غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿الربا﴾ حيث كان بالإمالة : حمزة وعلي وخلف. وهذا إذا كان معرّفاً ولا يميلون المنكر في الوصل لأجل التنوين كقوله :﴿وما آتيتم من ربا﴾
[الروم: ٣٩] ويميلون في الوقف لزوال التنوين ﴿فأذنوا﴾ ممدودة مكسورة الذال : حمزة وحماد وأبو بكر غير ابن غالب والبرجمي حمزة يقف بغير همزة أي بالتليين. الباقون فأذنوا بسكون الهمزة وفتح الذال ﴿لا تظلمون ولا تظلمون﴾ الأول مبني للمفعول والثاني للفاعل المفضل. الباقون بالعكس ﴿ميسره﴾ بضم السين : نافع ﴿ميسرة﴾ بضم السين وإثبات التاء : زيد عن يعقوب، الباقون بفتح السين وعدم التاء. ﴿وأن تصدقوا﴾ خفيفاً بحذف إحدى التاءين : عاصم. الباقون بتشديد الصاد لإدغام تاء التفعل في الصاد. ﴿ترجعون﴾ بفتح التاء وكسر الجيم : أبو عمرو ويعقوب عباس مخير. الباقون مبنياً للمفعول.
الوقوف :﴿من المس﴾ ط، ﴿مثل الربا﴾ م كيلا يظن أن ما بعده من قولهم وإن أمكن جعل ﴿وأحل﴾ حالاً بإضمار " قد " ﴿وحرم الربا﴾ ط لابتداء الشرط واستئناف المعنى، ﴿ما سلف﴾ ط لتناهي الجزاء، ﴿إلى الله﴾ ج، ﴿النار﴾ ج، ﴿خالدون﴾ ه، ﴿الصدقات﴾ ط، ﴿أثيم﴾ ه ﴿عند ربهم﴾ ج، ﴿يحزنون﴾ ه، ﴿مؤمنين﴾ ه، ﴿ورسوله﴾ ج، ﴿أموالكم﴾ ج لأن ما بعده مستأنف أو حال عامله معنى الفعل في لام التمليك، ﴿ولا تظلمون﴾ ه، ﴿ميسرة﴾ ط، ﴿تعلمون﴾ ه، ﴿لا يظلمون﴾ ه.
ثم إن المعاملين بالربا كانوا أصحاب شرف وجلالة وأعوان وتغلب على الناس، فاحتاجوا إلى مزيد زجر ووعيد فلا جرم وقع ختم أحكام الربا بقوله ﴿واتقوا يوماً﴾ والمراد اتقاء ما يحدث فيه من الشدائد والأهوال.
واتقاء ذلك لا يمكن إلا باجتناب المعاصي وفعل الأوامر في الدنيا فهذا القول يتضمن الإتيان بجميع التكاليف. وانتصب ﴿يوماً﴾ على أنه مفعول به. والمعنى : تأهبوا بما تسلفون من العمل الصالح للقاء يوم ﴿ترجعون فيه إلى الله﴾ أي إلى ما أعد لكم من ثواب أو عقاب، وإلى علمه وحفظه وذلك أن الإنسان له أحوال ثلاث على الترتيب : الأولى كونه جنيناً لا يملك تصرفاً فلا تصرف فيه إلا لله، والثانية خروجه إلى فضاء وهنالك يرى للأبوين لغيرهما تصرف فيه ظاهر. الثالثة ما بعد الموت وهنالك لا يكون التصرف فيه ظاهراً وفي الحقيقة إلا لله تعالى فكأنه عاد إلى الحالة الأولى. وهذا معنى الرجوع إلى الله ﴿ثم توفى كل نفس ما كسبت﴾ أي جزاء ذلك أو المكتسب هو الجزاء كما يقال : كسب الرجل لما يحصله بتجارته. والمراد أن كل مكلف فإنه يصل إليه جزاء عمله بالتمام عند الرجوع إلى الله تعالى كقوله :﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾[الزلزلة: ٧، ٨] ثم كان لقائل أن يقول : كيف يليق بأكرم الأكرمين إيصال العذاب إلى عبيده الكفار والفساق فقال ﴿وهم لا يظلمون﴾ بل العبد هو الذي أوقع نفسه في تلك الورطة لأن الله تعالى مكنه وأزاح عذره وسهل طريق الاستدلال عليه وأمهل. هذا على أصول المعتزلة. وأما على أصول الأصحاب فهو إشارة إلى أنه تعالى ملك الملوك وخالق الخلائق، والملك إذا تصرف في ملكه كيف شاء وأراد لم يكن ظلماً. عن ابن عباس أنها آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ نزل بها جبريل وقال : ضعها على رأس المائتين والثمانين من البقرة، وعاش ﷺ بعدها أحداً وثمانين يوماً، وقيل أحداً وعشرين، وقيل سبعة أيام، وقيل ثلاث ساعات، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : أخبر عن حرص أهل الدنيا وهم أكلة الربا بعد ذكر قناعة أهل العقبى. فمثل آكل الربا كمثل من به جوع الكلب يأكل ولا يشبع حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه فلا يقوم إلا كما يقوم المصروع لأنه كلما أقام صرعه ثقل بطنه، ومثله قوله عليه السلام :" إن هذا المال خضر حلو وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم إلا آكلة الخضر فإنها أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت فمن أخذه بحقه ووضعه بحقه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع " وفي الحديث مثلان : أحدهما للمفرط في جمع الدنيا بحيث يفضي به إلى الهلاك في الدنيا والعقبى وأشار إليه بقوله :" وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم " وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول فتستكثر منها الماشية لاستطابتها إياها حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاعتدال فتنشق أمعاؤها فتهلك أو تقارب الهلاك. والمثل الآخر للمقتصد وذلك قوله " إلا آكلة الخضر " وذلك أن الخضر ليست من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره ولكنها من كلإ الصيف التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها، فلا ترى الماشية تكثر منها وهو مثل التاجر الذي يكتسب المال بطريق البيع والشراء ويؤدي حقه وإن كان له حرص في الطلب والجمع. ولكن لما كان بأمر الشرع وطريق الحل ما أضربه ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ يعني كيف يكون ما أزال نور الأمر ظلمته مثل ما زاد ظلمته ارتكاب المنهي ؟ فمرتكب الربا في ظلمات ثلاث : ظلمة الحرص وظلمة الدنيا وظلمة المعصية. ﴿وأمره إلى الله﴾ يرزقه من حيث لا يحتسب ﴿والله لا يحب كل كفار﴾ بنعمة الشرع وأنواره ﴿أثيم﴾ عامل بالطبع مقيم في ظلمة إصراره. ثم أخبر عن العاملين بالشرع الخارجين عن الطبع الذين آمنوا إيمان التصديق بالتحقيق مقروناً بالتوفيق، ثم خرجوا عن ظلمة إتباع الهوى بإقامة الصلاة وعالجوا ظلمة الركون إلى الدنيا بأنوار إيتاء الزكاة، فجذبتهم العناية من حضيض العبدية إلى ذروة العندية ﴿ولهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم﴾ من الرجوع إلى ظلمات الطبيعة ﴿ولا هم يحزنون﴾ لفوات أنوار الشريعة. ثم أخبر عن أهل الإيمان المجازي فقال ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ باللسان ﴿اتقوا الله﴾ أي بالله كما جاء. " كنا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله ﷺ ". أي جعلناه قدامنا. ومن شرط المؤمن الحقيقي اتقاؤه بالله في ترك الزيادات كما قال :" من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " و ﴿ذروا ما بقي من الربا﴾ تركوا ما سوى الله في طلبه ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ إيماناً حقيقياً. ﴿فإن لم تفعلوا﴾ لم تتركوا كل زيادة تمنعكم ﴿فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ ببعد منهما وبغض. ﴿وإن تبتم﴾ تركتم غيره ﴿فلكم رؤوس أموالكم﴾ وهي الكرامة التي فضلكم بها على كثير من خلقه وهي المحبة يحبهم ويحبونه ﴿لا تظلمون﴾ بوضع محبتي في غير موضعها من المخلوقات ﴿ولا تظلمون﴾ بوضع محبتكم في غير موضعها. ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ لم يصل إليه ما أعد لأجله عاجلاً ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ وهو وقت وصوله إليه آجلاً ﴿وأن تصدقوا﴾ تبذلوا فينا ما تتمنون من صنوف برنا في الدنيا والعقبى على قدر همتكم ﴿فهو خير لكم﴾ لأنا نجازيكم على قدر مواهبنا ﴿إن كنتم تعلمون﴾ قدرها ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين " ثم إنه سبحانه كما جمع في القرآن خلاصة الكتب السماوية جمع في خاتمة الوحي خلاصة أي القرآن فقال :﴿واتقوا يوماً﴾ الآية. وذلك أن فائدة جميع الكتب راجعة إلى معنيين : النجاة من الدركات السفلى وهي سبعة : الكفر والشرك والجهل والمعاصي والأخلاق المذمومة وحجب الأوصاف وحجاب النفس. والفوز بالدرجات العلى وهي ثمانية : المعرفة والتوحيد والعلم والطاعات والأخلاق المحمودة وجذبات الحق والفناء عن أنانيته والبقاء بهويته. فقوله ﴿واتقوا﴾ شامل لما يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني، لأن حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله ومباشرة ما يقربك إليه، فتقوى العام الخروج بسبب الإقامة بشرائط ﴿جاهدوا فينا﴾[العنكبوت: ٦٩] عن الكفر بالمعرفة، وعن الشرك بالتوحيد، وعن الجهل بالعلم، وعن المعاصي بالطاعات، وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة. ثم من ههنا تقوى الخاص تخرجهم جذبات ﴿لنهدينهم سبلنا﴾[العنكبوت: ٦٩] من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات الحق فيستظلون بظل سدرة المنتهى
