الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قولُه تعالى :﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ : الهمزةُ للإِنكارِ والتوبيخِ أو للتَّعجُّبِ مِنْ حالِهم. و " أَمَرَ " يتعدَّى لاثنين أحدُهما بنفسِه والآخرُ بحرفِ الجرِّ، وقد يُحْذَفُ، وقد جَمَع الشاعرُ بين الأَمرين في قوله :
أَمَرْتُكَ الخيرَ فافْعَلْ ما أَمِرتَ بهفَقَدْ تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ
فالناسَ مفعولٌ أولُ، وبالبِرِّ مفعولٌ ثان. والبِرُّ : سَعَةُ الخيرِ مِن الصلة والطاعة، ومنه البَرُّ والبَرِيَّة لسعَتِهما، والفعلُ [ منه ] : بَرَّيَبَرُّ على فَعِل يَفْعَل كعَلِمَ يَعْلَم، قال :
لا هُمَّ ربِّ إنَّ بَكْراً دونكايَبَرُّكَ الناسُ ويَفْجُرونكا
[ أي : يُطيعونك، والبِرُّ أيضاً : ولدُ الثعلب وسَوْقُ الغَنَم، ومنه قولُهم :" لا يَعْرِفُ الهِرَّ من البِرِّ " أي : لا يَعْرِفُ دُعاءَها مِنْ سَوْقِها، والبِرُّ أيضاً الفؤادُ، قال :
أكونُ مكانَ البِرِّ منه ودونُهوأَجْعَلُ مالي دونَه وأُوامِرُهْ
والبَرُّ بالفتح الإِجلالُ والتعظيمُ، ومنه : وَلَدٌ بَرٌّ بوالدَيْهِ، أي : يُعَظِّمُهما، واللهُ تعالى بَرُّ لسَعَةِ خيرِه على خَلْقِه ].
قوله :" وَتَنْسَوْن " داخلٌ في حَيِّز الإِنكار، وأصلُ تَنْسَوْن : تَنْسَيُون، فأُعِلَّ بحَذْفِ الياءِ سُكونها، وقد تقدَّم في ﴿اشْتَرُواْ﴾ [البقرة: ١٦]، فوزنُه تَفْعون، والنِّسيانُ : ضدُّ الذِّكْر، وهو السهوُ الحاصِلُ بعد حصولِ العلمِ، وقد يُطْلَقُ على التِّركِ، ومنه :﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقَد يَدْخُلُه التعليقُ حَمْلاً على نقِيضه، قال :
ومَنْ أنتمُ إنَّا نَسِينا مَنَ أنْتُمُوريحُكُمُ من أيِّ ريحِ الأعاصِرِ
قوله :﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ مبتدأٌ وخبرٌ في محلِّ نصبٍ على الحال، العاملُ فيها " تَنْسَوْن ". والتلاوةُ : التتابعُ، ومنه تلاوة القرآنِ، لأنَّ القارئ يُتْبِع كلماتِه بعضَها ببعضٍ، ومنه :﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾ [الشمس: ٢]، وأَصل تَتْلُون : تَتْلُوون بواوين فاستُثْقِلتِ الضمة على الواوِ الأولى فحُذِفَتْ، فالتقى ساكنان، فحُذِفَتْ فوزنُه : تَفْعُون.
قوله :﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ الهمزةُ للإِنكارِ أيضاً، وهي في نيَّةِ التأخير عن الفاءِ لأنها حرفُ عَطْفٍ، وكذا تتقدَّم أيضاً على الواوِ وثم نحو :﴿أَوَلاَ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ [يونس: ٥١]، والنيَّةُ بها التأخيرُ، وما عدا ذلك من حروفِ العطف فلا تتقدَّمُ عليه تقول : ما قامَ زيدٌ بل أَقْعَدَ ؟ هذا مذهبُ الجمهورِ. وزعم الزمخشري أن الهمزةَ في موضعها غيرُ مَنْوِيٍّ بها التأخيرُ، ويُقَدِّرَ قبل الفاءِ والواوِ وثم فعلاً عُطِفَ عليه ما بعده، فيقدِّر هنا : أتغْفَلون فَلاَ تَعْقلون، وكذا :﴿أَفَلَمْ يَرَوْاْ﴾ [سبأ: ٩] أي : أَعَمُوا فلم يَرَوْا، وقد خالف هذا الأصلَ ووافق الجمهورَ في مواضعَ يأتي التنبيهُ عليها. ومفعولُ " تَعْقِلون " غيرُ مرادٍ، لأنَّ المعنى : أفلا يكونُ منكم [ عَقْلٌ ]. وقيل : تقديرهُ : أفلا تَعْقِلون قُبْحَ ما ارتكبتم مِنْ ذلك.
والعَقْلُ : الإِدراكُ المانعُ من الخطأ، وأصلُه المَنْعُ : ومنه : العِقال، لأنه يَمْنَعُ البعيرَ، وعَقْلُ الدِّيَّة لأنه يَمْنَعُ من قتل الجاني، والعَقْلُ أيضاً ثوبٌ مُوَشَّى، قال علقمة :
عَقْلاً ورَقْماً تَظَلُّ الطيرُ تَتْبَعُهُكأنَّه من دم الأَجْوافِ مَدْمُومُ
قال ابن فارس :" ما كان منقوشاً طُولاً فهو عَقْلٌ، أو مستديراً فهوَ رَقْمٌ " ولا محلَّ لهذه الجملةِ لاستئنافِها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى