البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
القوم : اسم جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده امرؤ، وقياسه أن لا يجمع، وشذ جمعه، قالوا : أقوام، وجمع جمعه قالوا : أقاويم فقيل يختص بالرجال.
قال تعالى :﴿لا يسخر قوم من قوم﴾، ولذلك قابله بقوله :﴿ولا نساء من نساء﴾ وقال زهير :
أقوم آل حصن أم نساء***
وقال آخر :
قومي هم قتلوا أميم أخيفإذا رميت يصيبني سهمي
وقال آخر :
لا يبعدن قومي الذين همسم العداة وآفة الجزر
وقيل : لا يختص بالرجال بل ينطلق على الرجال والنساء :﴿إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه﴾ ﴿ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة﴾ كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، قال هذا القائل : أما إذا قامت قرينة على التخصيص فيبطل العموم ويكون المراد ذلك الشيء المخصص.
والقول الأول أصوب، ويكون اندراج النساء في القوم على سبيل الاستتباع وتغليب الرجال، والمجاز خير من الاشتراك.
وسمي الرجال قوماً لأنهم يقومون بالأمور.
البارئ : الخالق، برأ يبرأ : خلق، وفي الجمع بين الخالق والبارئ في قوله :﴿هو الله خالق البارئ المصور﴾ ما يدل على التباين، إلا أن حمل على التوكيد.
وقد فرق بعض الناس بينهما، فقال : البارئ هو المبدع المحدث، والخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال.
وقال بعض العلماء : برأ وأنشأ وأبدع نظائر.
قال المهدوي وغيره : واللفظ له، وأصله من تبرى الشيء من الشيء، وهو انفصاله منه، فالخلق قد فصلوا من العدم إلى الوجود، انتهى.
وقال أميّة الخالق البارئ المصور في الأرحام ماء حتى يصير دماً.
القتل : إزهاق الروح بفعل أحد، من طعن أو ضرب أو ذبح أو خنق أو ما شابه ذلك، وأما إذا كان من غير فعل فهو موت هلاك، والمقتل : المذلل، وقال امرؤ القيس :
بسهميك في أعشار قلب مقتل ***
شرحوه : بالمذلل.
خير : هي أفعل التفضيل، حذفت همزتها شذوذاً في الكلام فنقص بناؤها فانصرفت، كما حذفوها شذوذاً في الشعر من أحب للتي للتفضيل، وقال الأحوص :
وزادني كلفاً بالحب أن منعتوحب شيء إلى الإنسان ما منعا
وقد نطقوا بالهمزة في الشعر، قال الشاعر :
بلال خير الناس وابن الأخير***
وتأتي خير أيضاً لا، بمعنى التفضيل، تقول : في زيد خير، تريد بذلك خصلة جميلة، ومخففاً من خير : رجل خير، أي فيه خير، ويمكن أن يكون من ذلك :﴿فيهنّ خيرات حسان﴾.
﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم﴾ : عدّ صاحب المنتخب هذا إنعاماً خامساً، وقيل : هذه الآية وما بعدها منقطعة مما تقدم من التذكير بالنعم، وذلك لأنه أمر بالقتل، والقتل لا يكون نعمة، وضعف بأن من أعظم النعم التنبيه على ما به يتخلصون من عقاب الذنب العظيم، وذلك هو التوبة.
وإذا كان قد عدّد عليهم النعم الدنيوية، فلأن يعدد عليهم النعم الدينية أولى.
ولما لم يكمل وصف هذه النعمة إلا بمقدمة ما تسببت عنه، قدم ذكر ذلك، وهذا الخطاب هو محاورة موسى لقومه حين رجع من الميقات ووجدهم قد عبدوا العجل.
واللام في قوله : لقومه، للتبليغ، وإقبال موسى عليه بالنداء، ونداؤه بلفظ يا قوم، مشعر بالتحنن عليهم، وأنه منهم، وهم منه، ولذلك أضافهم إلى نفسه، كما يقول الرجل : يا أخي، ويا صديقي، فيكون ذلك سبباً لقبول ما يلقى إليه، بخلاف أن لو ناداه باسمه، أو بالوصف القبيح الصادر منه.
وفي ذلك أيضاً هزلهم لقبولهم الأمر بالتوبة، بعد تقريعهم بأنهم ظلموا أنفسهم، وأي ظلم أعظم من اتخاذ إله غيره ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ ونص على أنهم ظلموا أنفسهم بذلك لأنه أفحش الظلم، لأن نفس الإنسان أحب شيء إليه، فإذا ظلمها، كان ذلك أفحش من أن يظلم غيره.
ويا قوم : منادى مضاف إلى ياء المتكلم، وقد حذفت واجتزى بالكسرة عنها، وهذه اللغة أكثر ما في القرآن.
وقد جاء إثباتها كقراءة من قرأ : يا عبادي فاتقون، بإثبات الياء ساكنة، ويجوز فتحها، فتقول : يا غلامي، وفتح ما قبلها وقلب الياء ألفاً، فتقول : يا غلاماً.
وأجاز الأخفش حذف الألف والاجتزاء بالفتحة عنها، فتقول : يا غلام، وأجازوا ضمه وهو على نية الإضافة فتقول : يا غلام، تريد : يا غلامي.
وعلى ذلك قراءة من قرأ : قل ﴿ربّ احكم بالحق﴾ ﴿قال ربّ السجن أحب إليّ﴾ هكذا أطلقوا، وفصل بعضهم بين أن يكون فعلاً أو اسماً، إن كان فعلاً فلا يجوز بناؤه على الضم، ومثل الفعل بمثل : يا ضاربي، فلا يجيز في هذا يا ضارب، وظاهر الخطاب اختصاصه بمتخذي العجل.
وقيل : يجوز أن يراد به : من عبد ومن لم يعبد جعلوا ظالمين، لكونهم لم يمنعوهم ولم يقاتلوهم.
والباء في ﴿باتخاذكم العجل﴾ سببية، واحتمال الوجهين السابقين في قوله :﴿ثم اتخذتم العجل﴾ جاء هنا، أي بعملكم العجل وعبادته، أو ﴿باتخاذكم العجل إلهاً﴾.
قال السلمي : عجل كل واحد نفسه، فمن أسقط مراده وخالف هواه فقد برىء من ظلمه.
﴿فتوبوا إلى بارئكم﴾ الفاء في فتوبوا معها التسبيب، لأن الظلم سبب للتوبة، ولما كان السامريّ قد عمل لهم من حليهم عجلاً، قيل لهم : توبوا إلى بارئكم، أي منشئكم وموجدكم من العدم، إذ موجد الأعيان هو الموجد حقيقة.
وأما عمل العجل واتخاذه فليس فيه إبراز الذواب من العدم، إنما ذلك تأليف تركيبي لا خلق أعيان، فنبهوا بلفظ الباري على الصانع، أي الذي أوجدكم هو المستحق للعبادة، لا الذي صنعه، مصنوع مثله، فلذلك، والله أعلم، كان ذكر الباري هنا.
وقرأ الجمهور : بظهور حركة الإعراب في بارئكم، وروي عن أبي عمرو : الاختلاس، روي ذلك عنه سيبويه، وروى عنه : الإسكان، وذلك إجراء للمنفصل من كلمتين مجرى المتصل من كلمة، فإنه يجوز تسكين مثل إبل، فأجرى المكسوران في بارئكم مجرى إبل، ومنع المبرد التسكين في حركة الإعراب، وزعم أن قراءة أبي عمرو لحن، وما ذهب إليه ليس بشيء، لأن أبا عمرو لم يقرأ إلا بأثر عن رسول الله ﷺ.
ولغة العرب توافقه على ذلك، فإنكار المبرد لذلك منكر، وقال الشاعر :
فاليوم أشرب غير مستحقبإثماً من الله ولا واغل
وقال آخر :
رحت وفي رجليك ما فيهماوقد بداهنك من المئزر
وقال آخر :
أو نهر تيرى فما تعرفكم العرب***
وقد خلط المفسرون هنا في الردّ على أبي العباس، فأنشدوا ما يدل على التسكين مما ليست حركته حركة إعراب.
قال الفارسي : أما حركة البناء فلم يختلف النحاة في جواز تسكينها، ومما يدل على صحة قراءة أبي عمر وما حكاه أبو زيد من قوله تعالى :﴿ورسلنا لديهم يكتبون﴾ وقراءة مسلمة ابن محارب :﴿وبعولتهنّ أحقّ بردّهن في ذلك﴾ وذكر أبو عمرو : أن لغة تميم تسكين المرفوع من يعلمه ونحوه، ومثل تسكين بارئكم، قراءة حمزة، ﴿ومكر السيئ﴾ وقرأ الزهريّ : باريكم، بكسر الياء من غير همز، وروي ذلك عن نافع.
ولهذه القراءة تخريجان أحدهما : أن الأصل الهمزة، وأنه من برأ، فخففت الهمزة بالإبدال المحض على غير قياس، إذ قياس هذا التخفيف جعلها بين بين.
والثاني : أن يكون الأصل باريكم، بالياء من غير همز، ويكون مأخوذاً من قولهم : بريت القلم، إذا أصلحته، أو من البري : وهو التراب، ثم حرك حرف العلة، وإن كان قياسه تقديراً لحركة في مثل هذا رفعاً وجراً، وقال الشاعر :
ويوماً توافينا الهوى غير ماضي***
وقال آخر :
ولم تختضب سمر العوالي بالدم
وقال آخر :
خبيث الثرى كأبي الأزيدوهذا كله تعليل شذوذ.
وقد ذكر الزمخشري في اختصاص ذكر البارئ هنا كلاماً حسناً هذا نصه.
فإن قلت : من أين اختص هذا الموضع بذكر البارئ ؟ قلت : البارئ هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت، ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾ ومتميزاً بعضه من بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة، فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطيف حكمته على الأشكال المختلفة، أبرياء من التفاوت والتنافر إلى عبادة البقر التي هي مثل في الغباوة والبلادة.
في أمثال العرب : أبلد من ثور، حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم حين لم يشكروا النعمة في ذلك وغبطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها، انتهى كلامه.
﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ : ظاهر هذا أنه القتل المعروف من إزهاق الروح.
فظاهره أنهم يباشرون قتل أنفسهم.
والأمر بالقتل من موسى على نبينا وعليه السلام لا يكون إلا بوحي من الله تعالى، إما بكونه كانت التوراة في شريعته متقررة بقتل النفس، وإما بكونه أمر ذلك بأمر متجدد عقوبة لهؤلاء الذين عبدوا العجل، والمأمور بقتل أنفسهم عبّاد العجل، أو من عبد ومن لم يعبد.
والمعنى : اقتلوا الذين عبدوا العجل من أهلكم، كقوله :﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ أي من أهلكم وجلدتكم، أو الجميع مأمورون بقتل أنفسهم، ثلاثة أقوال.
وقال ابن إسحاق : أمروا بأن يستسلموا للقتل، وسمي الاستسلام للتقل قتلاً على سبيل المجاز.
وقيل : معنى فاقتلوا أنفسكم : ذللوا أهواءكم.
وقد قدمنا أن التقتيل بمعنى التذليل، ومنه أيضاً قول حسان :
إن التي عاطيتني فرددتهاقتلت قتلت فهاتها لم تقتل
فتلخص في قوله :﴿فاقتلوا﴾، ثلاثة أقوال : الأول : الأمر بقتل أنفسهم.
الثاني : الاستسلام للقتل.
والثالث : التذليل للأهواء.
والأول هو الظاهر، وهو الذي نقله أكثر الناس.
وظاهر الكلام أنهم هم المأمورون بقتل أنفسهم، فقيل : وقع القتل هكذا قتلوا أنفسهم بأيديهم.
وقيل : قتل بعضهم بعضاً من غير تعيين قاتل ولا مقتول.
وقيل : القاتلون هم الذين اعتزلوا مع هارون، والمقتولون عباد العجل.
وقيل : القاتلون هم الذين كانوا مع موسى في المناجاة بطور سيناء، والمقتولون من عداهم.
وإذا قلنا : إن بعضهم قتل بعضاً، فاختلفوا في كيفية القتل، فقيل : اصطفوا صفين، فاجتلدوا بالسيوف والخناجر، فقتل بعضهم بعضاً حتى قيل لهم : كفوا، فكان ذلك شهادة للمقتول، وتوبة للقاتل، وقيل : أرسل الله عليهم ظلاماً ففعلوا ذلك.
وقيل : وقف عباد العجل صفاً، ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم.
وقيل : احتبى عباد العجل في أفنية دورهم، أو في موضع غيره، وخرج عليهم يوشع بن نون وهم محتبون فقال : ملعون من حل حبوته، أو مد طرفه إلى قاتله، أو اتقاه بيد أو رجل، فيقولون : آمين.
فما حل أحد منهم حبوته حتى قتل منهم سبعون ألفاً.
وفي رواية، قال لهم : من حل حبوته لم تقبل توبته، ولم يذكر اللعنة.
وقيل : إن الرجل كان يبصر ولده ووالده وجاره وقريبه، فلم يمكنهم المضي لأمر الله، فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون تحتها، وأمروا أن يحتبوا بأفنية بيوتهم، ويأخذ الذين لم يعبدوا العجل سيوفهم، وقيل لهم : أصبروا، فلعن الله من مد طرفه، أو حل حبوته، أو اتقى بيد أو رجل، فيقولون : آمين، فقتلوهم إلى المساء، حتى دعا موسى وهارون، قالا : يا رب ! هلكت بنو إسرائيل البقية البقية، فكشفت السحابة ونزلت التوبة، فسقطت الشفار من أيديهم، وكانت القتلى سبعين ألفاً.
انتهى ما نقلناه من بعض ما أورده المفسرون في كيفية القتل وفي القاتلين والمقتولين.
وفي ذلك من الاتعاظ والاعتبار ما يوجب مبادرة الازدجار عن مخ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى