البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
البعث : الإحياء، وأصله الإثارة، قال الشاعر :
أنيخها ما بدا لي ثم أبعثهاكأنها كاسر في الجو فتخاء
وقال آخر :
وفتيان صدق قد بعثت بسحرةفقاموا جميعاً بين عان ونشوان
وقيل : أصله الإرسال، ومنه :﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا﴾ وتأتي بمعنى الإفاقة من الغشي أو النوم، ﴿وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم﴾ والقدر المشترك بين هذه المعاني هو إزالة ما يمنع عن التصرف.
﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم﴾ : معطوف على قوله :﴿أخذتكم الصاعقة﴾، ودل العطف بثم على أن بين أخذ الصاعقة والبعث زماناً تتصوّر فيه المهلة والتأخير، هو زمان ما نشأ عن الصاعقة من الموت، أو الغشي على الخلاف الذي مرّ.
والبعث هنا : الإحياء، ذكر أنهم لما ماتوا لم يزل موسى يناشد ربه في إحيائهم ويقول : يا رب إن بني إسرائيل يقولون قتلت خيارنا حتى أحياهم الله جميعاً رجلاً بعد رجل، ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون.
وقيل : معنى البعث الإرسال، أي أرسلناكم.
روي أنه لما أحياهم الله سألوا أن يبعثهم أنبياء فبعثهم أنبياء.
وقيل : معنى البعث : الإفاقة من الغشية، ويتخرّج على قول من قال إنهم صعقوا ولم يموتوا.
وقيل : البعث هنا : القيام بسرعة من مصارعهم، ومنه قالوا :﴿يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا﴾ ؟ وقيل معنى البعث هنا، التعليم، أي ثم علمناكم من بعد جهلكم، والموت هنا ظاهرة مفارقة الروح الجسد، وهذا هو الحقيقة، وكان إحياؤهم لأجل استيفاء أعمارهم.
ومن قال : كان ذلك غشياً وهموداً كان الموت مجازاً، قال تعالى :﴿ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت﴾ والذي أتاه مقدّماته سميت موتاً على سبيل المجاز، قال الشاعر :
وقل لهم بادروا بالعذر والتمسواقولاً يبرئكم إني أنا الموت
جعل نفسه الموت لما كان سبباً للموت، وكذلك إذا حمل الموت على الجهل كان مجازاً، وقد كنى عن العلم بالحياة، وعن الجهل بالموت.
قال تعالى :﴿أو من كان ميتاً فأحييناه﴾ وقال الشافعي، رحمه الله :
إنما النفس كالزجاجةوالعلم سراج وحكمة الله زيت
فإذا أبصرت فإنك حيّوإذا أظلمت فإنك ميت
وقال ابن السيد :
أخو العلم حي خالد بعد موتهوأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرىيظنّ من الأحياء وهو عديم
ولا يدخل موسى على نبينا وعليه السلام في خطاب ثم ﴿بعثناكم﴾، لأنه خطاب مشافهة للذين قالوا :﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾، ولقوله :﴿فلما أفاق﴾، ولا يستعمل هذا في الموت.
وأخطأ ابن قتيبة في زعمه أن موسى قد مات ﴿لعلكم تشكرون﴾ : وفي متعلق الشكر أقوال ينبني أكثرها على المراد بالبعث والموت.
فمن زعم أنهما حقيقة قال : المعنى لعلكم تشكرون نعمته بالإحياء بعد الموت، أو على هذه النعمة وسائر نعمه التي أسداها إليهم، ومن جعل ذلك مجازاً عن إرسالهم أنبياء، أو إثارتهم من الغشي، أو تعليمهم بعد الجهل، جعل متعلق الشكر أحد هذه المجازات.
وقد أبعد من جعل متعلق الشكر إنزال التوراة التي فيها ذكر توبته عليهم وتفصيل شرائعه، بعد أن لم يكن شرائع.
وقيل : المعنى لعلكم تشكرون نعمة الله بعدما كفرتموها إذا رأيتم بأس الله في رميكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت.
وقال في المنتخب : إنما بعثهم بعد الموت في دار الدنيا ليكلفهم وليتمكنوا من الإيمان ومن تلافي ما صدر عنهم من الجرائم.
أمّا أنه كلفهم، فلقوله :﴿لعلكم تشكرون﴾.
ولفظ الشكر يتناول جميع الطاعات لقوله :﴿اعملوا آل داود شكراً﴾ انتهى كلامه.
وقال الماوردي : اختلف في بقاء تكليف من أعيد بعد موته، ومعاينة الأهوال التي تضطره وتلجئه إلى الاعتراف بعد الاقتراف.
فقال قوم : سقط عنهم التكليف ليكون تكليفهم معتبراً بالاستدلال دون الاضطرار.
وقال قوم : يبقى تكليفهم لئلا يخلو بالغ عاقل من تعبد، ولا يمنع حكم التكليف بدليل قوله تعالى :﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة﴾ وذلك حين أبوا أو يقبلوا التوراة، فلما نتق الجبل فوقهم آمنوا وقبلوها، فكان إيمانهم بها إيمان اضطرار، ولم يسقط عنهم التكليف، ومثلهم قوم يونس في إيمانهم.
اه كلامه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة من ذكر قصص بني إسرائيل فصولاً منها : أمر موسى، على نبينا وعليه السلام، إياهم بالتوبة إلى الله من مقارفة هذا الذنب العظيم الذي هو عبادة العجل من دون الله، وأن مثل هذا الذنب العظيم تقبل التوبة منه، والتلطف بهم في ندائهم بيا قوم، وتنبيههم على علة الظلم الذي كان وباله راجعاً عليهم، والإعلام بأن توبتهم بقتل أنفسهم، ثم الإخبار بحصول توبة الله عليهم وأن ذلك كان بسابق رحمته، ثم التوبيخ لهم بسؤالهم ما كان لا ينبغي لهم أن يسألوه، وهو رؤية الله عياناً، لأنه كان سؤال تعنت.
ثم ذكر ما ترتب على هذا السؤال من أخذ الصاعقة إياهم.
ثم الإنعام عليهم بالبعث، وهو من الخوارق العظيمة أن يحيى الإنسان في الدنيا بعد أن مات.
ثم إسعافهم بما سألوه، إذ وقعوا في التيه، واحتاجوا إلى ما يزيل ضررهم وحاجتهم من لفح الشمس، وتغذية أجسادهم بما يصلح لها، فظلل عليهم الغمام، وهذا من أعظم الأشياء وأكبر المعجزات حيث يسخر العالم العلوي للعالم السفلي على حسب اقتراحه، فكان على ما قيل : تظلهم بالنهار وتذهب بالليل حتى ينوّر عليهم القمر.
وأنزل عليهم المن والسلوى، وهذا من أشرف المأكول، إذ جمع بين الغذاء والدواء، بما في ذلك من الحلاوة التي في المن والدسم الذي في السلوى، وهما مقمعاً الحرارة ومثيراً القوّة للبدن.
ثم الأمر لهم بتناول ذلك غير مقيد بزمان ولا مكان، بل ذلك أمر مطلق.
ثم التنصيص أن ذلك من الطيبات وبحق ما يكون ذلك من الطيبات.
ثم ذكر أنه رزق منه لهم لم يتعبوا في تحصيله ولا استخراجه ولا تنميته، بل جاء رزقاً مهنأ لا تعب فيه.
ثم أرداف هذه الجمل بالجملة الأخيرة، إذ هي مؤكدة لافتتاح هذه الجمل السابقة، لأنه افتتحها بالإخبار بأنهم ظلموا أنفسهم، وختمها بذلك وهو قوله :﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾.
فجاءت هذه الجمل في غاية الفصاحة لفظاً والبلاغة معنى، إذ جمعت الألفاظ المختارة والمعاني الكثيرة متعلقاً أوائل أواخرها بأواخر أوائلها، مع لطف الإخبار عن نفسه.
فحيث ذكر النعم صرح بأن ذلك من عنده، فقال : ثم بعثناكم، وقال : وظللنا وأنزلنا، وحيث ذكر النقم لم ينسبها إليه تعالى فقال : فأخذتكم الصاعقة.
وسر ذلك أنه موضع تعداد للنعم، فناسب نسبة ذلك إليه ليذكرهم آلاءه، ولم ينسب النقم إليه، وإن كانت منه حقيقة، لأن في نسبتها إليه تخويفاً عظيماً ربما عادل ذلك الفرح بالنعم.
والمقصود : انبساط نفوسهم بذكر ما أنعم الله به عليهم، وإن كان الكلام قد انطوى على ترهيب وترغيب، فالترغيب أغلب عليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى