تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
)إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) ( البقرة : ٢٧٧ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿إن الذين آمنوا﴾ أي آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به ؛ ﴿وعملوا الصالحات﴾ أي عملوا الأعمال الصالحات ؛ وهي المبنية على الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ( ص ) ؛ ﴿وأقاموا الصلاة﴾ أي أتوا بها قويمة بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومكملاتها ؛ وعطْفها على العمل الصالح من باب عطف الخاص على العام ؛ لأن إقامة الصلاة من الأعمال الصالحة، ونُص عليها لأهميتها ؛ ﴿وآتوا الزكاة﴾ أي أعطوا الزكاة مستحقها ؛ وعلى هذا فتكون ﴿الزكاة﴾ مفعولاً أولاً ب ﴿آتوا﴾ ؛ والمفعول الثاني محذوف - أي آتوا الزكاة مستحقها ؛ و «الزكاة » هي النصيب الذي أوجبه الله عز وجل في الأموال الزكوية ؛ وهو معروف في كتب الفقه.
قوله تعالى :﴿لهم أجرهم عند ربهم﴾ أي لهم ثوابهم عند الله ؛ والجملة هذه خبر ﴿إن﴾ في قوله تعالى :﴿إن الذين آمنوا...﴾.
قوله تعالى :﴿ولا خوف عليهم﴾ أي فيما يستقبل من أمرهم ؛ ﴿ولا هم يحزنون﴾ أي فيما مضى من أمرهم.
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : الحث على الإيمان، والعمل الصالح ؛ لأن ذكر الثواب يستلزم التشجيع، والحث، والإغراء.
٢ - ومنها : أنه لابد مع الإيمان من العمل الصالح ؛ فمجرد الإيمان لا ينفع العبد حتى يقوم بواجبه - أي واجب الإيمان : وهو العمل الصالح.
٣ - ومنها : أن العمل لا يفيد حتى يكون صالحاً ؛ والصلاح أن ينبني العمل على أمرين : الإخلاص لله عز وجل - وضده الشرك ؛ والمتابعة - وضدها البدعة ؛ فمن أخلص لله في شيء، ولكنه أتى بعمل مبتدع لم يقبل منه ؛ ومن أتى بعمل مشروع لكن خلطه بالشرك لم يقبل منه ؛ وأدلة هذا معروفة.
٤ - ومنها : بيان أهمية إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة.
٥ - ومنها : أن هذين الركنين - أعني إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة - أعلى أركان الإسلام بعد الشهادتين ؛ للنص عليهما من بين سائر الأعمال الصالحة.
٦ - ومنها : أن الله سبحانه وتعالى ضمن الأجر لمن آمن، وعمل صالحاً، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة ؛ لقوله تعالى :﴿لهم أجرهم عند ربهم﴾.
٧ - ومنها : الإشارة إلى عظمة هذا الثواب ؛ لأنه أضافه إلى نفسه - تبارك وتعالى - والمضاف إلى العظيم يكون عظيماً.
٨ - ومنها : أن هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات الأربع - الإيمان، والعمل الصالح، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة - ليس عليهم خوف من مستقبل أمرهم ؛ ولا حزن فيما مضى من أمرهم ؛ لأنهم فعلوا ما به الأمن التام، كما قال الله تعالى :﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: ٨٢].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى