تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال أبو عبد الرحمن النسائي : أخبرنا محمد بن عبد الله(١) بن عبد الرحيم، أخبرنا(٢) الفِرْيَابي، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين فسألوا، فرخص لهم، فنزلت هذه الآية :﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾(٣).
وكذا رواه أبو حذيفة، وابن المبارك، وأبو أحمد الزبيري، وأبو داود الحَفَري، عن سفيان - وهو الثوري - به.
وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا(٤) أحمد بن القاسم بن عطية، حدثني أحمد بن عبد الرحمن - يعني الدَّشْتَكِيّ - حدثني أبي، عن أبيه، حدثنا أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : أنه كان يأمر بألا يتصَدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية :﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين(٥). وسيأتي عند قوله تعالى :﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُم﴾ الآية [الممتحنة: ٨] حديث أسماء بنت الصديق في ذلك [ إن شاء الله تعالى ](٦).
وقوله :﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُم﴾ كقوله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِه﴾ [ فصلت : ٤٦، الجاثية : ١٥ ] ونظائرها في القرآن كثيرة(٧).
وقوله :﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ قال الحسن البصري : نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن - إذا أنفق - إلا ابتغاء وجه الله.
وقال عطاء الخراساني : يعني إذا أعطيت لوجه الله، فلا عليك ما كان عملُه وهذا معنى حسن، وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فقد وقع أجرُه على الله، ولا عليه(٨) في نفس الأمر لمن أصاب : الِبَرّ أو فاجر أو مستحق أو غيره، هو مثاب على قصده، ومستَنَدُ هذا تمام الآية :﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ والحديث المخرج في الصحيحين، من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" قال رجل : لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون : تُصُدقَ على زانية ! فقال : اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون : تُصُدق الليلة على غَني ! فقال : اللهم لك الحمد على غني، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون : تُصدق الليلة على سارق ! فقال : اللهم لك الحمد على زانية، وعلى غني، وعلى سارق، فأتي فقيل له : أما صدقتك فقد قبلت ؛ وأما الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته " (٩).
١ في جـ، أ، و: "بن عبد السلام"..
٢ في جـ: "حدثنا"..
٣ سنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٥٢)..
٤ في جـ: "حدثنا"..
٥ وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/٨٦) لابن مردويه والضياء المقدسي..
٦ زيادة من جـ، أ..
٧ في و: "كثير"..
٨ في و: "ولا يمكنه"..
٩ صحيح البخاري برقم (١٤٢١) وصحيح مسلم برقم (١٠٢٢)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى