اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
" لن نَصْبِرَ " ناصب منصوب، والجملة في محلّ نصب بالقول، وتقدم الكلام على " لن ".
قوله :﴿طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾، وإنما كان طعامين هما : المَنّ والسَّلْوَى ؛ لأن المراد بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدّل، فأريد بالوحدة نفي التبديل لا الاختلاف، أو لأنهما ضرب واحد ؛ لأنهما من طعام أهل التلذُّذ والترف، ونحن أهل زِرَاعات لا نريد إلا ما ألفناه من الأشياء المتفاوتة، أو لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر، أو لأنهما كانا يؤكلان في وقت واحد.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كانوا يعجنون المَنّ والسّلوى، فيصير طعاماً واحداً.
وقيل : لأن العرب تعبّر عن الاثنين بلفظ الواحد، وبلفظ الواحد عن الواحد، كقوله تعالى :﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرجان من المِلْحِ دون العَذْب.
قال ابن الخطيب : ليس المراد أنه واحد في النوع، بل إنه واحد في المَنْهَجِ، كما يقال : إن طعام فلان على مائدته طعام واحد إذا كان لا يتغيّر عن نهجه.
وقيل : كنوا بذلك عن الغنى، فكأنهم قالوا : لن نرضى أن نكون كلنا مشتركين في شيء واحد فلا يخدم بعضنا بعضاً، وكذلك كانوا أول من اتخذ الخدم والعبيد. و " الطعام " : اسم لكل ما يطعم من مأكول ومشروب، ومنه :﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقد يختص ببعض المأكولات كاختصاصه بالبُرّ والتَّمْرِ في حديث الصَّدقة، أو صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير. والطَّعم بفتح الطاء المصدر أو ما يشتهى من الطعام أو ما يؤديه الذوق، تقول : طَعْمُهُ حُلْو وطَعْمُهُ مُرّ، وبضمها الشيء المطعوم كالأُكْلِ والأَكْل ؛ قال أبو خِرَاشٍ :[ الطويل ]
أراد بالأول المطعوم، وبالثاني ما يُشْتَهَى منه، وقد يعبَّر به عن الإعطاء ؛ قال عليه السلام :" إِذا اسْتَطْعَمَكُمُ الإمام فَأَطْعِمُوُه(١) " أي : إذا استفتح، فافتحوا عليه، وفلان ما يَطْعَمُ النومَ إلاَّ قائماً ؛ قال :[ المتقارب ]
قوله :" فادع " اللّغة الفصيحة " ادْعُ ".
بضم العين من " دَعَا يدعو ".
ولغة بني عامر " فَادْعِ " بكسر العين قال أبو البقاء :" لالتقاء السَّاكنَيْنِ ؛ يُجْرُونَ المعتلَّ مُجْرَى الصَّحيح، ولا يراعون المحذُوفَ " يعني أن العَيْنَ ساكنةٌ، لأجل الأمر، والدَّالُ قبلها ساكنةٌ، فكسرت العين، وفيه نظرٌ، لأن القاعدة في هذا ونحوه أن يُكْسَر الأوَّل من الساكنين، لا الثاني، فيجوزُ أنْ يكُون من لُغتِهِمْ " دَعَا يَدْعِي، " مثل " رَمَى يَرْمِي "، والدُّعَاء هنا السُّؤال، ويكون هنا بمعنَى التَّسْمية ؛ كقوله :[ الطويل ]
٥٢٩- دَعَتْنِي أَخَاها أُمُّ عَمْرٍو ***. . .
وقد تقدم، و " لنا " متعلّق به، واللام للعلة.
قوله :" يُخْرِجْ " مجزوم في جواب الأمر.
وقال بعضهم : مجزوم بلام الأمر مقدرة، أي " ليخرج "، وضعفه الزجاج وسيأتي الكلام على حذف لام الأمر إن شاء الله تعالى.
والقراءة المشهورة " يُخْرِجْ " بضم " الياء " وكسر " الراء "، و " تُنْبِت " بضم " التاء " وكسر " الباء " وقرأ زيد بن علي " يَخْرُج " بفتح " الياء " وضم " الراء " و " تَنْبُت " بفتح " التاء " وضم " الباء ".
قوله :﴿مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ﴾ مفعول " يخرج " محذوف عن سيبويه تقديره : مأكولاً مما، أو شيئاً ممّا تنبت الأرض. والجار يجوز أن يتعلّق بالفعل قبله، ويكون " مِنْ " لابتداء الغاية، وأن تكون صفةً لذلك المفعول المحذوف، فيتعلّق بمضمر، أي : مأكولاً كائناً مما تنبته الأرض.
و " مِنْ " للتبعيض، ومذهب الأخفش : أن " من " زائدة في المفعول، والتقدير : يخرج ما تُنْبِتُهُ الأرض ؛ لأنه لا يشترط في زيادتها شيئاً.
قال النَّحاس : وإنما دعى الحسن إلى زيادتها ؛ لأنه لم يجد مفعولاً ل " يخرج " فأراد أن يجعل " ما " مفعولاً و " ما " يجوز أن تكون موصولة اسمية أو نكرة موصوفة، والعائد محذوف، أي : من الذي تُنْبته، أو من شيء تُنْبته، ولا يجوز جعلها مصدريّة ؛ لأن المفعول المحذوف لا يُوصَف بالإنبات ؛ لأن الإنبات مصدر، [ والمُخْرج ] جوهر، وكذلك على مذهب الأخفش ؛ لأن المخرج جوهر لا إنبات.
قوله :" مِنْ بَقْلِهَا " يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون بدلاً من " ما " بإعادة العامل، و " من " معناها : بيان الجِنْس.
والثاني : أن يكون في محلّ نصب على الحال من الضمير المحذوف العائد على " ما " أي : مما تُنْبته الأرض في حال كونه من بقلها، و " من " أيضاً للبيان.
و " البَقْل " : كل ما تنبته الأرض من النَّجم، أي : ما لا سَاقَ له، وجمعه " بُقُول ".
و " القِثَّاء " معروف، الواحدة : قِثَّاءة، فهو من باب قَمْح وقَمْحة، وفيها لغتان : المشهورة كسر القاف، وهي قراءة العامة، وقرأ يحيى بن وَثّاب، وطلحة بن مصرّف، والأشهب العُقَيْلِيُّ بضم القاف وهي لغة " تميم ".
و " القِثَّاء " مُفْرَدُهُ وَجَمْعُهُ ممدود، تقول :" قِثَّاء " و " قِثَّاءة " وَ " دِبَّاءَ " وَ " دِبَّاءة "، وَ " دَاء " وَ " دَوَاء " والهمزة أصلٌ بنفسها في قولهم :" أَقْثَأَتِ الأرض "، أي : كثر قِثَّاؤها. ووزنها " فِعَّال "، ويقال في جمعها :" قَثَائِي "، مثل :" عِلْبَاء " و " عَلاَبِي ".
قال بعضهم : إلا أن " قِثَّاء " من ذوات الواو، تقول " أَقْثَأْتُ القَوْمَ "، أي : أطمعتهم ذلك، وَقَثأْتُ القِدْرَ سَكَّنْتُ غليانَهَا بالماء.
قال الجعدي :[ الطويل ]
وهذا وهم فاحش ؛ لأنه لما جعلها من ذوات الواو كيف يستدلّ عليه بقولهم :" أَقْثأت القوم " بالهمز، بل كان ينبغي أن يقال :" أَقْثَيْتُ " والأصل " أَقْثوْتُ " لكن لما وقعت الواو في بناء الأربعة قلبت ياء، ك " أَغْزَيْتُ " من الغَزْوِ، ولكان ينبغي أن يقال :" قَثَوْتُ القِدْرَ " بالواو، ولقال الشاعر :[ نَقْثُوهَا ] بالواو.
وَ " الْمَقْثَأة " و " الْمَقْثُؤَة " - بفتح الثاء وضمها : موضع " القِثَّاء ".
و " الفُوم " : الثُوم وروي عن علقمة وابن مسعود أنه قرأ :" وثُومها "، وهي قراءة ابن عباس رضي الله عنهما وفي مصحف عبد الله. والفاء تبدل من الثاء كما قالوا :" جدث وجدف " و " عَاثُور وعَافُور " و " مَغَافير ومَغَاثير "، ولكنه غير قياس.
وعن ابن عباس الفُوم : الخُبْز، تقول العرب :" فَوِّمُوا لنا : أي : اخْتَبزُوا ".
وقال ابن عباس أيضاً وعطاء وأبو مالك : هو الحِنْطَة وهي لغة قديمة، وأنشد ابن عباس لمن سأله عن " الفُومِ " :[ الكامل ]
وقال ابن دُرَيْدٍ " " الفُومَةُ السُّنْبُلَةُ "، وأنْشَد :[ الوافر ]
وقال القتيبي :" هو الحبوبُ كلها ".
قال الكلبي والنضر بن شُمَيْل والكسَائي والمؤرج : الصّحيح أنه الثُّوم، لقراءة ابن عباس، ولكونه في مُصْحِف عبد الله بن مسعود وثُومها ؛ ولأنه لو كان المراد الحِنْطة لما جاز أن يقال لهم : أَتَسْتَبِْدِلُون الذي هو أدنى بالذي هو خير ؛ لأن الحِنْطة أشرف الأطعمة، ولأنَّ الثوم أوفق للعَدَس والبَصَل من الحِنْطة وأنشد المؤرج لحسان :[ المتقارب ]
يعني : الثوم والبصل ؛ وأنشد النضر لأمية بن أبي الصَّلْت :[ البسيط ]
الفَرَادِيس : واحدها فِرْدِيسٌ. وَكَوْمٌ مُفَرْدَسٌ، أي : مُعَرَّش.
وقال بعضهم :" الفُوم : الحِمَّص لغة شامِيّة ".
قوله :" وَعَدَسِهَا " العَدَس معروف، والعَدَسَة : بَثْرَةٌ تخرج بالإنسان، وربما قَتَلَتْ وعَدَسْ زجر للبِغَال ؛ قال :[ الطويل ]
والعدس : شدة الوَطْء، والكَدْح أيضاً، يقال : عدسه. وعدس في الأرض ذهب فيها، وعدست إليه المَنِيّة أي : سارت ؛ قال الكميت :[ الطويل ]
أي : يسار إليّ بالليل. وعدس لغة في حدس، قاله الجوهري. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ :" عليكم بالعَدَسِ فإنه مُبَارك مُقَدّس، وإنه يرقق القَلْب ويكثر الدَّمْعَة فإنه بارك فيه سبعون نبياً آخرهم عِيْسَى ابن مريم ".
اختلف العلماء في أكل البصل والثّوم [ والكراث ](٦) وما له رائحة كريهة من البُقُول.
فذهب الجمهور إلى الإبَاحَةِ، للأحاديث الثابتة في ذلك.
وذهبت طائفة من أهل الظاهر القائلين بوجوب صلاة الفرض في الجَمَاعة إلى المَنْعِ ؛ لأن النبي عليه الصَّلاة والسَّلام سمّاها خبيثةً.
وقال تعالى :﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
والصحيح الأول ؛ لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام لبعض أصحابه :" كُلْ فإنِّي أُنَاجي من لا تُنَاجي ".
قوله :" أَتَسْتَبْدِلُون " ؛ وفي مصحف أُبي " أَتُبَدِّلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى "، وفيه ثلاثة أقوال :
أحدها : وهو الظاهر قول الزجاج أن أصله :" أَدْنَوُ " من الدنو، وهو القرب، فقلبت الواو ألفاً لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ومعنى الدُّنُوِّ في ذلك فيه وجهان :
أحدهما : أنه أقرب لقلّة قيمته وخَسَاسته.
والثاني : أنه أقرب لكم ؛ لأنه في الدنيا بخلاف الذي هو خير، فإنه بالصبر عليه يحصل نفعه في الآخرة.
والثاني : قول علي بن سليمان الأَخْفَش أن أصله :" أَدْنَأُ " مَهْمُوزاً من دَنَأَ يَدْنَأُ دَنَاءَة، وهي الشيء الخَسِيْس، إلا أنه خفّف همزته ؛ كقوله :[ الكامل ]
ويدل عليه قراءة زهير(٨) [ القرقبي ](٩) الكسائي(١٠) :" أدنأ " بالهمز.
الثالث : أن أصله : أَدْوَن من الشيء الدّون، أي : الرَّدِيء، فقلب بأن أخرت العين إلى موضع اللام، فصار : أَدْنُوُ، فأعلّ كما تقدم. ووزنه " أفلع "، وقد تقدم معنى الاستبدال.
و " أدنى " خبر عن " هو "، والجملة صلة وعائد، وكذلك :" هو خير " صلة وعائد أيضاً.
ومعنى الآية : أتستبدلون البقل والقثّاء والفوم والعدس والبصل الذي هو أدنى بالمَنّ والسَّلوى الذي هو خير ؟ من وجوه :
الأول : أنّ البقول لا خطر لها بالنسبة إلى المَنّ والسلوى، لأنهما طعام مَنّ الله به عليهم، وأم
قوله :﴿طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾، وإنما كان طعامين هما : المَنّ والسَّلْوَى ؛ لأن المراد بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدّل، فأريد بالوحدة نفي التبديل لا الاختلاف، أو لأنهما ضرب واحد ؛ لأنهما من طعام أهل التلذُّذ والترف، ونحن أهل زِرَاعات لا نريد إلا ما ألفناه من الأشياء المتفاوتة، أو لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر، أو لأنهما كانا يؤكلان في وقت واحد.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كانوا يعجنون المَنّ والسّلوى، فيصير طعاماً واحداً.
وقيل : لأن العرب تعبّر عن الاثنين بلفظ الواحد، وبلفظ الواحد عن الواحد، كقوله تعالى :﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرجان من المِلْحِ دون العَذْب.
قال ابن الخطيب : ليس المراد أنه واحد في النوع، بل إنه واحد في المَنْهَجِ، كما يقال : إن طعام فلان على مائدته طعام واحد إذا كان لا يتغيّر عن نهجه.
وقيل : كنوا بذلك عن الغنى، فكأنهم قالوا : لن نرضى أن نكون كلنا مشتركين في شيء واحد فلا يخدم بعضنا بعضاً، وكذلك كانوا أول من اتخذ الخدم والعبيد. و " الطعام " : اسم لكل ما يطعم من مأكول ومشروب، ومنه :﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقد يختص ببعض المأكولات كاختصاصه بالبُرّ والتَّمْرِ في حديث الصَّدقة، أو صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير. والطَّعم بفتح الطاء المصدر أو ما يشتهى من الطعام أو ما يؤديه الذوق، تقول : طَعْمُهُ حُلْو وطَعْمُهُ مُرّ، وبضمها الشيء المطعوم كالأُكْلِ والأَكْل ؛ قال أبو خِرَاشٍ :[ الطويل ]
| ٥٢٧- أَرُدُّ شُجَاعَ البَطْنِ لَوْ تَعْلَمِينَهُ | وأُوثِرُ غَيْرِي مِنْ عِيَالِكِ بالطُّعْمِ |
| وأَغْتَبِقُ المَاءَ القَرَاحَ فَأَنْتَهِي | إذَا الزَّادُ أَمْسَى للْمُزَلَّجِ ذَا طَعْمِ |
| ٥٢٨- نَعَاماً بِوَجْرَةَ صُفْرَ الْخُدُو | دِ مَا تَطْعَمُ النَّوْمَ إِلاَّ صيَامَا |
بضم العين من " دَعَا يدعو ".
ولغة بني عامر " فَادْعِ " بكسر العين قال أبو البقاء :" لالتقاء السَّاكنَيْنِ ؛ يُجْرُونَ المعتلَّ مُجْرَى الصَّحيح، ولا يراعون المحذُوفَ " يعني أن العَيْنَ ساكنةٌ، لأجل الأمر، والدَّالُ قبلها ساكنةٌ، فكسرت العين، وفيه نظرٌ، لأن القاعدة في هذا ونحوه أن يُكْسَر الأوَّل من الساكنين، لا الثاني، فيجوزُ أنْ يكُون من لُغتِهِمْ " دَعَا يَدْعِي، " مثل " رَمَى يَرْمِي "، والدُّعَاء هنا السُّؤال، ويكون هنا بمعنَى التَّسْمية ؛ كقوله :[ الطويل ]
٥٢٩- دَعَتْنِي أَخَاها أُمُّ عَمْرٍو ***. . .
وقد تقدم، و " لنا " متعلّق به، واللام للعلة.
قوله :" يُخْرِجْ " مجزوم في جواب الأمر.
وقال بعضهم : مجزوم بلام الأمر مقدرة، أي " ليخرج "، وضعفه الزجاج وسيأتي الكلام على حذف لام الأمر إن شاء الله تعالى.
والقراءة المشهورة " يُخْرِجْ " بضم " الياء " وكسر " الراء "، و " تُنْبِت " بضم " التاء " وكسر " الباء " وقرأ زيد بن علي " يَخْرُج " بفتح " الياء " وضم " الراء " و " تَنْبُت " بفتح " التاء " وضم " الباء ".
قوله :﴿مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ﴾ مفعول " يخرج " محذوف عن سيبويه تقديره : مأكولاً مما، أو شيئاً ممّا تنبت الأرض. والجار يجوز أن يتعلّق بالفعل قبله، ويكون " مِنْ " لابتداء الغاية، وأن تكون صفةً لذلك المفعول المحذوف، فيتعلّق بمضمر، أي : مأكولاً كائناً مما تنبته الأرض.
و " مِنْ " للتبعيض، ومذهب الأخفش : أن " من " زائدة في المفعول، والتقدير : يخرج ما تُنْبِتُهُ الأرض ؛ لأنه لا يشترط في زيادتها شيئاً.
قال النَّحاس : وإنما دعى الحسن إلى زيادتها ؛ لأنه لم يجد مفعولاً ل " يخرج " فأراد أن يجعل " ما " مفعولاً و " ما " يجوز أن تكون موصولة اسمية أو نكرة موصوفة، والعائد محذوف، أي : من الذي تُنْبته، أو من شيء تُنْبته، ولا يجوز جعلها مصدريّة ؛ لأن المفعول المحذوف لا يُوصَف بالإنبات ؛ لأن الإنبات مصدر، [ والمُخْرج ] جوهر، وكذلك على مذهب الأخفش ؛ لأن المخرج جوهر لا إنبات.
قوله :" مِنْ بَقْلِهَا " يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون بدلاً من " ما " بإعادة العامل، و " من " معناها : بيان الجِنْس.
والثاني : أن يكون في محلّ نصب على الحال من الضمير المحذوف العائد على " ما " أي : مما تُنْبته الأرض في حال كونه من بقلها، و " من " أيضاً للبيان.
و " البَقْل " : كل ما تنبته الأرض من النَّجم، أي : ما لا سَاقَ له، وجمعه " بُقُول ".
و " القِثَّاء " معروف، الواحدة : قِثَّاءة، فهو من باب قَمْح وقَمْحة، وفيها لغتان : المشهورة كسر القاف، وهي قراءة العامة، وقرأ يحيى بن وَثّاب، وطلحة بن مصرّف، والأشهب العُقَيْلِيُّ بضم القاف وهي لغة " تميم ".
و " القِثَّاء " مُفْرَدُهُ وَجَمْعُهُ ممدود، تقول :" قِثَّاء " و " قِثَّاءة " وَ " دِبَّاءَ " وَ " دِبَّاءة "، وَ " دَاء " وَ " دَوَاء " والهمزة أصلٌ بنفسها في قولهم :" أَقْثَأَتِ الأرض "، أي : كثر قِثَّاؤها. ووزنها " فِعَّال "، ويقال في جمعها :" قَثَائِي "، مثل :" عِلْبَاء " و " عَلاَبِي ".
قال بعضهم : إلا أن " قِثَّاء " من ذوات الواو، تقول " أَقْثَأْتُ القَوْمَ "، أي : أطمعتهم ذلك، وَقَثأْتُ القِدْرَ سَكَّنْتُ غليانَهَا بالماء.
قال الجعدي :[ الطويل ]
| ٥٣٠- تَفُورُ عَلَيْنَا قِدْرُهُمْ فَنُدِيمُهَا | وَنَقْثَؤُهَا عَنَّا إِذَا حَمْيُهَا غَلاَ |
وَ " الْمَقْثَأة " و " الْمَقْثُؤَة " - بفتح الثاء وضمها : موضع " القِثَّاء ".
و " الفُوم " : الثُوم وروي عن علقمة وابن مسعود أنه قرأ :" وثُومها "، وهي قراءة ابن عباس رضي الله عنهما وفي مصحف عبد الله. والفاء تبدل من الثاء كما قالوا :" جدث وجدف " و " عَاثُور وعَافُور " و " مَغَافير ومَغَاثير "، ولكنه غير قياس.
وعن ابن عباس الفُوم : الخُبْز، تقول العرب :" فَوِّمُوا لنا : أي : اخْتَبزُوا ".
وقال ابن عباس أيضاً وعطاء وأبو مالك : هو الحِنْطَة وهي لغة قديمة، وأنشد ابن عباس لمن سأله عن " الفُومِ " :[ الكامل ]
| ٥٣١- قَدْ كُنْتَ أَحْسِبُنِي كَأَغْنَى وَاحِدٍ | [ نَزَلَ ] الْمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومِ |
| ٥٣٢- وَقَالَ رَبيئُهُمْ لم أَتَانَا | بِكَفِّهِ فُومَةٌ أَوُ فُومَتَانِ(٢) |
قال الكلبي والنضر بن شُمَيْل والكسَائي والمؤرج : الصّحيح أنه الثُّوم، لقراءة ابن عباس، ولكونه في مُصْحِف عبد الله بن مسعود وثُومها ؛ ولأنه لو كان المراد الحِنْطة لما جاز أن يقال لهم : أَتَسْتَبِْدِلُون الذي هو أدنى بالذي هو خير ؛ لأن الحِنْطة أشرف الأطعمة، ولأنَّ الثوم أوفق للعَدَس والبَصَل من الحِنْطة وأنشد المؤرج لحسان :[ المتقارب ]
| ٥٣٣- وَأَنْتُمْ أُنَاسٌ لِئَامُ الأُصُولِ | طَعَامُكُمُ الْفُومُ وَالْحَوْقَلُ(٣) |
| ٥٣٤- كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ إِذْ ذَاكَ ظاهِرَةً | فِيْها الْفَرَادِيسُ وَالْفُومَانُ وَالْبَصَلُ(٤) |
وقال بعضهم :" الفُوم : الحِمَّص لغة شامِيّة ".
قوله :" وَعَدَسِهَا " العَدَس معروف، والعَدَسَة : بَثْرَةٌ تخرج بالإنسان، وربما قَتَلَتْ وعَدَسْ زجر للبِغَال ؛ قال :[ الطويل ]
| ٥٣٥- عَدَسْ مَا لِعَبَّادٍ عَليْكِ إِمَارَةٌ | نَجَوْتِ وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ(٥) |
| ٥٣٦- أُكَلِّفُهَا هَوْلَ الظَّلاَمِ وَلَمْ أَزَلْ | أَخَا اللَّيْلِ مَعْدُوساً إِلَيَّ وَعَادِسَا |
اختلف العلماء في أكل البصل والثّوم [ والكراث ](٦) وما له رائحة كريهة من البُقُول.
فذهب الجمهور إلى الإبَاحَةِ، للأحاديث الثابتة في ذلك.
وذهبت طائفة من أهل الظاهر القائلين بوجوب صلاة الفرض في الجَمَاعة إلى المَنْعِ ؛ لأن النبي عليه الصَّلاة والسَّلام سمّاها خبيثةً.
وقال تعالى :﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
والصحيح الأول ؛ لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام لبعض أصحابه :" كُلْ فإنِّي أُنَاجي من لا تُنَاجي ".
فصل في لفظ أدنى
قوله :" أَتَسْتَبْدِلُون " ؛ وفي مصحف أُبي " أَتُبَدِّلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى "، وفيه ثلاثة أقوال :
أحدها : وهو الظاهر قول الزجاج أن أصله :" أَدْنَوُ " من الدنو، وهو القرب، فقلبت الواو ألفاً لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ومعنى الدُّنُوِّ في ذلك فيه وجهان :
أحدهما : أنه أقرب لقلّة قيمته وخَسَاسته.
والثاني : أنه أقرب لكم ؛ لأنه في الدنيا بخلاف الذي هو خير، فإنه بالصبر عليه يحصل نفعه في الآخرة.
والثاني : قول علي بن سليمان الأَخْفَش أن أصله :" أَدْنَأُ " مَهْمُوزاً من دَنَأَ يَدْنَأُ دَنَاءَة، وهي الشيء الخَسِيْس، إلا أنه خفّف همزته ؛ كقوله :[ الكامل ]
| ٥٣٧-. . . | فَارْعَيْ فَزَارَةُ لاَ هَنَاكِ الْمَرْتَعُ(٧) |
الثالث : أن أصله : أَدْوَن من الشيء الدّون، أي : الرَّدِيء، فقلب بأن أخرت العين إلى موضع اللام، فصار : أَدْنُوُ، فأعلّ كما تقدم. ووزنه " أفلع "، وقد تقدم معنى الاستبدال.
و " أدنى " خبر عن " هو "، والجملة صلة وعائد، وكذلك :" هو خير " صلة وعائد أيضاً.
فصل في معنى الآية
ومعنى الآية : أتستبدلون البقل والقثّاء والفوم والعدس والبصل الذي هو أدنى بالمَنّ والسَّلوى الذي هو خير ؟ من وجوه :
الأول : أنّ البقول لا خطر لها بالنسبة إلى المَنّ والسلوى، لأنهما طعام مَنّ الله به عليهم، وأم
١ - موقوف على سيدنا علي كرم الله وجهه..
٢ - ينظر جمهرة اللغة: (٣/١٦٠)، مجاز القرآن: (١/٤١)، الجامع لأحكام القرآن: (١/٢٨٩)، اللسان (فوم)، والهاء في قوله: "بكفه" غير مشبعة..
٣ - ينظر القرطبي: ١/٢٨٩..
٤ - ينظر اللسان (فوم)، القرطبي: ١/٢٨٨..
٥ - البيت ليزيد بن مفرغ ينظر ديوانه: ص ١٧٠، وخزانة الأدب: ٦/٤١، ٤٢، ٤٨، ولسان العرب (حدس)، (عدس)، والمقاصد النحوية: ١/٤٤٢، ٣/٢١٦، وتخليص الشواهد: ص ١٥٠، وتذكرة النحاة: ص ٢٠، وجمهرة اللغة: ص ٦٤٥، وأدب الكاتب: ص ٤١٧، والإنصاف: ٢/٧١٧، والدرر: ١/٢٦٩، وشرح التصريح: ١/ ١٣٩، ٣٨١، وشرح شواهد المغني: ٢/٨٥٩، وشرح المفصل: ٤/ ٧٩، والشعر والشعراء: ١/٣٧١، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب: ص ٣٦٢، ٤٤٧، وأوضح المسالك: ١/١٦٢، وخزانة الأدب: ٤/ ٣٣٣، ٦/٣٨٨، وشرح الأشموني: ١/٧٤، والمحتسب: ٢/٩٤، وشرح المفصل: ٢/١٦، ٤/٢٣، وشرح شذور الذهب: ص ١٩٠، وشرح قطر الندى: ص١٠٦، ومغني اللبيب: ٢/ ٤٦٢، وهمع الهوامع: ١/٨٤، القرطبي: ١/٢٩٠.
ينظر ديوانه: (١٨٧)، القرطبي: (١/٢٩٠)، اللسان (عدس)..
٦ - سقط في ب..
٧ - عجز بيت للفرزدق وصدره:
راحت بمسلمة البغال عشية
ينظر ديوانه: (٥٠٨)، أمالي ابن الشجري: (١/٨٠)، الخصائص: (٣/١٥٢)، المحتسب: ٢/ ١٧٣، الكشاف: ٤/٤٤٥، الكتاب: (٣/٥٥٤)، المقتضب: (١/٢١٣)، الحجة: (١/٣٠١)، (٢/١٦٩)، شرح المفصل: (٤/١٢٢)، (٩/١١١ ـ ١١٣) وشرح الشافية للرضي: (٣/٤٧)، الدر المصون: (١/٢٤١)..
٨ - انظر البحر المحيط: ١/٣٩٦، والمحرر الوجيز: ١/١٥٣، والدر المصون: ١/٢٤١..
٩ - سقط في ب..
١٠ - زهير القرقبي النحوي، يعرف بالكسائي، له اختيار في القراءة يروى عنه، وكان في زمن عاصم، روى عنه الحروف نعيم بن ميسرة النحوي، ينظر غاية النهاية: ١/٢٩٥ (١٣٠١)..
٢ - ينظر جمهرة اللغة: (٣/١٦٠)، مجاز القرآن: (١/٤١)، الجامع لأحكام القرآن: (١/٢٨٩)، اللسان (فوم)، والهاء في قوله: "بكفه" غير مشبعة..
٣ - ينظر القرطبي: ١/٢٨٩..
٤ - ينظر اللسان (فوم)، القرطبي: ١/٢٨٨..
٥ - البيت ليزيد بن مفرغ ينظر ديوانه: ص ١٧٠، وخزانة الأدب: ٦/٤١، ٤٢، ٤٨، ولسان العرب (حدس)، (عدس)، والمقاصد النحوية: ١/٤٤٢، ٣/٢١٦، وتخليص الشواهد: ص ١٥٠، وتذكرة النحاة: ص ٢٠، وجمهرة اللغة: ص ٦٤٥، وأدب الكاتب: ص ٤١٧، والإنصاف: ٢/٧١٧، والدرر: ١/٢٦٩، وشرح التصريح: ١/ ١٣٩، ٣٨١، وشرح شواهد المغني: ٢/٨٥٩، وشرح المفصل: ٤/ ٧٩، والشعر والشعراء: ١/٣٧١، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب: ص ٣٦٢، ٤٤٧، وأوضح المسالك: ١/١٦٢، وخزانة الأدب: ٤/ ٣٣٣، ٦/٣٨٨، وشرح الأشموني: ١/٧٤، والمحتسب: ٢/٩٤، وشرح المفصل: ٢/١٦، ٤/٢٣، وشرح شذور الذهب: ص ١٩٠، وشرح قطر الندى: ص١٠٦، ومغني اللبيب: ٢/ ٤٦٢، وهمع الهوامع: ١/٨٤، القرطبي: ١/٢٩٠.
ينظر ديوانه: (١٨٧)، القرطبي: (١/٢٩٠)، اللسان (عدس)..
٦ - سقط في ب..
٧ - عجز بيت للفرزدق وصدره:
راحت بمسلمة البغال عشية
ينظر ديوانه: (٥٠٨)، أمالي ابن الشجري: (١/٨٠)، الخصائص: (٣/١٥٢)، المحتسب: ٢/ ١٧٣، الكشاف: ٤/٤٤٥، الكتاب: (٣/٥٥٤)، المقتضب: (١/٢١٣)، الحجة: (١/٣٠١)، (٢/١٦٩)، شرح المفصل: (٤/١٢٢)، (٩/١١١ ـ ١١٣) وشرح الشافية للرضي: (٣/٤٧)، الدر المصون: (١/٢٤١)..
٨ - انظر البحر المحيط: ١/٣٩٦، والمحرر الوجيز: ١/١٥٣، والدر المصون: ١/٢٤١..
٩ - سقط في ب..
١٠ - زهير القرقبي النحوي، يعرف بالكسائي، له اختيار في القراءة يروى عنه، وكان في زمن عاصم، روى عنه الحروف نعيم بن ميسرة النحوي، ينظر غاية النهاية: ١/٢٩٥ (١٣٠١)..