﴿عندها جنة المأوى﴾[النجم: ١٥] فينتفعون بمواهب ﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾
[النجم: ١٦] ثم من ههنا تقوى خاص الخاص فتخرجه العناية بجذبات ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾[النجم: ١٧] من سدرة المنتهى الأوصاف إلى قاب قوسين نهاية حجاب النفس وبدية أنوار القدس. وهناك من عرف نفسه فقد عرف ربه وهو مقام أو أدنى ترجعون فيه إلى الله. لأن مبدأ وجودك النفخة، وآخر حالك الجذبة، وبها اصطفى آدم وكرم نبيه ولهذا لم يقل : ولقد كرمنا أولاد آدم، لأن أهل الكرامة منهم من هو بوصف الرجال دون النساء. ثم وصف الرجال بقوله :﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾[النور: ٣٧] فمن كان من النساء بهذا الوصف فهو من الرجال في المعنى، ومن لم يكن من الرجال بهذا الوصف فهو من النساء في الحقيقة، وفي هذا الرجوع وعد وبشارة للأولياء، ووعيد وإنذار للأعداء ﴿ثم توفى كل نفس ما كسبت﴾ فبقدر مراتبه في العبودية والتقوى يهتدي إلى مقامات القرب من المولى، وبحسب فنائه عن حجاب نفسه يبقى ببقاء ذاته وهويته، ﴿وهم لا يظلمون﴾ فإن دخول النور في البيت وخروج الظلمة منه إنما يكون على مقدار سعة فتح الروزنة وضيقة ولا تظلم الشمس عليه مثقال ذرة ﴿فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾[النازعات: ٣٧، ٤١].


التأويل : أخبر عن حرص أهل الدنيا وهم أكلة الربا بعد ذكر قناعة أهل العقبى. فمثل آكل الربا كمثل من به جوع الكلب يأكل ولا يشبع حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه فلا يقوم إلا كما يقوم المصروع لأنه كلما أقام صرعه ثقل بطنه، ومثله قوله عليه السلام :" إن هذا المال خضر حلو وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم إلا آكلة الخضر فإنها أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت فمن أخذه بحقه ووضعه بحقه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع " وفي الحديث مثلان : أحدهما للمفرط في جمع الدنيا بحيث يفضي به إلى الهلاك في الدنيا والعقبى وأشار إليه بقوله :" وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم " وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول فتستكثر منها الماشية لاستطابتها إياها حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاعتدال فتنشق أمعاؤها فتهلك أو تقارب الهلاك. والمثل الآخر للمقتصد وذلك قوله " إلا آكلة الخضر " وذلك أن الخضر ليست من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره ولكنها من كلإ الصيف التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها، فلا ترى الماشية تكثر منها وهو مثل التاجر الذي يكتسب المال بطريق البيع والشراء ويؤدي حقه وإن كان له حرص في الطلب والجمع. ولكن لما كان بأمر الشرع وطريق الحل ما أضربه ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ يعني كيف يكون ما أزال نور الأمر ظلمته مثل ما زاد ظلمته ارتكاب المنهي ؟ فمرتكب الربا في ظلمات ثلاث : ظلمة الحرص وظلمة الدنيا وظلمة المعصية. ﴿وأمره إلى الله﴾ يرزقه من حيث لا يحتسب ﴿والله لا يحب كل كفار﴾ بنعمة الشرع وأنواره ﴿أثيم﴾ عامل بالطبع مقيم في ظلمة إصراره. ثم أخبر عن العاملين بالشرع الخارجين عن الطبع الذين آمنوا إيمان التصديق بالتحقيق مقروناً بالتوفيق، ثم خرجوا عن ظلمة إتباع الهوى بإقامة الصلاة وعالجوا ظلمة الركون إلى الدنيا بأنوار إيتاء الزكاة، فجذبتهم العناية من حضيض العبدية إلى ذروة العندية ﴿ولهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم﴾ من الرجوع إلى ظلمات الطبيعة ﴿ولا هم يحزنون﴾ لفوات أنوار الشريعة. ثم أخبر عن أهل الإيمان المجازي فقال ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ باللسان ﴿اتقوا الله﴾ أي بالله كما جاء. " كنا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله ﷺ ". أي جعلناه قدامنا. ومن شرط المؤمن الحقيقي اتقاؤه بالله في ترك الزيادات كما قال :" من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " و ﴿ذروا ما بقي من الربا﴾ تركوا ما سوى الله في طلبه ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ إيماناً حقيقياً. ﴿فإن لم تفعلوا﴾ لم تتركوا كل زيادة تمنعكم ﴿فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ ببعد منهما وبغض. ﴿وإن تبتم﴾ تركتم غيره ﴿فلكم رؤوس أموالكم﴾ وهي الكرامة التي فضلكم بها على كثير من خلقه وهي المحبة يحبهم ويحبونه ﴿لا تظلمون﴾ بوضع محبتي في غير موضعها من المخلوقات ﴿ولا تظلمون﴾ بوضع محبتكم في غير موضعها. ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ لم يصل إليه ما أعد لأجله عاجلاً ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ وهو وقت وصوله إليه آجلاً ﴿وأن تصدقوا﴾ تبذلوا فينا ما تتمنون من صنوف برنا في الدنيا والعقبى على قدر همتكم ﴿فهو خير لكم﴾ لأنا نجازيكم على قدر مواهبنا ﴿إن كنتم تعلمون﴾ قدرها ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين " ثم إنه سبحانه كما جمع في القرآن خلاصة الكتب السماوية جمع في خاتمة الوحي خلاصة أي القرآن فقال :﴿واتقوا يوماً﴾ الآية. وذلك أن فائدة جميع الكتب راجعة إلى معنيين : النجاة من الدركات السفلى وهي سبعة : الكفر والشرك والجهل والمعاصي والأخلاق المذمومة وحجب الأوصاف وحجاب النفس. والفوز بالدرجات العلى وهي ثمانية : المعرفة والتوحيد والعلم والطاعات والأخلاق المحمودة وجذبات الحق والفناء عن أنانيته والبقاء بهويته. فقوله ﴿واتقوا﴾ شامل لما يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني، لأن حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله ومباشرة ما يقربك إليه، فتقوى العام الخروج بسبب الإقامة بشرائط ﴿جاهدوا فينا﴾[العنكبوت: ٦٩] عن الكفر بالمعرفة، وعن الشرك بالتوحيد، وعن الجهل بالعلم، وعن المعاصي بالطاعات، وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة. ثم من ههنا تقوى الخاص تخرجهم جذبات ﴿لنهدينهم سبلنا﴾[العنكبوت: ٦٩] من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات الحق فيستظلون بظل سدرة المنتهى
﴿عندها جنة المأوى﴾[النجم: ١٥] فينتفعون بمواهب ﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾
[النجم: ١٦] ثم من ههنا تقوى خاص الخاص فتخرجه العناية بجذبات ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾[النجم: ١٧] من سدرة المنتهى الأوصاف إلى قاب قوسين نهاية حجاب النفس وبدية أنوار القدس. وهناك من عرف نفسه فقد عرف ربه وهو مقام أو أدنى ترجعون فيه إلى الله. لأن مبدأ وجودك النفخة، وآخر حالك الجذبة، وبها اصطفى آدم وكرم نبيه ولهذا لم يقل : ولقد كرمنا أولاد آدم، لأن أهل الكرامة منهم من هو بوصف الرجال دون النساء. ثم وصف الرجال بقوله :﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾[النور: ٣٧] فمن كان من النساء بهذا الوصف فهو من الرجال في المعنى، ومن لم يكن من الرجال بهذا الوصف فهو من النساء في الحقيقة، وفي هذا الرجوع وعد وبشارة للأولياء، ووعيد وإنذار للأعداء ﴿ثم توفى كل نفس ما كسبت﴾ فبقدر مراتبه في العبودية والتقوى يهتدي إلى مقامات القرب من المولى، وبحسب فنائه عن حجاب نفسه يبقى ببقاء ذاته وهويته، ﴿وهم لا يظلمون﴾ فإن دخول النور في البيت وخروج الظلمة منه إنما يكون على مقدار سعة فتح الروزنة وضيقة ولا تظلم الشمس عليه مثقال ذرة ﴿فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾[النازعات: ٣٧، ٤١].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى