فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
والمراد بقوله :﴿ثُمَّ بعثناكم﴾ الإحياء لهم لوقوعه بعد الموت، وأصل البعث الإثارة للشيء من محله، يقال : بعثت الناقة، أي : أثرتها، ومنه قول امرىء القيس :
وإخوان صدقٍ قد بَعَثْت بِسحْرِةفَقَامُوا جَمِيعاً بين غَاثٍ ونشوان
وقول عنترة :
وصحابةٌ شُمُ الأُنوف بَعْثتَهملَيلاً وَقد مَال الكرَى بطلاها
وإنما عوقبوا بأخذ الصاعقة لهم ؛ لأنهم طلبوا ما لم يأذن الله به من رؤيته في الدنيا. وقد ذهبت المعتزلة ومن تابعهم إلى إنكار الرؤية في الدنيا والآخرة، وذهب من عداهم إلى جوازها في الدنيا، والآخرة، ووقوعها في الآخرة. وقد تواترت الأحاديث الصحيحة بأن العباد يرون ربهم في الآخرة، وهي قطعية الدلالة، لا ينبغي لمنصف أن يتمسك في مقابلها بتلك القواعد الكلامية التي جاء بها قدماء المعتزلة، وزعموا أن العقل قد حكم بها، دعوى مبنية على شفا جُرُف هار، وقواعد لا يغترّ بها إلا من لم يحظ من العلم النافع بنصيب، وسيأتيك إن شاء الله بيان ما تمسكوا به من الأدلة القرآنية، وكلها خارج عن محل النزاع، بعيد من موضع الحجة، وليس هذا موضع المقال في هذه المسألة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿حتى نَرَى الله جَهْرَةً﴾ قال : علانية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن أنس قال : هم : السبعون الذين اختارهم موسى ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة﴾ قال : ماتوا ﴿ثُمَّ بعثناكم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ قال : فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله :﴿ثُمَّ بعثناكم﴾ نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام﴾ قال : غمام أبرد من هذا، وأطيب، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر، وكان معهم في التيه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام﴾ قال : كان هذا الغمام في البرية ظلل عليهم الغمام من الشمس، وأطعمهم المنّ، والسلوى حين برزوا إلى البرية، فكان المنّ يسقط عليهم في محلتهم سقوط الثلج أشدّ بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فيأخذ الرجل قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإن تعدى ذلك فسد ما يبقى عنده، حتى إذا كان يوم سادسه يوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه، ويوم سابعه فبقي عنده، لأنه كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر المعيشة، ولا لطلبة شيء، وهذا كله في البرية. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : المنّ شيء أنزل الله عليهم مثل الطلّ، والسلوى : طير أكبر من العصفور.
وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد، قال : المنّ صمغة، والسلوى : طائر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي قال : قالوا : يا موسى كيف لنا بما ها هنا أين الطعام ؟ فأنزل الله عليهم المنّ، فكان يسقط على الشجرة الترنجبين. وأخرجوا عن وهب أنه سئل ما المنّ ؟ قال : خبز الرقاق، مثل الذرة، أو مثل النقي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال : المنّ شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء، ثم يشربونه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان المنّ ينزل عليهم بالليل على الأشجار، فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاءوا، والسلوى طائر يشبه السماني، كانوا يأكلون منه ما شاءوا. وأخرج ابن جرير عنه نحوه. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود وناس من الصحابة، في السلوى مثله. وقد روى نحو ذلك عن جماعة من التابعين، ومن بعدهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ قال نحن أعزّ من أن نظلم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿ولكن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ قال : يضرّون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى