فإن(٤٦) طلقها، جعلت هي مكان مهر المثل إذا فات السبب الذي كان يجب بحقها، وجعلت واجبة بحق غيرها حتى لا يقع في الطلاق وجوب أمر لم يكن في ما تقدم، لو أريد به الإمساك. ومن البعيد أن تزداد كسوة المرأة على مهرها أو نصف مهرها في الحق، ولا قوة إلا بالله.
ثم ليس في ظاهر الآية إبطال المهر في ما لم يسم ولا النصف في ما لم سمي، وإنما في الأول الأمر بالمتعة، وفي الثاني بيان أن لها نصف الفرض. والقول : إن(٤٧) نصف هذا العبد لفلان أو فلان، كذا من الحق لا يبطل عنه الحقوق جملة أو عن النصف لآخر بذلك القول، بل فيه أنه له، وغيره متروك لدليله، ولا قوة إلا بالله. وكذلك قوله تعالى :﴿فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [الأحزاب: ٤٩] ؛ ليس في ذلك أن لا عدة عليهن، ولكن فيه أن لا عدة لهم، ويجوز أن يكون عليها لا له. وكذلك عندنا العدة هي التي عقيب الخلوة، لا يملك هو فيها إمساكها، ويلزمه المؤنة، فأكنها عليه، لا له في المعتبر. فلما ذكرت بطل(٤٨) قول من ادعى أن القول بالمهر والعدة في مالا مماسة فيه خلاف الظاهر، والله اعلم، مع ما لو كان في الظاهر ذلك لأمكن أن يكون من المسيس الإمكان لا حقيقته ؛ دليل ذلك أنه لو وجدت القبلة أو المعانقة في ملا(٤٩) من الخلق لوجد المسيس في الحقيقة، ولم يجب به ذلك، فثبت أن المراد من ذلك [ معنى في ](٥٠) المسيس لا ما يحقه اسمه.
ثم الذي يؤيد أنه الإمكان والاجتماع وجهان :
أحدهما : قوله تعالى :﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ الآية(٥١) [النساء: ٢٠] ؛ فأعظم عليه أخذ شيء مما أتاها بما كان من إفضاء بعض إلى بعض. والإفضاء في اللغة معروف أنه الانضمام لا المجامعة مع ما كانت المجامعة إلى الأزواج يضاف فعلها، وفي هذا إضافة إلى كل واحد منهما ؛ ثبت أنه في معنى ذلك من كل واحد منهما واحد نحو الذي من الآخر، وذلك يكون في الاجتماع خاصة، والله اعلم.
والثاني : وجود القول من خمسة من نجباء الصحابة الخلصاء(٥٢)، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فمن دونهم ممن لا يحتمل خفاء الآيات عليهم، ومن شهد الخطاب أحق بفهم الحقيقة من المراد أن يسألوا عن ذلك من أن يطلعهم [ أحد ](٥٣) على الحقيق
وأما المدخولات بهن فإنه جل وعلا ذكر لطلاقهن وقتا بقوله ﴿فطلقهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] ؛ لذلك قال أصحابنا، رحمهم الله تعالى :( إنه(٢) لا بأس للرجل أن بطلق امرأته في حال الحيض إذا كان [ لم يدخل ](٣) بها ؛ ووجهه(٤) أنه إذا كان دخل بها يعرف(٥) وقت طهرها مما(٦) سبق من الدخول بها، فأمر(٧) بالطلاق في ذلك الوقت ليكون أدعى إلى المراجعة إذا تدم على طلاقها ).
وأما التي لم يدخل بها، لا يعرف طهرها لما لم يسبق منه ما به يعرف ذلك الوقت، فلم يؤمر بحفظ ذلك الوقت، ولأنه إذا لم يدخل بها فإن الطلاق بينهما منه، فجعل كل الأوقات له وقتا للطلاق لما لم يجعل له الحق المراجعة قبلها لتكون(٨) بعض الأوقات له أدعى إلى ذلك، والله أعلم.
ولأن(٩) المدخول بها يتوهم علوقها منه، جعل(١٠) لطلاقها وقتا ليستبين حالها : أحامل ؟ أم لا ؛ لئلا يندم على طلاقها، لذلك كان الجواب ما ذكرنا، والله أعلم.
وفيه دليل رخصة طلاق المبين منه إذا لم يمسك إمساكها عند الندامة لأن الطلاق قبل الدخول يبين المرأة من زوجها.
والأصل في الأمرين جعل الطلاق في وقت حلها للأزواج وكل الأوقات في غير المدخول بها وقت الحل.
وقوله تعالى :﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾ معناه، ولم تفرضوا لهن فريضة كأنه عطف على قوله :﴿لا جناح عليكم﴾ إلى قوله عز وجلا ﴿ما لم تمسوهن﴾ ؛ دليله قوله تعالى :﴿ومتعوهن﴾ ؛ دل الأمر بالمتعة أن قوله تعالى :﴿أو تفرضوا لهن﴾ معناه : ولم تفرضوا لهن، ودل قوله عز وجلا :﴿فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧] أن ذاك في غر المدخول(١١) بها ؛ حين أوجب فيه(١٢) نصف المفروض أوجب المتعة، ثم مجيء في القياس أن يوجب في غير [ المدخول بها ](١٣) نصف مهر المثل إلا المتعة لأنه إذا دخل بها أوجب كل المفروض عند الدخول بها ونصف المفروض عند الدخول بها. لكن أوجب المتعة لوجهين :
أحدهما : أن مهر المثل إنما يقدر بها إذا دخل بها، فإن لم يدخل بها لم يعرف الزوج ما قدر مهر مثلها، فإذا لم يعرف ما قدر مهر مثلها لم يعرف النصف من ذلك.
والثاني : أنهم أوجبوا المتعة تخفيفا وتيسيرا لأن الحاكم يلحقه فضل كلفة وعناء في تعرف حالها وحال نسائها، إذ مهر المثل إنما يعتبر بنسائها، وليس ذلك في المتعة، والله أعلم.
ثم قدر المتعة يعتبر شأنه اعتبارا بقدرها لأنه لو اعتبر شأنه قدر ما أوجب لها غناها وعنى أهلها، ومهر المثل لا يبلغ ذلك، فكان في ذلك تفصيل المتعة على مهر المثل. وقد ذكرنا أن المتعة أوجب تخفيفا، ولو نظر إلى قدرها دون قدره لكلف الزوج ما لا طاقة له به ولا وسع ؛ ولذلك وجب النظر إلى قدره اعتبارا بقدرها، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾ لو نسق على قوله :﴿ما لم تمسوهن﴾(١٤) فهو على ما لم تفرضوا لهن فريضة. وعلى ذلك قوله :﴿إذ نكحتم المؤمنات [ ثم طلقتموهن قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدوها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ]﴾(١٥) [الأحزاب: ٤٩]. وعلى هذا إجماع القوم(١٦) في جواز النكاح بغير تسمية. وفي ذلك دليل أن قوله تعالى :[ ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾(١٧) أن تبتغوا بأموالكم تحصين } [النساء: ٢٤] الآية(١٨) وهو ما يبتغي(١٩) من النكاح بالمال لا بتسمية المال، فيكون النكاح موجبا له، به يوصل إلى الحق [ الاستمتاع لا بالتسمية. ولهذا كان لها حق ](٢٠) حبس نفسها عنه حتى يسلم إليها ما متع عن الملك إلا مهرا به مسمى أو غير مسمى كقوله تعالى :﴿والمحصنات من المؤمنات [ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ](٢١) إذا آتيتموهن أجورهن﴾ [المائدة: ٥] وقوله تعالى :﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك [ والتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك﴾ ](٢٢) الآية [الأحزاب: ٥٠].
وإذا جاز النكاح بلا تسمية لم يفسده فساد التسمية، بل الذي أفسد في أعلى أحواله، كأنه لم يكن. وعلى ذلك اتفاق في ما يزوج المرأة على ما لا يحل من خمر أو ميتة أو نحو ذلك. فيكون في ذلك أمران :
أحدهما : أن ما لا يتعلق جوازه بالشرط، ففساد(٢٣) الشرط لا يفسد.
والثاني : أن تبين موضع النهي عن الشغار أنه غير مفيد الفعل(٢٤) لأنه في جعل ذلك بدلا للبضع، والله تعالى، لم يجعل التسمية شرطا لجوازه ليفسد لفسادها، والله أعلم.
ثم جعل الطلاق قبل المماسة سببا لإسقاط بعض ما أوجب العقد ؛ فهو، والله أعلم، لما يوصل إليه كمال(٢٥) ماله بقصد النكاح ؛ وإذ هو مجعول للتعفف، وحقيقته في إمكان الاستمتاع لا بالعقد، ولولا(٢٦) ذلك لما جعل النكاح، ولم يبطل كل المهر لما تقلب في الملك الذي له البدل ؛ إذ هو في الحقيقة للملك لا للاستمتاع ؛ دليل ذلك ما لا يزداد لكثرة الاستمتاع، فثبت أنه بدل الملك في التقلب فيه، إذ ليس هو سببا(٢٧) لنسخ السبب الموجب للملك الذي له وجب [ البدل، بل هو تقلب فيه، لم يدفع عنه البدل ](٢٨) كله، والله أعلم، فأوجب جل وعلا نصف المهر، وأسقط نصفه بما فقد(٢٩) أحد القصدين، ووجد الآٍخر، والله أعلم.
ثم إذا لم تكن التسمية جعل الله، تبارك، وتعالى، المتعة مقابلة نصف المسمى عند التسمية، وإن كان، لو تركنا والتدبير بعد بيان الواجب في ما [ لم يسم لهن ](٣٠) مهر المثل نحو وجوب المسمى في ما يسمى لكان الذي يغلب على الوهم أنا لا ندرك إلى(٣١) تدبيرنا غير نصف المهر المثل، فتولى(٣٢) الله سبحانه وتعالى ذك ليعلم الناس، والله أعلم، أن الله بين كل ما بالخلق إليه حاجة على قدر ما يحتمله وسعهم، وتبلغه عقولهم، وأن الذي لا يحيط به تدبرهم بين لهم بالإشارة إليه تفضلا منه على عباده ليؤلف به بينهم، ويمنعهم عن التنازع، والله أعلم.
ثم بين لهم ماهية(٣٣) المتعة بالإشارة إليها(٣٤) /٤٢-أ/. ومعلوم أن قدر الذي يتبين في ما علم قصور التدبير عن الإحاطة يدرك ذلكم النوع من الحكمة في ما لم يتبين ؛ فهو، والله أعلم، بما علم أن العقول تبلغه، وأنه بالتدبير في ما يتبين وجه الوصول إليه، ولا قوة إلا بالله. ثم بين أن الحق أوكد عنه التسمية منه في ما لم يكن بوجهين :
أحدهما : بقوله تعالى :﴿على الموسع قدره﴾ في ما كان الطلاق قبل المماسة، وعند التسمية أوجب نصف المسمى، احتمله وسعه أو لا، ومعلوم أن الاحتمال على قدر الوسع أخف مما كان يجب احتماله عند الخروج من الوسع، والله أعلم.
والثاني : بما علم من وقوع الاختلاف بين الأئمة(٣٥) فيما لا تسمية إذا مات أحد الزوجين في حق إكمال المهر وارتفاع ذلك بما كان ثم تسمية، فهو الدليل على أن الحق في أحد الوجهين أوكد منه في الآخر. على أن العقود والفسوخ تثبت(٣٦) لها عند التسمية البدل، ولا يوجب(٣٧) شيء في بعض على كل حال، فثبت به ما ذكرت، فأوجب ما ذكرت ألا يراد بالمتعة نصف مهر المثل ؛ إذ [ قد ](٣٨) ثبت بالبيان الأول أن التدبير لا يوجب الزيادة عليه، وبالبيان الثاني أن الأمر فيه محمول على التيسير والتخفيف، ومن البعيد المجاوزة بالأمر المؤنس بالتغليظ [ في التغليظ ](٣٩).
ولم بين لنا ماهية(٤٠) المتعة [ ما هي ؟ ](٤١) ؛ ومعروف أن المتعة هي التي يتمتع بها، وأن مهر المثل مما يتمتع به، فجعلنا نصف مهر المثل نهاية المتعة(٤٢) بما هو النهاية في ما كان مبينا، فلا يجاوز بها ذلك مع ما فيه وجهان :
أحدهما : إحالة وجبها أكثر من مهر مثلها، فيكون الدخول بها مسببا لإسقاط الحق ؛ وقد جعله الله تعالى سببا لمنع السقوط، مثبت أن مهر المثل معتبر في المتعة.
والثاني : أنها بحكم البدل عن ذلك ؛ دليله وجهان :
أحدهما : أن المطابقة كانت بمهر المثل، والطلاق سبب إسقاط حقوق النكاح لإيجابها، فثبت أن المتعة كانت مكان ما فيه المطالبة، لا أن حدث الوجوب بالطلاق.
والثاني : أنه متى وجب مهر المثل لم يوجب بها نحو أن يدخل بها، ثبت أنها كانت بدلا، فلا يزداد البدل مع إمكان التحويل إلى غير نوع مهر المثل. إنما هو، والله أعلم، لما قد يتعذر تعرفه أو أن لم يعرف ذلك بالاجتهاد والتفحص عن أحوالها ومحلها ومحل قومها، وفي ذلك مؤن وتكلف. ثم بعد العلم بذلك لا بد من الاجتهاد في الوسط من ذلك ثم في أمرها منهم، فجعل الله تفضله من [ الوجه الذي للمرء ](٤٣) سبيل العلم [ به ](٤٤) عن ذلك التكلف، أو [ لو رفع ](٤٥) هو إلى الحاكم أمنكة الوصول إلى العلم به بدون ما ذكرت من النظر، فكان ذلك، والله أعلم، ونحو ما فرض الله تعالى من زكاة الإبل لا فيها إذا صار بحيث لو كانت فيها لكانت جزءا يتعذر أخذ مثله ثم التسليم إلى الشراء، فجعل في ذلك بدلا على أن الذي عليه لو خرج بتسليم العين جاز، فمثله ما نحن فيه. وهذا هو وجه جعل الله تعالى متعة على أنها كانت واجبة نحو الإمساك، ول رام ذلك، إذ عليه النفقة والكسوة ؛ فإن(٤٦) طلقها، جعلت هي مكان مهر المثل إذا فات السبب الذي كان يجب بحقها، وجعلت واجبة بحق غيرها حتى لا يقع في الطلاق وجوب أمر لم يكن في ما تقدم، لو أريد به الإمساك. ومن البعيد أن تزداد كسوة المرأة على مهرها أو نصف مهرها في الحق، ولا قوة إلا بالله.
ثم ليس في ظاهر الآية إبطال المهر في ما لم يسم ولا النصف في ما لم سمي، وإنما في الأول الأمر بالمتعة، وفي الثاني بيان أن لها نصف الفرض. والقول : إن(٤٧) نصف هذا العبد لفلان أو فلان، كذا من الحق لا يبطل عنه الحقوق جملة أو عن النصف لآخر بذلك القول، بل فيه أنه له، وغيره متروك لدليله، ولا قوة إلا بالله. وكذلك قوله تعالى :﴿فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [الأحزاب: ٤٩] ؛ ليس في ذلك أن لا عدة عليهن، ولكن فيه أن لا عدة لهم، ويجوز أن يكون عليها لا له. وكذلك عندنا العدة هي التي عقيب الخلوة، لا يملك هو فيها إمساكها، ويلزمه المؤنة، فأكنها عليه، لا له في المعتبر. فلما ذكرت بطل(٤٨) قول من ادعى أن القول بالمهر والعدة في مالا مماسة فيه خلاف الظاهر، والله اعلم، مع ما لو كان في الظاهر ذلك لأمكن أن يكون من المسيس الإمكان لا حقيقته ؛ دليل ذلك أنه لو وجدت القبلة أو المعانقة في ملا(٤٩) من الخلق لوجد المسيس في الحقيقة، ولم يجب به ذلك، فثبت أن المراد من ذلك [ معنى في ](٥٠) المسيس لا ما يحقه اسمه.
ثم الذي يؤيد أنه الإمكان والاجتماع وجهان :
أحدهما : قوله تعالى :﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ الآية(٥١) [النساء: ٢٠] ؛ فأعظم عليه أخذ شيء مما أتاها بما كان من إفضاء بعض إلى بعض. والإفضاء في اللغة معروف أنه الانضمام لا المجامعة مع ما كانت المجامعة إلى الأزواج يضاف فعلها، وفي هذا إضافة إلى كل واحد منهما ؛ ثبت أنه في معنى ذلك من كل واحد منهما واحد نحو الذي من الآخر، وذلك يكون في الاجتماع خاصة، والله اعلم.
والثاني : وجود القول من خمسة من نجباء الصحابة الخلصاء(٥٢)، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فمن دونهم ممن لا يحتمل خفاء الآيات عليهم، ومن شهد الخطاب أحق بفهم الحقيقة من المراد أن يسألوا عن ذلك من أن يطلعهم [ أحد ](٥٣) على الحقيق
١ في الأصل: تماسوهن: قرأ حمزة والكسائي: تماسوهن بضم التاء والألف، وقرأ الباقون ﴿تمسوهن﴾ بفتح التاء من: مسست، انظر حجة القراءات /١٣٧..
٢ في النسخ الثلاث: إن..
٣ في الأصل وم: لم يدخلها، في ط ع: لهم لم يدخل..
٤ الواو ساقطة من ط ع..
٥ من ط ع وم، في الأصل: تفرق..
٦ من ط ع وم، في الأصل: ما..
٧ من ط ع وم، في الأصل: بأمر..
٨ في ط ع: ليكن..
٩ في النسخ الثلاث: والثاني أن..
١٠ في النسخ الثلاث: فجعل..
١١ في النسخ الثلاث: المفروض..
١٢ في النسخ الثلاث: في المفروض..
١٣ في النسخ الثلاث: المفروض..
١٤ في الأصل: تماسوهن انظر الحاشية السابقة المتعلقة بهذه القراءة ص ٤٠٩..
١٥ من ط ع، في الأصل وم: الآية..
١٦ في النسخ الثلاث: القول..
١٧ من ط ع، ساقطة من الأصل وم..
١٨ أدراج في ط ع تتمة الآية بدل هذه الكلمة..
١٩ من ط ع، في الأصل وم: ينبغي..
٢٠ من ط ع وم، ساقطة من الأصل..
٢١ من ط ع، في الأصل وم: إلى قوله: عز وجلا..
٢٢ من ط ع..
٢٣ من ط ع وم، في الأصل: فساد..
٢٤ من ط ع، في الأصل وم: العقل،..
٢٥ في ط ع: كما..
٢٦ في الأصل: ولو..
٢٧ في النسخ الثلاث: سبب..
٢٨ من ط ع وم، ساقطة من الأصل..
٢٩ من ط ع وم، في الأصل: تقدم..
٣٠ في النسخ الثلاث: لهم يسمهن..
٣١ من ط ع، في الأصل وم: لا..
٣٢ من ط ع و م، في الأصل: فقولي..
٣٣ في النسخ الثلاث: مائية..
٣٤ من ط ع، في الأصل وم: إليه..
٣٥ في النسخ الثلاث: الأمة..
٣٦ من ط ع وم، في الأصل: ثبت..
٣٧ في النسخ الثلاث: يجب..
٣٨ من ط ع وم، ساقطة من الأصل..
٣٩ من ط ه وم، ساقطة من الأصل..
٤٠ في النسخ الثلاث: مائية..
٤١ من ط ع..
٤٢ ساقطة من ط ع..
٤٣ في الأصل: الوجد الذي للمرء، في م: الوجه للمرء، في ط ع: الوجه الذي للمرة..
٤٤ من ط ع وم: ساقطة من الأصل..
٤٥ من ط ع وم، في الأصل: لرفع..
٤٦ من ط ع وم، في الأصل: فإذا..
٤٧ في النسخ الثلاث: بأن..
٤٨ في النسخ الثلاث: يبطل..
٤٩ في ط ع: الملا..
٥٠ من م، في الأصل: معنى و، في ط ع: في..
٥١ أدرجت في ط ع تتمة الآية بدل هذه الكلمة..
٥٢ في النسخ الثلاث: الخلفاء..
٥٣ ساقطة من النسخ الثلاث..
٢ في النسخ الثلاث: إن..
٣ في الأصل وم: لم يدخلها، في ط ع: لهم لم يدخل..
٤ الواو ساقطة من ط ع..
٥ من ط ع وم، في الأصل: تفرق..
٦ من ط ع وم، في الأصل: ما..
٧ من ط ع وم، في الأصل: بأمر..
٨ في ط ع: ليكن..
٩ في النسخ الثلاث: والثاني أن..
١٠ في النسخ الثلاث: فجعل..
١١ في النسخ الثلاث: المفروض..
١٢ في النسخ الثلاث: في المفروض..
١٣ في النسخ الثلاث: المفروض..
١٤ في الأصل: تماسوهن انظر الحاشية السابقة المتعلقة بهذه القراءة ص ٤٠٩..
١٥ من ط ع، في الأصل وم: الآية..
١٦ في النسخ الثلاث: القول..
١٧ من ط ع، ساقطة من الأصل وم..
١٨ أدراج في ط ع تتمة الآية بدل هذه الكلمة..
١٩ من ط ع، في الأصل وم: ينبغي..
٢٠ من ط ع وم، ساقطة من الأصل..
٢١ من ط ع، في الأصل وم: إلى قوله: عز وجلا..
٢٢ من ط ع..
٢٣ من ط ع وم، في الأصل: فساد..
٢٤ من ط ع، في الأصل وم: العقل،..
٢٥ في ط ع: كما..
٢٦ في الأصل: ولو..
٢٧ في النسخ الثلاث: سبب..
٢٨ من ط ع وم، ساقطة من الأصل..
٢٩ من ط ع وم، في الأصل: تقدم..
٣٠ في النسخ الثلاث: لهم يسمهن..
٣١ من ط ع، في الأصل وم: لا..
٣٢ من ط ع و م، في الأصل: فقولي..
٣٣ في النسخ الثلاث: مائية..
٣٤ من ط ع، في الأصل وم: إليه..
٣٥ في النسخ الثلاث: الأمة..
٣٦ من ط ع وم، في الأصل: ثبت..
٣٧ في النسخ الثلاث: يجب..
٣٨ من ط ع وم، ساقطة من الأصل..
٣٩ من ط ه وم، ساقطة من الأصل..
٤٠ في النسخ الثلاث: مائية..
٤١ من ط ع..
٤٢ ساقطة من ط ع..
٤٣ في الأصل: الوجد الذي للمرء، في م: الوجه للمرء، في ط ع: الوجه الذي للمرة..
٤٤ من ط ع وم: ساقطة من الأصل..
٤٥ من ط ع وم، في الأصل: لرفع..
٤٦ من ط ع وم، في الأصل: فإذا..
٤٧ في النسخ الثلاث: بأن..
٤٨ في النسخ الثلاث: يبطل..
٤٩ في ط ع: الملا..
٥٠ من م، في الأصل: معنى و، في ط ع: في..
٥١ أدرجت في ط ع تتمة الآية بدل هذه الكلمة..
٥٢ في النسخ الثلاث: الخلفاء..
٥٣ ساقطة من النسخ الثلاث..