الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ : ناصبٌ ومنصوبٌ، والجملةُ في محلَّ نصبٍ بالقولِ، وقد تقدَّم الكلامُ على " لن "، وقولُه " طعام واحد " وإنما كانا طعامين وهما المَنُّ والسَّلْوى ؛ لأنَّ المرادَ بالواحدِ ما لا يَخْتَلِفُ ولا يتبدَّل، فأُريد نفيُ التبدُّلِ والاختلافِ، أو لأنهما ضَرْبٌ واحدُ لأنهما من طعامِ أهلِ التلذُّذِ والترف، ونحن أهلُ زراعاتٍ، لا نريد إلا ما أَلِفْنَاه من الأشياءِ المتفاوتةِ، أو لأنهم كانوا يأكلونَ أحدَهما بالآخرِ أو لأنهما كانا يُؤْكلان في وقتٍ واحدٍ، وقيل : كَنَوْا بذلك عن الغِنَى، فكأنهم قالوا : لن نرضَى أن نكونَ كلُّنا مشتركين في شيءٍ واحدٍ فلا يَخْدُمَ بعضُنا بعضاً وكذلك كانوا، وهم أوّلُ مَنِ اتَّخَذَ الخَدَمَ والعبيدَ.
والطعامُ : اسمٌ لكل ما يُطْعَم من مأكولٍ ومشروبٍ، ومنه
﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وقد يختصُّ ببعضِ المأكولاتِ كاختصاصه بالبُرِّ والتمر، وفي حديث الصدقة :" أو صاعاً من طعامٍ أو صاعاً من شعير "، والطَّعْمُ بفتحِ الطاءِ المصدرُ أو ما يُشْتَهى من الطعام أو ما يُؤَدِّيه الذَّوْقُ، تقول : طَعْمُه حُلْوٌ وطَعْمُه مُرٌّ، وبضمِّها الشيءُ المَطْعُوم كالأُكْلِ والأَكْل، قال أبو خراش :
أَرُدُّ شُجاعَ البطنِ لو تَعْلَمِيْنَهوأُوْثِرُ غيري من عيالِك بالطَّعْمِ
وأَغْتَبِقُ الماءَ القُراحَ فأنتهيإذا الزادُ أمسى للمُزَلَّجِ ذا طَعْمِ
أراد بالأولِ المطعومُ وبالثاني ما يُشْتهى منه، وقد يُعَبَّر به عن الإِعطاءِ، قال عليه السلام :" إذا اسْتَطْعَمَكم الإِمامُ فأطْعِموه " أي : إذا استفتح فافتحُوا عليه، وفلانٌ ما يَطْعَمُ النومَ إلا قائماً، قال :
نَعاماً بوَجْرَةَ صُفْرَ الخُدودِ ما تَطْعَمُ النَّومَ إلا صِياما
قوله :﴿فَادْعُ﴾ اللغةُ الفصيحةُ " ادعُ " بضم العينِ مِنْ دَعَا يدعُو، ولغة بني عامر : فادْعِ بكسر العين، قالَ أبو البقاء :" لالتقاءِ الساكنين، يُجْرُون المعتلَّ مُجْرى الصحيحِ، ولا يُراعونَ المحذوفَ " يعني أنَّ العينَ ساكنةٌ لأجل الأمرِ، والدالُ قبلَها ساكنةٌ، فكُسِرت العينُ، وفيه نظرٌ، لأن القاعدةَ في هذا ونحوه أنْ يُكْسَرَ الأولُ من الساكنين لا الثاني، فيجوزُ أن يكونَ [ مِنْ لغتهم ] دَعَى يَدْعي مثل رَمى يَرْمي. والدعاءُ هنا السؤالُ، ويكونُ بمعنى التسمية كقوله :
دَعَتْني أخاها أمُّ عمروٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد تقدَّم، و " لنا " متعلِّق به، واللام للعلَّة.
قوله " يُخْرِجْ " مجزومٌ في جوابِ الأمر، وقال بعضُهم :" مجزومٌ بلام الأمرِ مقدرةً، أي : لِيُخْرِجْ، وضَعَّفه الزجاج، وسيأتي الكلامُ على حَذْفِ لامِ الأمرِ إن شاء الله تعالى.
قوله :﴿مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ﴾ مفعولُ " يُخْرِجْ " محذوفٌ عند سيبويهِ تقديرُه : مأكولاً [ مِمَّا ] أو شيئاً مِمَّا تُنبت الأرضُ، والجارُّ يجوز أن يتعلَّقَ بالفعلِ قبلَه، وتكونُ " مِنْ " لابتداءِ الغاية، وأنْ يكونَ صفةً لذلك المفعولِ المحذوفِ، فيتعلَّقَ بمضمرٍ أي : مأكولاً كائناً ممَّا تُنْبِتْهُ الأرضُ و " مِنْ " للتبعيضِ، ومذهبُ الأخفش أنَّ " مِنْ " زائدةٌ في المفعول، والتقديرُ : يُخْرِجْ ما تُنْبِتُه الأرضُ، لأنه لا يَشْتَرِط في زيادتِها شيئاً.
و " ما " يجوزُ أن تكونَ موصولةً اسميةً أو نكرةً موصوفةً والعَائدُ محذوفٌ، أي : من الذي تُنْبِتُه أو من شيءٍ تُنبته، ولا يجوزُ جَعْلُها مصدريةً لأن المفعولَ المحذوفَ لا يُوَصَفُ بالإِنباتِ، لأن الإِنباتِ مصدرٌ والمُخْرَجَ جَوْهَرٌ، وكذلك على مذهبِ الأخفش لأنَّ المُخْرَجَ جَوْهَرٌ لا إنبات.
قوله :﴿مِن بَقْلِهَا﴾ يجوزُ فيه وجهان : أحدُهما : أن يكونَ بَدلاً من " ما " بإعادةِ العامل، و " مِنْ " معناها بيانُ الجنس، والثاني : أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحال من الضميرِ المحذوفِ العائدِ على " ما " أي : مما تُنْبته الأرضُ في حالِ كَوْنه مِنْ بقلها و " مِنْ " أيضاً للبيان. والبقلُ كلُّ ما تُنْبِتهُ الأرضُ من النَّجْم أي : مِمَّا لا ساقَ له، وجمعُه : بُقول. والقِثَّاء معروف، الواحدُ : قِثَّاءة، فهو من باب قَمْح وقمحة، وفيها لغتان : المشهورةُ كَسْرُ القافِ، وقُرئ بضمِّها، والهمزةُ أصلٌ بنفسِها في قولهم : أَقْثَأَتِ الأرضُ أي : كَثُر قِثَّاؤها ووزنُها فِعَّال، ويُقال في جَمْعها قَثَائي مثل عِلْباء وعَلاَبي. قال بعضُهم :" إلاَّ أنَّ قِثَّاء من ذواتِ الواو، تقول : أَقْثَأْتُ القومَ، : أي أطعمتهُم ذلك، وفَثَأْتُ القِدْر سكَّنْتُ غَلَيَانَها بالماءِ، قال :
تفُورُ علينا قِدْرُهم فَنُديمُهاونَفْثَؤُها عَنَّا إذا حَمْيُها غَلا
وهذا من هذا [ القائل ] وَهْمٌ فاحش، لأنه لمَّا جَعَلَها من ذوات الواو كيفَ يَسْتَدِلُّ عليها بقولهم :" أَقْثَأْتُ القومَ " [ بالهمز ]، بل كان ينبغي أن يُقال : أَقْثَيْتُ والأصلُ : أَقْثَوْتُ، لكنْ لمَّا وَقَعَتِ الواوُ في بناتِ الأربعةِ قُلِبَتْ ياءً، كأَغْزَيْتُ من الغَزْوِ، ولكان ينبغي أن يُقالَ :" فَثَوْتُ القِدْر " بالواو، ولقال الشاعر : نَفْثَوُها بالواو، والمَقْثَأَةُ والمَقْثُؤَةُ بفتح التاءِ وضمِّها : مَوْضِعُ القِثَّاء. والفُوم : الثُّوم، والفاءُ تُبْدَلُ من الثاء، قالوا : جَدَفٌ وجَدَثٌ، وعاثُور وعافُور، ومعاثِير ومعافِير، ولكنه [ على ] غيرِ قياس، وقيل الحِنْطَة، وأنشد ابن عباس :
قد كنتُ أغْنَى الناسِ شخصاً واحداًنَزَل المدينةَ عن زِراعة فُوْمِ
وقيل غيرُ ذلك.
قوله :" أَدْنى " فيه ثلاثةُ أقوال، أحدُها وهو الظاهرُ، وهو قول أبي إسحاق الزجاج أنَّ أصلَه : أَدْنَوُ من الدُّنُوِّ وهو القُرْب، فَقُلِبتَ الواوُ ألفاً لتحرُّكِها وانفتاحِ ما قبلها، ومعنى الدنوِّ في ذلك وجهان : أحدُهما : أنه أقربُ لقلةِ قيمته وخَساسته. والثاني : أنه أقربُ لكم لأنه في الدنيا بخلافِ الذي هو خيرٌ، فإنه بالصبرِ عليه يَحْصُلُ نفعُهُ في الآخرةِ، والثاني قولُ علي بن سليمان الخفش : أنَّ أصلَه أَدْنَأُ مهموزاً من دَنَأَ يَدْنَأُ دَناءة، وهو الشيء الخسيس، إلا أنه خُفِّفَ همزهُ كقوله :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فارْعَيْ فَزارةُ لا هَناكِ المَرْتَعُ
ويَدُلُّ عليه قراءةُ زهير الفرقبي :" أَدْنَأُ " بالهمز.
الثالث : أنَّ أصلَه أَدْوَنُ من الشيء الدُّوْن أي الرديء، فَقُلِب بأَنْ أُخِّرتِ العينُ إلى موضعِ اللامِ فصارِ : أَدْنَوَ فأُعِلَّ كما تقدَّم، ووزنُهُ أَفْلَع، وقد تقدَّم معنى الاستبدالِ وأدْنَى خبرٌ عن " هو " والجملة صلةٌ وعائدٌ، وكذلك " هو خير " أيضاً صلةٌ وعائد.
قوله :" مِصْراً " قرأه الجمهورُ منوناً، وهو خَطُّ المصحف، فقيل : إنهم أُمِروا بهبوطِ مصرٍ من الأمصار فلذلك صُرِف، وقيل : أُمِرُوا بمصرَ بعينه وإنما صُرِف لخفَّته، لسكونِ وسطِه كهنْد ودَعْد، وأنشد :
لم تَتَلَفَّعْ فَضْل مِئْزَرِهادَعْدٌ ولم تُسْقَ دَعْدُ في العُلَبِ
فَجَمع بين الأمرين، أو صَرَفه ذهاباً به إلى المكان، وقرأ الحسنُ وغيرُه :" مصرَ " وكذلك هي في بعضِ مصاحفِ عثمان ومصحفِ أُبَيّ، كأنهم عَنَوْا مكاناً بعينه. وقال الزمخشري :" إنه مُعَرَّبٌ من لسان العجم، فإن أصله مِصْرائيم، فَعُرِّب "، وعلى هذا إذا قيل بأنه عَلَمٌ لمكانٍ بعينه فلا ينبغي أن يُصْرف البتةَ لانضمامِ العُجْمِة إليه، فهو نظيرُ " ماه وجَوْر وحِمْص " ولذلك أجمعَ الجمهورُ على منعِه في قولِه ﴿ادْخُلُواْ مِصْرَ﴾
[يوسف: ٩٩]. والمِصْرُ في أصل اللغةِ :" الحدُّ الفاصلُ بين الشيئين " وحُكِي عن أهلِ هَجَرَ أنهم إذا كَتَبوا بَيْعَ دارٍ قالوا : اشترى فلانٌ الدارَ بمُصُورِها " أي : حدودِها، وأنشد :
وجاعِلُ الشمسِ مِصْراً لا خَفَاءَ بهِبين النهارِ وبينَ الليلِ قد فَصَلا
قوله ﴿مَّا سَأَلْتُمْ﴾ " ما " في محلِّ نصبٍ اسماً لإِنَّ، والخبرُ في الجارِّ قبله، و " ما " بمعنى الذي والعائدُ محذوفٌ، أي : الذي سألتموه. قال أبو البقاء :" ويَضْعُفُ أن يكونُ نكرةًَ موصوفةً " يعني أنَّ الذي سألوه شيءٌ معينٌ فلا يَحْسُنُ أن يُجابُوا بشيءٍ مُبْهَمٍ. وقُرئ :" سِلْتُم " مثل بِعْتُم، وهي مأخوذةٌ مِنْ سالَ بالألف، قالَ حسان رضي الله عنه :
سَالَتْ هُذَيْلٌ رسولَ الله فاحِشَةًضَلَّتْ هُذَيْلٌ بما سَالَتْ ولم تُصِبِ
وهل هذه الألفُ منقلبةٌ عن ياءٍ أو واوٍ لقولهم : يتساوَلان، أو عن همزةٍ ؟ أقوالٌ ثلاثةٌ سيأتي بيانُها إن شاء الله في سورة المعارج.
قولُه :﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ " ضُرِبت " مبنيٌّ للمفعولِ، " الذِّلَّةُ " قائمٌ مَقَامَ الفاعلِ، ومعنى " ضُرِبَتْ " أي : أُلْزِموها وقُضِيَ عليهم بها، من ضَرْب القِباب، قال الفرزدقُ لجرير :
ضَرَبَتْ عليك العنكبوتُ بِنَسْجِهاوَقَضى عليكَ به الكتابُ المُنَزَّلُ
والذِّلَّةُ : الصِّغارُ، والذُّل بالضم ما كان عن قَهْر، وبالكسر ما كانَ بعد شِماس من غير قهر، قاله الرغب. والمَسْكَنَةُ : مَفْعَلةٌ من السكون، لأن المِسْكينَ قليلُ الحركةِ والنهوضِ، لِما به من الفَقْر، والمِسْكينُ مِفْعيل منه إلا أنَّ هذه الميمَ قد ثَبَتَتْ في اشتقاق هذهِ الكلمةِ، قالوا : تَمَسْكَنَ يَتَمَسْكَنُ فهو مُتَمَسْكِنٌ، وذلك كما تَثْبُتُ ميم تَمَنْدَلَ وتَمَدْرَعَ من النَّدْل والدَّرْع، وذلك لا يَدُلُّ على أصالتها، لأن الاشتقاق قَضَى عليها بالزيادَةِ.
وقال الراغب :﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ فالميمُ في ذلك زائدةٌ في أصحِّ القولين " وإيرادُ هذا الخلافِ يُؤْذِنُ بأنَّ النونَ زائدةٌ، وأنه من مَسَك ".
قوله :" وباؤُوا " ألفُ " باءَ بكذا " منقلبةٌ عن واو لقولهم :" باء يَبُوء " مثل : قال يقول : ، قال عليه الصلاة والسلام " أبُوْءُ بنعمتِك عليّ " والمصدرُ البَواء، وباءَ معناه رَجَعَ، وأنشد بعضهم :
فآبُوا بالنَّهائِبِ والسَّباياوأُبْنا بالمُلوكِ مُصَفَّدينا
وهذا وَهَمٌ، لأنَّ هذا البيتَ من مادة آب يَؤُوب فمادتُه من همزةٍ وواو وباء، و " باء " مادتُه من باء وواو وهمزة، وادِّعاءُ القلبِ فيه بعيدٌ [ أنه لم يُعْهَدْ ] تقدُّمُ العينِ واللام معاً على الفاء في مقلوبٍ وهذا من ذاك.
والبَواء : الرجوعُ بالقَوَدِ، وهم في هذا الأمر بَواء أي : سَواء، قال :
ألا تَنْتَهي عنَّا مُلُوكٌ وتَتَّقيمحارِمَنا لا يَبْوُؤُ الدمُ بالدَّمِ
أي : لا يرْجِعُ الدم بالدم في القَوَد، وباءَ بكذا أَقَرَّ أيضاً، ومنه الحديثُ المتقدم، أي أُقِرُّ بِها [ وأُلْزِمُها نفسي ]،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى