تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
)وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ( البقرة : ٣٩ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿الذين كفروا﴾ مبتدأ ؛ وجملة :﴿أولئك أصحاب النار﴾ خبر المبتدأ ؛ وجملة :﴿هم فيها خالدون﴾ في موضع نصب على الحال. يعني حال كونهم خالدين. ويجوز أن تكون استئنافية لبيان مآلهم..
قوله تعالى :﴿الذين كفروا﴾ أي بالأمر ؛ ﴿وكذبوا﴾ أي بالخبر ؛ فعندهم جحود، واستكبار ؛ وهذان هما الأساسان للكفر ؛ لأن الكفر يدور على شيئين : إما استكبار ؛ وإما جحود ؛ فكفر إبليس : كفر استكبار ؛ لأنه مقر بالله، لكنه استكبر ؛ وكفر فرعون، وقومه : كفر جحود ؛ لقوله تعالى :﴿وجحدوا بها﴾ : فهم في ألسنتهم مكذبون، لكنهم في نفوسهم مصدقون ؛ لقوله تعالى :﴿واستيقنتها أنفسهم﴾ [النمل: ١٤]..
فقوله تعالى :﴿والذين كفروا﴾ أي كفروا بالله، فاستكبروا عن طاعته، ولم ينقادوا لها ؛ ﴿وكذبوا بآياتنا﴾ أي بالآية الشرعية ؛ وإن انضاف إلى ذلك الآية الكونية زاد الأمر شدة ؛ لكن المهم الآية الشرعية ؛ لأن من المكذبين الكافرين من آمنوا بالآية الكونية دون الشرعية ؛ فمثلاً كفار قريش مؤمنون بالآية الكونية مقرون بأن الله خالق السموات، والأرض، وأنه المحيي، وأنه المميت، وأنه المدبر لجميع الأمور ؛ لكنهم كافرون بالآية الشرعية..
قوله تعالى :﴿أولئك﴾ أي المذكورون ؛ وأشار إليهم بإشارة البعيد لانحطاط رتبتهم لا ترفيعاً لهم، وتعلية لهم ؛ ﴿أصحاب النار﴾ أي الملازمون لها ؛ ولهذا لا تأتي " أصحاب النار " إلا في الكفار ؛ لا تأتي في المؤمنين أبداً ؛ لأن المراد الذين هم مصاحبون لها ؛ والمصاحب لابد أن يلازم من صاحبه ؛ ﴿هم فيها خالدون﴾ أي ماكثون ؛ والمراد بذلك المكث، الدائم الأبدي ؛ ودليل ذلك ثلاث آيات في كتاب الله ؛ آية في النساء، وآية في الأحزاب، وآية في الجن ؛ أما آية النساء فقوله تعالى :﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩] ؛ وأما آية الأحزاب فقوله تعالى :﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً * خالدين فيها أبداً﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥] ؛ وأما آية الجن فقوله تعالى :﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً﴾ [الجن: ٢٣]..
الفوائد :
. ١ من فوائد الآية : أن الذين جمعوا بين هذين الوصفين. الكفر، والتكذيب. هم أصحاب النار مخلدون فيها أبداً. كما سبق ؛ فإن اتصفوا بأحدهما فقد دل الدليل على أن المكذب خالد في النار ؛ وأما الكافر فمن كان كفره مخرجاً عن الملة فهو خالد في النار ؛ ومن كان كفره لا يخرج من الملة فإنه غير مخلد في النار..
. ٢ ومنها : أن الله تعالى قد بين الحق بالآية التي تقطع الحجة، وتبين المحجة..
. ٣ ومنها : انحطاط رتبة من اتصفوا بهذين الوصفين. الكفر، والتكذيب..
. ٤ ومنها : إثبات النار ؛ وقد ثبت بالدليل القطعي أنها موجودة الآن، كما في قوله تعالى :﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ ( آل عمران : ١٣١ )

تفسير هذه الآية من كتب أخرى