البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ هذا خطاب لهذه الأمة بالجهاد في سبيل الله، وتقدّمت تلك القصة، كما قلنا، تنبيهاً لهذه الأمة أن لا تفر من الموت كفرار أولئك، وتشجيعاً لها، وتثبيتاً.
وروي عن ابن عباس، والضحاك : أنه أمر لمن أحياهم الله بعد موتهم بالجهاد، أي : وقال لهم قاتلوا في سبيل الله.
وقال الطبري : لا وجه لهذا القول. انتهى.
والذي يظهر القول الأول، وأن هذه الآية ملتحمة بقوله :﴿حافظوا على الصلوات﴾ وبقوله :﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ لأن في هذا إشعاراً بلقاء العدو، ثم ما جاء بين هاتين الآيتين جاء كالاعتراض، فقوله :
﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ تتميم أو توكيد لبعض أحكام المطلقات، وقوله :﴿ألم تر إلى الذين﴾ اعتبار بمن مضى ممن فرّ من الموت، فمات، أن لا ننكص ولا نحجم عن القتال، وبيان المقاتل فيه، وأنه سبيل الله فيه حث عظيم على القتال، إذ كان الإنسان يقاتل للحمية، ولنيل عرض من الدنيا، والقتال في سبيل الله مورث للعز الأبدي والفوز السرمدي.
﴿واعلموا أن الله سميع عليم﴾ يسمع ما يقوله المتخلفون عن القتال والمتبادرون إليه، ويعلم ما انطوت عليه النيات، فيجازي على ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة الأخبار بقصة الخارجين من ديارهم، وهم عالم لا يحصون، فراراً من الموت، إما بالقتل إذ فرض عليهم القتال، وإما بالوباء، فأماتهم الله ثم أحياهم ليعلموا أنه لا مفر مما قدّره الله تعالى، وذلك لئلا نسلك ما سلكوه، فنحجم عن القتال، فأتت هذه الآية مثبتة لمن جاهد في سبيله، وذكر تعالى أنه ذو فضل على الناس، وذلك بإحيائهم والإحسان إليهم، ومع ذلك فأكثرهم لا يؤدّي شكر الله.
ثم أمر بالقتال في سبيل الله، وبأن نعلم أنه سميع لأقوالنا، عليم بنياتنا، ثم ذكر أن من أقرض الله فالله يضاعفه حيث يحتاج إليه، ثم ذكر أن بيده القبض والبسط، وأن مرجع الكل إليه.
ثم أخبر تعالى بقصة الملأ من بني إسرائيل، وذلك لنعتبر بها وتقتدي منها بما كان من أحوالهم حسناً، ونجتنب ما كان قبيحاً.
وهذه الحكمة في قصص الأولين علينا لنعتبر بها، وأنهم حين استولى عليهم العدّو، فملك بلادهم وأسر أبناءهم، ولم يكن لهم ملك يسوسهم في أمر الحرب، إذ هي محتاجة إلى من يُصدر عن أمره ويجتمع عليه، فسألوا نبيهم أن ينهض لهم ملكاً برسم الجهاد في سبيل الله، فتوقع النبي منهم أنه لو فرض عليهم القتال نكصوا عنه، فأجابوه : بأنا قد وترنا، وأخرجنا من ديارنا، وأبنائنا، وهذا أصعب شيء على النفوس، وهو أن يخرج من مسكن ألفه، ويفرق بينه وبين أبنائه، ولهذا دعا رسول الله ﷺ :« اللهم حبب لنا المدينة كحبنا مكة أو أكثر » وكثيراً ما بكى الشعراء المساكن والمعاهد، ألا ترى إلى قول بلال :
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة***
بواد وحولي إذخرٌ وجليلُ
وكان قتيبة بن سعيد المحدّث قد رزق من النصيب في الدنيا والجلالة، وحمل الناس العلم عنه، وكان ببغداد، فعبر مرة على مكان مولده ومنشئه صغيراً ببغلان، قيل : وهي ضيعة من أصغر الضياع، فتمنى أن لو كان مقيماً بها، ويترك رئاسة بغداد، دار الخلافة، وذلك نزوع إلى الوطن، وذكر تعالى أنه لما فرض القتال عليهم : أعرضوا عن قبوله إلاَّ قليلاً فإنه أخذ أمر الله بالقبول، ثم عرّض تعالى بالظالمين، وهم : الذين لم يقبلوا أمر الله بعد أن كانوا طلبوه، فهو يجازيهم على ظلمهم، ثم أخبر تعالى عن نبيهم أنه قال لهم عن الله إنه قد بعث طالوت ملكاً عليهم، ولم يكن عندهم من أنفسهم ولا أشرفهم منصباً، إذ ليس من سبط النبوّة، ولا من سبط الملك، فلم يأخذوا ما أخبرهم عن الله بالقبول، وشرعوا يتعنتون على عادتهم مع أنبيائهم، فاستبعدوا تمليكه عليهم، لأن فيهم من هو أحق بالملك منه على زعمهم، إذ لم يسبق له أن يكون من آبائه ملك فيعظم عند العامّة، ولأنه فقير، وهاتان الخلتان هما يضعفان الملك، إذ سابق الرئاسة والجاه والملاءة بالأموال مما يستتبع الرجال، ويستعبد الأحرار، وما علموا أن عناية المقادير تجعل المفضول فاضلاً.
فأخبرهم نبيهم، أن الله تعالى قد اختاره عليكم، وشرّفه بخصلتين : هما في ذاته : إحداهما : الخلق العظيم، والأخرى : المعرفة التي هي الفضل الجسيم، واستغنى بهذين الوصفين الذاتيين عن الوصفين الخارجين عن الذات، وهما الفخر : بالعظم الرميم، والاستكثار بالمال الذي مرتعه وخيم.
ثم أخبر أن الله تعالى يعطي ملكه من أراد، وأنه الواسع الفضل، العالم بمصالح العباد، فلا اعتراض عليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى