تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم﴾ : أصل " البعث " في اللغة الإخراج ؛ ويطلق على الإحياء، كما هذه الآية ؛ ويدل على أن المراد به الإحياء هنا قوله تعالى :﴿من بعد موتكم﴾ ؛ وهو موت حقيقي، وليس نوماً، لأن النوم يسمى وفاة ؛ ولا يسمى موتاً، كما في قوله تعالى :﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ [الأنعام: ٦٠]، وقوله تعالى :﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾ [الزمر: ٤٢]
وقوله تعالى :﴿بعثناكم من بعد موتكم﴾ : هذه نعمة كبيرة عليهم أن الله تعالى أخذهم بهذه العقوبة، ثم بعثهم ليرتدعوا ؛ ويكون كفارة لهم ؛ ولهذا قال تعالى :﴿لعلكم تشكرون﴾ أي تشكرون الله سبحانه وتعالى ؛ و " لعل " هنا للتعليل..
وهذه إحدى الآية الخمس التي في سورة البقرة التي فيها إحياء الله تعالى الموتى ؛ والثانية : في قصة صاحب البقرة ؛ والثالثة : في الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال الله لهم :﴿موتوا ثم أحياهم﴾ [البقرة: ٢٤٣] ؛ والرابعة : في قصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، فقال :﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه﴾ [البقرة: ٢٥٩] ؛ والخامسة في قصة إبراهيم :﴿رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي...﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآية ؛ والله تعالى على كل شيء قدير، ولا ينافي هذا ما ذكر الله في قوله تعالى :﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون﴾ [المؤمنون: ١٥، ١٦] ؛ لأن هذه القصص الخمس، وغيرها. كإخراج عيسى الموتى من قبورهم. تعتبر أمراً عارضاً يؤتى به لآية من آيات الله سبحانه وتعالى ؛ أما البعث العام فإنه لا يكون إلا يوم القيامة ؛ ولهذا نقول في شبهة الذين أنكروا البعث من المشركين، ويقولون :﴿متى هذا الوعد إن كنتم صادقين﴾ [الأنبياء: ٣٨]، ويقولون :﴿فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين﴾ [الدخان: ٣٦] نقول : إن هؤلاء مموهون ؛ فالرسل لم تقل لهم : إنكم تبعثون الآن ؛ بل يوم القيامة ؛ ولينتظروا، فسيكون هذا بلا ريب..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الفوائد :
. ١ من فوائد الآيتين : تذكير الله تعالى بني إسرائيل بنعمته عليهم، حيث بعثهم من بعد موتهم.
٢. ومنها : سفاهة بني إسرائيل ؛ وما أكثر ما يدل على سفاهتهم ؛ فهم يؤمنون بموسى، ومع ذلك قالوا :﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾.
٣. ومنها : أن من سأل ما لا يمكن فهو حري بالعقوبة ؛ لقوله تعالى :﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ ؛ لأن الفاء تدل على السببية. ولا سيما في مثل حال هؤلاء الذين قالوا هذا عن تشكك ؛ وفرْق بين قول موسى عليه السلام :﴿رب أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وبين قول هؤلاء :﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ ؛ فموسى قال ذلك شوقاً إلى الله عزّ وجلّ، وليتلذذ بالرؤية إليه ؛ أما هؤلاء فقالوه تشككاً. يعني : لسنا بمؤمنين إلا إذا رأيناه جهرة ؛ ففرق بين الطلبين.
٤. ومن فوائد الآيتين : أن ألم العقوبة، ووقعها إذا كان الإنسان ينظر إليها أشد ؛ لقوله تعالى :﴿وأنتم تنظرون﴾ ؛ فإن الإنسان إذا رأى الناس يتساقطون في العقوبة يكون ذلك أشد وقعاً عليه.
٥. ومنها : بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث أحياهم بعد الموت ؛ لقوله تعالى : ثم بعثناكم من بعد موتكم }.
٦. ومنها : وجوب الشكر على من أنعم الله عليه بنعمة ؛ لقوله تعالى :﴿لعلكم تشكرون﴾ ؛ والشكر هو القيام بطاعة المنعم إقراراً بالقلب، واعترافاً باللسان، وعملاً بالأركان ؛ فيعترف بقلبه أنها من الله، ولا يقول : إنما أوتيته على علم عندي ؛ كذلك أيضاً يتحدث بها بلسانه اعترافاً. لا افتخاراً ؛ وكذلك أيضاً يقوم بطاعة الله سبحانه وتعالى بجوارحه ؛ وبهذه الأركان الثلاثة يكون الشكر ؛ وعليه قول الشاعر :
أفادتكم النعماء مني ثلاثةً يدي ولساني والضمير المحجبا
٧. ومن فوائد الآيتين : إثبات الحكمة لله تعالى : لقوله :﴿لعلكم تشكرون﴾ ؛ فإن " لعل " هنا للتعليل المفيد للحكمة..


الفوائد :
. ١ من فوائد الآيتين : تذكير الله تعالى بني إسرائيل بنعمته عليهم، حيث بعثهم من بعد موتهم.
٢. ومنها : سفاهة بني إسرائيل ؛ وما أكثر ما يدل على سفاهتهم ؛ فهم يؤمنون بموسى، ومع ذلك قالوا :﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾.
٣. ومنها : أن من سأل ما لا يمكن فهو حري بالعقوبة ؛ لقوله تعالى :﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ ؛ لأن الفاء تدل على السببية. ولا سيما في مثل حال هؤلاء الذين قالوا هذا عن تشكك ؛ وفرْق بين قول موسى عليه السلام :﴿رب أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وبين قول هؤلاء :﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ ؛ فموسى قال ذلك شوقاً إلى الله عزّ وجلّ، وليتلذذ بالرؤية إليه ؛ أما هؤلاء فقالوه تشككاً. يعني : لسنا بمؤمنين إلا إذا رأيناه جهرة ؛ ففرق بين الطلبين.
٤. ومن فوائد الآيتين : أن ألم العقوبة، ووقعها إذا كان الإنسان ينظر إليها أشد ؛ لقوله تعالى :﴿وأنتم تنظرون﴾ ؛ فإن الإنسان إذا رأى الناس يتساقطون في العقوبة يكون ذلك أشد وقعاً عليه.
٥. ومنها : بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث أحياهم بعد الموت ؛ لقوله تعالى : ثم بعثناكم من بعد موتكم }.
٦. ومنها : وجوب الشكر على من أنعم الله عليه بنعمة ؛ لقوله تعالى :﴿لعلكم تشكرون﴾ ؛ والشكر هو القيام بطاعة المنعم إقراراً بالقلب، واعترافاً باللسان، وعملاً بالأركان ؛ فيعترف بقلبه أنها من الله، ولا يقول : إنما أوتيته على علم عندي ؛ كذلك أيضاً يتحدث بها بلسانه اعترافاً. لا افتخاراً ؛ وكذلك أيضاً يقوم بطاعة الله سبحانه وتعالى بجوارحه ؛ وبهذه الأركان الثلاثة يكون الشكر ؛ وعليه قول الشاعر :
أفادتكم النعماء مني ثلاثةً يدي ولساني والضمير المحجبا
٧. ومن فوائد الآيتين : إثبات الحكمة لله تعالى : لقوله :﴿لعلكم تشكرون﴾ ؛ فإن " لعل " هنا للتعليل المفيد للحكمة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى